فايز سارة
كاتب وسياسي سوري. مقيم في لندن. عمل في الصحافة منذ أواسط السبعينات، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإعلامية، وكتب في كثير من الصحف والمجلات، ونشر دراسات ومؤلفات في موضوعات سورية وعربية. وساهم في تأسيس العديد من التجارب السياسية والمدنية.
TT

التشابه الكبير في غزة وأخواتها السوريات!

استمع إلى المقالة

قد يبدو العنوان غريباً، وللقراء الحق؛ ففي التبعية الكيانية والسياسية، كما في الجغرافيا والتاريخ وفي الموقع وعدد السكان وتركيبهم الاجتماعي والثقافي وغيرها، ثمة كثير من الاختلافات بين غزة فلسطين وكل من منطقة شمال غربي سوريا الأخت السورية الصغرى، التي يشار إليها باعتبارها منطقة السيطرة التركية، والأخت الثانية، منطقة شمال شرقي سوريا، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية والمعروفة باسم «قسد» اختصاراً. بل إن ثمة فروقاً بين الأختين الأخيرتين في كثير من تفاصيل، يعجز كثيرون عن تعدادها، ولعل هذا أهم الأسباب التي تجعل العنوان حول تشابه الأخوات، وليس اختلافاتهن.

في تشابه حال الأخوات، أول ما يلفت النظر وقوعها الراهن تحت خط النار لحرب إسرائيلية، وأخرى سورية/روسية، وثالثة تركية، توجه جميعها إلى الأكثرية الأضعف من السكان، وأقل ما يمكن أن توصف به، أنها نار همجية شاملة، والأخيرتان يمكن أن تكوناً بعضاً من صفات أي حرب، لكنها في حالة الأخوات الثلاث، تشكل حالة ثأر لدماء ضحايا ما زالت ساخنة.

ويركز الإسرائيليون في وصف الحرب على غزة، أنها ساحقة ومدمرة وواسعة الأهداف، موجهة ضد حركة «حماس»، التي تسيطر على غزة، وهي رد على احتجاز إسرائيليين، وشن هجمات صواريخ على عشرات الأهداف، والتي أدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة، في نتائجها أرقام مميزة، عما أصاب إسرائيل في أي من حروبها السابقة.

ولا يتجاوز نظام الأسد في أسباب فكرة الثأر في حربه على منطقة السيطرة التركية، فيؤكد أنها انتقام لما حصل في مذبحة الكلية الحربية بحمص، التي قتل فيها عسكريون وأهالٍ من المدنيين على هامش حفل تخريج ضباط الكلية، مما دفع قوات نظام الأسد والطائرات الروسية إلى شن هجمات واسعة على عشرات المدن والقرى والمخيمات، قتل وجرح فيها عشرات، وهجر عشرات آلاف، وشمل الدمار الممتلكات والمرافق العامة والبنى التحتية.

وتقارب الحرب التركية في شرق الفرات التجربتين السابقتين. إذاً هي ثأر لعملية تفجير إرهابية، ارتكبها عناصر من «حزب العمال الكردستاني» التركي(PKK) مؤخراً في العاصمة أنقرة، التي تصف الحزب بأنه منظمة إرهابية، وتصف «قسد» بأنها جزء منه، وقد دمرت العمليات التركية أهدافاً استراتيجية وحيوية كثيرة في مدن وقرى شرق الفرات، وقتلت وجرحت عشرات من المدنيين.

وثمة جانب لا بد من التوقف عنده في الحرب الجارية في المناطق الثلاث، وهي أن الحرب في جبهاتها الثلاث حرب مرحلية، سوف تتوقف عن حد إشباع القائمين بها الثأر والانتقام، وبهذا المعنى فإنها لن تتمخض عن حلول في جوهر الصراع القائم بين أطراف جبهاتها الثلاث، فهي لن تحل، ولن تسهم في حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، التي اندلعت حرب غزة على خلفيته، ولن تكون الحرب على منطقة السيطرة التركية مرحلة في حل ما للقضية السورية، ولا الحرب التركية ضد «قسد» ستوفر فرصة أفضل للأمن القومي التركي على نحو ما يسعى الأتراك، الأمر الذي يعني في الحالات جميعاً أن الحرب سوف تتكرر وتتكرر، وربما مرات كثيرة، ما دام لا حلول للأسباب الجوهرية.

