فيصل محمد صالح
وزير الإعلام السوداني السابق
TT

فِعل المقاومة... وخطابها

استمع إلى المقالة

حرك زلزال السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الذي حمل اسم «طوفان الأقصى» الكثير من الثوابت، وصنع متغيرات جديدة، وفتح الباب أمام الكثير من الاحتمالات. المفاجأة نفسها، بغض النظر عن قوة الفعل، كانت واحداً من عوامل الزلزال. طوال السنوات الماضية ترسخت بعض النظريات، ومنها أن جهاز المخابرات الإسرائيلي يعد واحداً من أخطر أجهزة المخابرات في العالم، وأنه يعلم «دبة النملة» في غزة وبقية الأراضي الفلسطينية، فإذا بـ«طوفان الأقصى» يتدفق براً وبحراً وجواً ليغرق كل أوهام إسرائيل في زمن أقل من الساعة، ومخابراتها في حالة نوم عميق.

تكسير وهم قوة وسطوة «الموساد» و«الشاباك» وكل أجهزة الأمن والمخابرات الإسرائيلية كان واحدة من أهم نتائج عملية «طوفان الأقصى»، ومعها أيضاً أسطورة قوة الجيش الإسرائيلي الذي انهار في الساعة نفسها، وعجزت القبة الحديدية التي كلفت مئات الملايين من الدولارات عن التصدي للمقاومين وهم يطيرون بمناطيد بدائية، ويدخلون بدراجات نارية، ولنشات محلية التجهيز.

مؤكد أن العالم مشغول الآن بالعملية نفسها ونتائجها، لكنه حين يفرغ من ذلك ستتجه مخابراته ومراكز دراساته المتخصصة إلى دراسة العملية من نواحٍ أخرى؛ لمعرفة كيف توافر للمقاومين الفلسطينيين هذا المستوى من التأهيل والاحترافية الذي تمت به العملية.

ولعل أكبر مكاسب العملية هو إعادة وضع القضية الفلسطينية في مقدمة الأجندة الدولية، فلن يستطيع أي طرف دولي أن يتجاهلها بعد الآن، وسيتعدى النقاش تفاصيل عملية «طوفان الأقصى» ليصل لجوهر القضية، وهو كيف يتم إنصاف الشعب الفلسطيني بطريقة عادلة، تعالج جذور المشكلة، وتقلص احتمالات العنف.

الرهان هنا ليس بالضرورة على الحكومات الغربية والمنظمات الحكومية الدولية والإقليمية، ولكن على القوى الديمقراطية في المجتمعات الغربية. فهذه المجتمعات ليست كتلة واحدة، وإنما بها كثير من المجموعات والمنظمات والقوى السياسية والاجتماعية، التي تحمل وجهة نظر مختلفة، وتناصر قضايا العدالة والحرية والمساواة في مختلف أقطار العالم، وتستطيع أن تشكل ضغطاً على الحكومات.

ويسجل التاريخ أن ناشطة أميركية اسمها راشيل كوري آمنت بحق الشعب الفلسطيني في الحياة بعزة وكرامة، وعملت ضمن المجموعات المناهضة لنزع الأراضي الفلسطينية لإقامة المستوطنات، وماتت في مارس (آذار) 2003، دهساً تحت آلية إسرائيلية وهي تقف في مواجهتها لتمنعها من هدم منازل الفلسطينيين. تحولت راشيل كوري إلى أيقونة، ومثلت حادثة موتها مناسبة لحركة تضامن واسعة في المجتمع الأميركي ضد إقامة المستوطنات، وفرصة لآخرين لسماع وجهة نظر مختلفة حول ما يجري في الأراضي الفلسطينية.

كذلك فإن هذه العملية أيقظت الشعوب العربية والإسلامية من حالة سبات عميق في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأعادتها لموضع الاهتمام مرة أخرى، وشهد الكثير من العواصم مسيرات مؤيدة للحق الفلسطيني، كما أنها بالضرورة ستعيد طرح الكثير من الأسئلة في ما يتعلق بعملية التطبيع مع إسرائيل ومدى مناسبتها للوضع الراهن، والاستحقاقات المطلوبة قبل تطبيع العلاقات.

لم تَنقُص حركة «حماس» والمقاتلين الفلسطينيين الجرأة والحماسة والفدائية، فقد اندفعوا خفافاً نحو ميدان القتال يحملون أرواحهم في أيديهم، ولم تَنقُص القيادة التخطيط والإعداد السليم، بدليل النجاح الكبير في تحقيق الأهداف المرجوة، فما الذي كان ينقصهم...؟

أظن أن القصور الواضح كان في الخطاب الإعلامي المصاحب للعملية، والذي كان يجب دراسته وتحضيره جيداً، مع استيعاب الأسئلة والمآخذ المتوقعة. فالخطاب الحماسي بدا وكأنه موجه للداخل فقط، بينما كانت مخاطبة الخارج، وبالذات المجتمع الغربي ومؤسساته، أمراً في غاية الأهمية. هناك حساسية شديدة للمجتمعات الغربية تجاه استهداف المدنيين، وتاريخ طويل من سوء الظن بالمنظمات السياسية ذات الطابع الديني، وذاكرة حاضرة بأفعال «داعش» و«جبهة النصرة» و«القاعدة» وبقية المنظمات الدينية الموجودة في هذا الجزء من العالم، وكان المرجو من «حماس» ومناصريها تحضير وإعداد خطاب يفصل بين تجربة المقاومة الفلسطينية ككل، كحركة تحرر وطني، وبقية تلك المنظمات الدينية المسلحة.

ولعل الخطاب الذي وجهه أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم حركة «حماس»، والذي هدد فيه بقتل الرهائن المدنيين وإعدامهم واحداً بعد الآخر في حال استهداف إسرائيل للمنشآت المدنية، دليل على فقدان هذه الحساسية في مخاطبة العالم. خطاب مثل هذا كفيل بإحداث ضرر كبير بالمقاومة الفلسطينية، ومصدر إحراج للمنظمات والمجموعات المناصرة لها.

من حسن الحظ أن توفر متحدثون باللغة الإنجليزية من أمثال الدكتور مصطفى البرغوثي، وممثل دولة فلسطين في بريطانيا حسام زملط؛ فقد كان أداؤهما على شاشتي «بي بي سي» و«سي إن إن» رائعاً ومقنعاً، خاطبا العالم الغربي باللغة التي يفهمها، وردا على الأسئلة المحرجة بلباقة وقدرة على تحويل اتجاه المقابلة لطرح الأسئلة الحقيقية.

من المهم أن تدرك قوى المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي»، أهمية الخطاب المصاحب لأفعال المقاومة؛ فهو جزء مكمل للعمل على الأرض، لا غنى عنه على الإطلاق، يستحق أن يتم الاهتمام به وتوفير الكوادر والإمكانات المطلوبة للأشخاص المؤهلين للقيام بدورهم الذي لا يقل عن دور المقاتلين في ساحة المعركة.