بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

أمانة الإرث التاريخي...

استمع إلى المقالة

يسترعي انتباه الباحث في التاريخ السعودي احتفاظ الملك سلمان برئاسة مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز كآخر المجالس والوحيد الذي ظل يرأسه حتى صدور أمره بتعيين الأمير فيصل بن سلمان رئيساً للمجلس (12 ديسمبر «كانون الأول» 2023). ولندرك مدى هذا الاهتمام المتوارث بالتاريخ وتدوينه علينا التأمل في اهتمام الملك عبد العزيز ودعمه لكتابة وتوثيق التاريخ، حيث سهّل مهمة الباحثين والرّحالة وزائري البلاد من الأدباء والمثقفين في تسجيل مشاهداتهم وانطباعاتهم، كما شجع مستشاريه للكتابة عن تاريخ وجغرافية السعودية والجزيرة العربية ويسَّر حصولهم على المعلومات والوثائق، وتكفل بتمويل بعض الرحلات الاستكشافية، وترك لكل أولئك مطلق الحرية فيما يكتبونه وينشرونه، فصدرت عشرات البحوث والكتب التي تناولت جوانب متعددة من تاريخ الدولة وجغرافية جزيرة العرب، هذا عدا المعاجم والبلدانيات والمذكرات وغيرها من المؤلفات والصور. إضافة إلى اهتمامه بنشر وطباعة الكتب، وأحصى الأديب السعودي الأستاذ عبد العزيز الرفاعي في مؤلفه (عناية الملك عبد العزيز بنشر الكتب) 98 كتاباً طبعت على نفقة الملك المؤسس في العلوم الشرعية والسير والتراجم والتاريخ والآداب. استمر هذا الاهتمام بالتاريخ في عهد أبنائه الملوك، ففي عهد الملك سعود نال أول سعودي شهادة الدكتوراه في التاريخ عام 1960، ليصبح الدكتور عبد العزيز الخويطر بعد سنوات رئيساً لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، وصدر عام 1964 قرار من مجلس الوزراء بإنشاء دائرة للآثار ترتبط بوزارة المعارف. ثم رأى الملك فيصل - بفكره المؤسسي - ضرورة إنشاء مؤسسة مرجعية لتكون امتداداً لذلك الإرث العظيم ونافذة للتاريخ الوطني وحافظة لذاكرة الأمة وخزانة للوثائق التاريخية للمملكة العربية السعودية، وبدأت الخطوات لتأسيس دارة الملك عبد العزيز عام 1969. رسمياً صدرت الموافقة على إنشاء الدارة برقم 6133/3 وتاريخ 10 مايو (أيار) 1971، وبتوجيه من الملك فيصل، أشرف وزير المعارف الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ على إنشاء الدارة ووضع لبناتها التأسيسية ورسم رؤيتها الأولى، واستقطب لها الكفايات من المؤرخين والباحثين لتعنى بتاريخ وجغرافية وآداب وتراث المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية. وفي 12 ديسمبر (كانون الأول) 1971م صدر الأمر السامي رقم 21835/ 3 / ر بتشكيل أول مجلس لإدارتها، برئاسة وزير المعارف، وعضوية الدكتور عبد العزيز الفدا والدكتور أحمد محمد علي، والأساتذة: محمد حسين زيدان وعبد الله بن إدريس وعبد العزيز الرفاعي، وتعيين الدكتور منير العجلاني والأستاذ محمد أمين التميمي مستشارين لمجلس الإدارة.

وصدر نظامها من 17 مادة بالمرسوم الملكي رقم م/45 وتاريخ 12 سبتمبر (أيلول) 1972م، ونص أنها «هيئة مستقلة لها الشخصية الاعتبارية وتلحق إدارياً بوزير المعارف»، (عدل بعد ذلك إلى وزير التعليم العالي). واختير أستاذ التاريخ في جامعة الرياض (الملك سعود) الدكتور محمد بن سعيد الشعفي ليكون أول أمنائها العامين، وخلفه تكليفاً مدير مكتب وزير التعليم العالي الأستاذ عمر بن سليمان الحصين، ثم الدكتور طامي بن هديف البقمي، فالأستاذ عبد الملك بن عبد الله آل الشيخ، ثم الأستاذ عبد الله بن حمد الحقيل، فوكيل وزارة التعليم العالي الدكتور طامي البقمي تكليفاً، وأخيراً الدكتور فهد بن عبد الله السماري منذ عام 1995.

