> وصلتني قبل أيام رسالة من قارئ عربي يعيش في هولندا يقول فيها، بلا تمهيد مناسب، إنه يرى أنني أميل كثيراً للسينما الأميركية وأنسى ما تفعله سياسة الولايات المتحدة الأميركية في العالم و«ما تسببه من حروب وكوارث وأزمات من كل صنف» كما يقول. وفي نهاية الخطاب يقول: «كنت أتمنى من حضرتك، كونك ناقداً عربياً، أن تقف في صف الشعوب المظلومة مدافعاً عن القضايا التي يعاني منها الجميع بسبب السياسة الأميركية».
> النقد الذي تحتويه الرسالة في الأساس خطأ، لأن من يراجع زاوية «شاشة الناقد» كل أسبوع يجد فيها تنوّعاً لا تحتويه أي صحيفة عربية (على الأقل) أخرى. الأفلام المشاهدة والواردة هنا هي بانوراما عالمية قصداً وعمداً.
> الأسئلة المستنتجة من هذا الخطاب كثيرة، وكلها تتمحور حول موضوع لا علاقة له بالسينما، بل بالسياسة. موضوع لو اتبعت رأي الكاتب لبات عليّ تجاهل وجود السينما الأميركية كلها. وبما أنها والعديد من دول أوروبا الغربية واحدة، فلم لا أتوقف عن الكتابة عن السينمات الأوروبية؟
> هذا يتركني أمام أفلام العرب والأتراك والإيرانيين والهنود والأفريقيين. وإذا ما وجدت أن الأتراك مالوا للغرب ضممتهم إلى قائمتي السوداء. وبالنسبة لدول أميركا اللاتينية والأفريقية والعديد من دول آسيا الوسطى وتلك التي تقع في جنوب شرقي آسيا فعليّ أن أحمل مجهراً أفحص به سياسة هذه البلدان... هل تعارض الولايات المتحدة أو تقف إلى جانبها؟.
> لا أدري كم مرّة اضطررت إلى القول إن الناقد السينمائي لا يجب أن يحبّذ فيلماً على آخر بسبب مصدر الفيلم أو نوعه أو لأسماء شخصية، ولا حتى بسبب مضمونه سياسياً كان أو غير سياسي. طبعاً المضمون مهم، لكنه يتبع اختيارات خارج اختصاص الناقد. فيلم ديفيد وورك غريفيث «مولد أمّة» تحفة فنية وبصرية، لكنه عنصري ضد السود الأميركيين.
> الطريقة الوحيدة للكتابة عنه على نحو صحيح هو ذكر حقيقة توجهه العنصري وإبداء الرأي فيه، لكن تقييم الفيلم هو فعل فني لعمل فني. فيلم فرنسيس فورد كوبولا «القيامة الآن»، هو تحفة لأنه صوّر ونفّذ مضمونه على هذا الأساس وليس لأنه ضد حرب فيتنام أو معها.
> إلى أن نحترم فن المبدع ونحب السينما لنفسها أولاً وأخيراً، ونعرف كيف نقرأ الأفلام بعيداً عن السياسة والتيارات والآراء المسددة مسبقاً، لن يكون بإمكاننا الخروج من سياق معادٍ لجميع الأفلام حتى تلك التي توافق بعضنا. النقد علم وليس رأي، والفيلم الجيد هو فن وليس منشوراً سياسياً.
