د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

السلطة الرابعة مرآة الشعب

استمع إلى المقالة

يقول مالكوم إكس: «وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، لديها القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوة لأنها تتحكّم في عقول الجماهير». وأيضاً قال فيكتور هوغو: «بما أنني أريد السيادة الوطنية في كل حقيقتها، فإنني أريد الصحافة في كل حريتها».

من أجمل ما قيل في الإعلام إنه السمة المميزة لصناعة وتحريك العقول وتغيير التوجّهات، وذلك ببذل الجهود لإيجاد إعلام يرقى بالإنسان وعقله. فالصحافة صوت الشعب، ووسائل الإعلام أهم منبر للتعبير عن آراء المواطن، وأرقى مصدر لبناء الآراء، والحصول على المعلومات الصحيحة والوقائع الحقيقية. وسائل الإعلام الحديثة تسلّط الضوء على حرية تدفّق المعلومات، وعصر الفضائيات المفتوحة أصبح من أهم وأبرز الأدوات لتبادل الثقافات والخبرات والمعرفة بين غالبية شعوب العالم من أقصاه إلى أقصاه.

إذا اعتمدنا التسلسل التاريخي فسنجد أن الإعلام لم يكن وليد عصر أو أمة أو حضارة أو ثقافة، بل مرّ بالعديد من المراحل التاريخية المختلفة عبر مئات السنين، حيث بدأ مسيرته في رسائل شفوية ثم تطور إلى قرع طبول، ومزامير، وإشعال نيران في المرتفعات ومناداة في الساحات، أو من خلال نقش على الأحجار وجلود الحيوانات. هذا في البر، أما في البحر، فبدأ على متن السفن لتحديد الهوية والتواصل في عصر الشراع. لكن الانطلاقة الأولى لوسائل الاتصال قد بدأت بمرحلة الاتصال غير اللفظي من رسوم ورموز تخص الحضارات الإنسانية المتعاقبة إلى مرحلة اللغة والإنسان الناطق ثم إلى مرحلة الطباعة (الكتب والمخطوطات والصحف) على يد المخترع الألماني يوهان غوتنبرغ (1395م - 1468م) تلتها بداية الإعلام والاتصال المكتوب (الصحف... ومن ثم إلى ظهور وسائل الإعلام التقليدية (الهاتف، والفاكس، والإذاعة، والسينما، والتلفزيون)، لتصل إلى مرحلة الميديا الجديدة مع شبكة الإنترنت والاتصال الرقمي.

وهكذا رافق الإعلامُ الإنسان منذ وجوده، وارتبط ظهور وسائل الإعلام بتاريخ الإنسان حتى أصبح المصدر الرئيسي المعتمد من قِبل الغالبية العظمى للحصول على المعلومات والأخبار على اختلاف أنواعها؛ سياسية كانت، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو غيرها، بحيث أصبحت صمام أمان لأفكار الأمة ومبادئها في الارتقاء نحو الأفضل بشكل حر وديمقراطي، محافظاً على كيانه في كل مكان وزمان بوسائل تنسجم مع طبيعة وقدرات المجتمع الذي يعيش فيه. لذا ازدهر الإعلام في العصور القديمة وساد لدى الكثير من الأمم، فعرف الفراعنة القيمة الأساسية للإعلام ودوره في إدارة البلاد وتوجيه العباد، فاتخذوه وسيلة ليصبح جزءاً من تاريخ مصر القديم، ويقول علماء المصريات إن الفراعنة عرفوا الصحافة وكانوا يسجلونها على أوراق البردى. أما المصرليوجي، عالم الآثار الأميركي الشهير جيمس هنري برستد (1865م - 1935م) فيقول إن المصريين القدماء عرفوا صوراً متقدمة من الإعلام الحربي، لذا شيّدوا الأهرامات والمعابد الضخمة ليس من أجل الاحتفاظ بجثثهم وممارسة طقوسهم الدينية فحسب، بل سطّروا على جدرانها أمجادهم وانتصاراتهم في المعارك الحربية، وإن المسلّات المصرية كانت تمثل إحدى الوسائل الإعلامية فكانوا يسجلون عليها مفاخرهم الحضارية ممثلة في صور ولغة هيروغليفية إلى جانب ما تؤديه من وظيفة دينية. أما بلاد الرافدين وأرض فارس فكانت مسرحاً للعمليات الإعلامية في العصور القديمة، ونستطيع أن نعتبر أن ما تبقّى منه يُعدّ إعلاماً متطوراً مرّ بمراحل متطورة قبل أن يصل إلينا مما هو عليه الآن من حضارة ورُقي.