وتولى رئاسة مجلس إدارتها منذ تأسيسها، وزير المعارف ثم التعليم العالي، الشيخ حسن آل الشيخ وحتى وفاته عام 1987، فخلفه الدكتور عبد العزيز الخويطر وزير المعارف ووزير التعليم العالي بالنيابة حتى عام 1991، ثم وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري حتى عام 1997.

وفي يوم 5 مايو 1997م أصدر مجلس الوزراء قراراً بإعادة تشكيل مجلس إدارة الدارة برئاسة (الأمير) سلمان بن عبد العزيز، فكان التحول الأكبر في مسيرة الدارة، وتزامن ذلك مع رئاسته للجنة العليا للاحتفال بمناسبة مرور مائة عام على دخول الملك عبد العزيز الرياض وتأسيس المملكة العربية السعودية، فوجه بأن تقوم الدارة بطبع الإصدارات بعد مراجعتها ودراستها، وتنظيم الندوة العلمية للمناسبة. كل ذلك أسهم في صقل تجربة الدارة وجوّد من مهاراتها التنظيمية، وأنتج مئات الإصدارات الموثقة عن التاريخ السعودي.

وتحت رئاسة الملك سلمان توسعت أعمال الدارة وتطورت برامجها ومبادراتها وتراكمت تجربتها وتزايد إنتاجها وتصاعدت فعاليتها في المشهد المعرفي، كما ازدادت مهامها، ففي عام 2001 صدرت الموافقة السامية بتولي الدارة توثيق المعلومات التاريخية عن أفراد الأسرة المالكة وإصدار شجرة النسب وتحديثها، فأُسس (مركز توثيق تاريخ الأسرة المالكة). واقتضت تطورات عملها إعادة النظر في نظامها، فصدر قرار مجلس الوزراء رقم 487 وتاريخ 29 مايو 2018م بالموافقة على تنظيم دارة الملك عبد العزيز المكون من 16 مادة، الذي حل محل النظام السابق ونص على ارتباطها برئيس مجلس الوزراء، وأن يعين رئيس مجلس إدارتها بأمر ملكي، وأنها مرجع أساس للتاريخ والتراث السعودي، وتهدف إلى خدمة تاريخ وتراث المملكة والعالمين العربي والإسلامي، كما فصّل في اختصاصاتها وتشكيلاتها ومواردها المالية.

ويأتي تعيين الأمير فيصل بن سلمان رئيساً لمجلس إدارة الدارة ليواكب مرحلة التحول الكبرى التي تعيشها المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده وليقود الدارة نحو تحقيق رسالتها وأهدافها.

والأمير فيصل حاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة أكسفورد عن أطروحته ذات الأبعاد التاريخية والسياسية «إيران والسعودية والخليج... سياسة القوة في مرحلة انتقالية»، وهو دارس وباحث وأستاذ في العلوم السياسية، وقارئ مهتم بالتاريخ السياسي، لكن مدرسته الأولى التي تعلم فيها السياسة التطبيقية والقراءة الفاحصة للتاريخ وغيرها من الفنون والمعارف، كانت مدرسة سلمان بن عبد العزيز، علاوة على خبراته العملية وتجاربه الإدارية والإعلامية والاستثمارية ومبادراته التاريخية التي أرى أنها ستفيد الدارة وتسهم في تحقيق أهدافها، والتي بذلت وعلى مر تاريخها جهوداً في حفظ التاريخ وتحقيقه وتقديمه للمهتمين والعموم من خلال إصداراتها ومناشطها المختلفة، ومع ذلك ما زال هناك الكثير ليُعمل، إضافة إلى جوانب عديدة تستوجب أن تُستكمل.

لقد عهد الملك سلمان إلى الأمير فيصل ليكون الأمين على الإرث التاريخي للمملكة العربية السعودية، كما عهد إليه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ليكون الأمين على تنظيم وتوثيق الإنتاج الفكري السعودي بتعيينه رئيساً لمجلس أمناء المكتبة الوطنية للمملكة العربية السعودية (مكتبة الملك فهد الوطنية)، وأرى أن الجمع بين الرئاستين سيحقق التكامل بين عمل الجهتين، فأعانك الله أبا فهد على استكمال الجوانب المطلوبة للانطلاق بالدارة والمكتبة نحو فضاءات أرحب، للتميز في خدمة تاريخ المملكة وتراثها وجغرافيتها، حفظاً وتنمية وإتاحة ونشراً، وتحقيق الريادة في الحفاظ على النتاج الفكري الوطني وبناء مجتمع معرفي.