ولعل من أهم مشتركات تشابه المناطق الثلاث، أنها مناطق محكومة بقوى الأمر الواقع، وليس من سلطة فيها تم انتخابها، أو جرى التصويت أو التشاور حول إمساكها السلطة، إنما جاء الأمر نتيجة تطورات سياسية وميدانية، أدت إلى فرض السلطة بالقوة، وهذا ما فعلته حركة «حماس» ذات التوجه الإخواني، وفعلته «هيئة تحرير الشام»، التي تعود نواتها الصلبة إلى «جبهة النصرة» فرع تنظيم «القاعدة» في سوريا، وأخواتها من التنظيمات المسلحة في المنطقة المنتمية إلى اتجاهات إسلامية محلية الطابع، فيما تتبنى نواة «قسد» المعروفة بحزب الاتحاد الديمقراطي(pyd) آيديولوجيا يسارية مركبة على تشدد قومي كردي، وتحكم كل واحدة من السلطات منطقة سيطرتها بالقوة الغاشمة المتشددة، فيما يصفها خصومها من الإسرائيليين ونظام الأسد والأتراك، بأنها قوى إرهابية، ورغم أن في ذلك بعض الحقيقة، فإن خصومها أسوأ؛ إذ هم في قائمة الأنظمة التي تمارس الإرهاب وتدعمه على نطاق واسع.

وانتقالاً من تشابه سلطات الأمر الواقع وطبيعتها، فإن التشابه يشمل بعض حال سكان تلك المناطق؛ ففي غزة يبلغ عدد السكان نحو 2 مليون وربع مليون نسمة، وفي منطقة شمال غربي سوريا أكثر من 4 ملايين، ويزيد سكان منطقة سيطرة «قسد» في شمال شرقي على 3 ملايين، ويعاني أغلب سكان المناطق الثلاثة من الفقر، وقلة فرص العمل، ومن هشاشة الخدمات الأساسية في الماء والكهرباء والمشافي والمدارس، وتسجل منطقة السيطرة التركية واحدة من أعلى نسب سكن المخيمات العشوائية في العالم، وواحدة من أسوأ نظم ونسب التعليم.

وتتعرض حالة التردي لسكان غزة وأخواتها إلى مزيد من التدهور في ظل الحرب الحالية، التي تجعل المدنيين أهدافاً أساسية لها، وتضع في جملة أهدافها المرافق العامة والخدمات تحت مسعى يتضمن زيادة صعوبات حياة السكان، وإشاعة الإحباط واليأس في صفوفهم بدعوى أنهم يشكلون حاضنة للإرهاب، وداعمون للجماعات الإرهابية، وهي ادعاءات يعرف أصحابها أنها غير حقيقية، ويعرفون أن قوى سيطرة الأمر الواقع في المناطق الثلاث، ليست محكومة بإرادة سكانها.

خلاصة القول، في تشابهات حال غزة وأخواتها السوريات، أن المناطق الثلاث على ما بينها من اختلافات، إنما ترسم ملامح وضع عربي سيئ، تتحالف في تكريسه قوى إقليمية، لا تدفع نحو الأسوأ فقط، بل إنها تترك المشاكل والقضايا دون حلول، وتقاوم كل مساعي الحلول التي بلورتها الإرادة الدولية والمبادرات الإقليمية وغيرها، وأن سلطات الأمر الواقع المحلية شريك واقعي للقوى الإقليمية رغم ما تبديه من اختلافات في الشعارات والسياسات، وكلها أمور تضع عالمنا والعرب الراغبين في تغيير واقعهم ومستقبلهم لتحرك فاعل ونشط نحو تركيز جهودها، والسعي لحل مشاكل المنطقة بصورة جدية.