أما اليونانيون فكانوا السبّاقين في هذا المجال، حيث أكّدت ذلك السجلات التي تركها الإغريق عن الخطابة والمناقشات الفكرية، كما تشير إلى أن القائد العسكري الإسكندر المقدوني أدرك أهمية الإعلام والتأثير الكبير الذي يحدثه على عامة الشعب، لذلك كان يصطحب معه في فتوحاته الشعراء والكتّاب والمفكرين من أجل تدوين إنجازاته، كما قدّم أفلاطون في جمهوريته أول نظرية للاتصال. ومارس الرومان النشاط الإعلامي فكان ذا طابع ديني شمل على رسائل المبشّرين المسيحيين الأوائل الذين أوفدوا إلى البلاد البعيدة من أجل التبشير بالإنجيل، ومن بعدها تمثل بالصحف المتعلقة بالمجالات الحياتية... لكن الإعلام في العصر الجاهلي كان في مناظرات شعرية في سوق عكاظ الذي كان منبراً إعلامياً للشعر، بحيث إن القصيدة التي تفوز تُعلَّق على جدران الكعبة وسُمِّيت بالمعلقات «السبع» أو «العشر». وفي العصر الإسلامي تحوّل الإعلام إلى طابع ديني، فكان القرآن الكريم هو الوسيلة للإعلام الديني في وسائل للدعوة إلى توحيد الله واعتناق الإسلام. إلى أن حدثت الثورة الصناعية، تبعتها التطورات العلمية والتكنولوجية لتصبح ما هي عليه اليوم لتُحدث تغييرات جذرية في الوظائف الإعلامية.

في القرون الأخيرة، تحوّل الإعلام من إعلام بدائي بسيط إلى إعلام متحضّر ومعقّد، بخاصة في القرن الواحد والعشرين، ومن إعلام مساند للقرارات الصادرة من قِبل السلطات إلى إعلام مؤثر على إصدار القرارات من خلال الضغط على السلطات، وبذلك يمارس حقاً الإعلام وظيفته بوصفه سلطة رابعة فعلياً، فيجب ألا يغيب عن أذهاننا قدرة الإعلام على التأثير والتوجيه في مجريات الأحداث الساخنة على الساحة العالمية. فالإعلام سيف ذو حدّين يتكلم بلسان الشعب بحرية وديمقراطية وموضوعية فيرفع حكومات ويسقط حكومات، لذا على الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية توخّي الدقة والحذر في نقل المعلومة والخبر والرأي بلغة مباشرة وواضحة، مع الالتزام بجميع المبادئ المهنية؛ من صدقية وموضوعية ونزاهة ورقي وارتقاء إلى مستوى الخبر في مواجهة بالوقائع الحقيقية والأخبار الصحيحة. لكن الإعلام الجديد، بعكس الإعلام التقليدي، أضحى إعلاماً حراً خالياً من الرقابة والقيود، خاصة بعد استعمال التكنولوجيا والإنترنت، حيث تعددت الوسائل الإعلامية بوجود الصحف والمحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية والمواقع الإعلامية عبر الإنترنت. فأصبحت البيئة الإعلامية شديدة التحيّز أحياناً، أو غالباً.

إذا نظرنا على مستوى العالم فهل نستطيع القول إن الإعلام نزيه وغير متحيّز؟! وفي لبنان، هل نستطيع أن نقول ذلك بوجود وسائل إعلام مملوكة من قِبل أفراد أو مؤسسات خاصة أو غيرهم، تلتزم برأي صاحبها أو أصحابها لترسو في بيئة إعلامية متحيّزة تعكس الانقسامات السياسية والطائفية في البلاد؟! فماذا إن لم تكن الأخبار والآراء معبّرة ومضللة وبعيدة عن الصواب والواقع ولا تعكس الحقيقة، فماذا يعكس الإعلام حينها؟!