مها محمد الشريف
كاتبة سعودية مختصة بقضايا الشرق الأوسط والعالم، كتبت في العديد من الصحف الرسمية السعودية وصحيفة «الرؤية» الإماراتية، وتكتب بشكل دائم في صحيفتَي «الجزيرة» و«الشرق الأوسط». لها اهتمامات بالرسم والتصميم الاحترافي.
TT

«روشن»... قفزة عالمية بين الكبار

استمع إلى المقالة

العالم مكان فسيح ومعقد، وله زوايا مختلفة يعمل الكل بموجب مبادئه والأشياء الجوهرية التي تميزه، لإظهار تلك الصورة التي يريدها بشكل لائق ومتناغم مع الكل، ولهذا تعمل الدول على وضع جيوسياسي عالمي، وتتبعه بطرق تفكير مختلفة ومستويات أعلى من الثقة والإبداع والنجاح، وتجدر الإشارة هنا إلى القوة الناعمة التي تعد من المفاهيم الأساسية في علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، ودمجها في الاستراتيجيات الدولية والسياسات الخارجية، وهذا المصطلح يُستخدم حالياً على نطاق واسع في الشؤون الدولية من قبل الباحثين والمحللين والسياسيين.

ولكن كيف يمكن استحضار أفضل ما يحرك التغييرات الإيجابية الضخمة للقوة الناعمة؟ وكيف يكون التقدير الخاص الذي تتضمنه لتعزيز القدرة على التأثير من دون استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية؟ وكيف يمكن أن يزدهر كل شيء من حولنا بشكل واعٍ، وتحفيزه نحو مسار تنموي؟ كل ذلك يمكن أن يحصل بطريقة تفكير مغايرة، ورفع درجة النقلات النوعية ليصبح مثيراً للاهتمام، فالتقدم المتميز في العلاقات العالمية والشهرة والسمعة والتأثير الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في هذا الشأن، قد أرسى قواعده حتى تصدرت المملكة دول الشرق الأوسط في القوة الناعمة.

ومن مقومات هذه القوة وتأثيرها الاستثنائي وجود الحرمين الشريفين على أرض المملكة وخدمة المسلمين في العالم، والاستقرار الاقتصادي والسياسي وتنويع مصادر الاقتصاد بموجب رؤية المملكة 2030، أضف لكل هذه المقومات الهائلة الثروة البترولية وعضوية منظمة «أوبك»، والثقافة والتنمية والتعليم والرياضة التي تعكس الرؤية الطموحة.

علماً بأن الرؤية الطموحة محرك قوي لكل هذا التقدم في التقارير العالمية والخطط الاستراتيجية لتحقيق تنمية مستدامة في مختلف المجالات، رؤية تهدف إلى تعزيز المكانة الدينية للمملكة كأرض الحرمين الشريفين، وتنويع الاقتصاد وزيادة الاستثمارات وخلق فرص عمل وأهمية الموقع الجغرافي للمملكة كمحور للتجارة والتواصل بين القارات، وتعتمد على قيمة المعلومات والعلوم الأخرى، وشعبية وجماهيرية الرياضة والموسيقى والأفلام، ومجموعة من القيم كالديمقراطية وحقوق الإنسان، وسياسة خارجية مثل المساعدات والتنمية الاقتصادية ونشر السلام، وكذلك تطوير المجتمع وتعزيز الهوية الوطنية والقيم الإسلامية.

وأصدرت «براند فاينانس» تقريرها لعام 2023م عن القوة الناعمة، حيث حققت السعودية المركز الـ19 من بين 121 دولة حول العالم. فمن خلال الأدوات التي تمتلكها المملكة تمكنت من التأثير في كثير من المجالات، واليوم ‏السعودية رائدة في اللعبة الأكثر شعبية في العالم (كرة القدم) بعد الوصول إلى الدوريات الأوروبية‏، حيث تم تمويل نافذة انتقالات صيفية قياسية في كرة القدم الأوروبية بفضل تدفقات نقدية من السعودية، وذكرت «الفايننشيال تايمز» دور السعودية المؤثر الأهم على الكرة الأوروبية وسوق الانتقالات، وأثر التدفق السريع للأموال من أندية كرة القدم السعودية بشكل كبير على سوق الانتقالات في يونيو (حزيران) الماضي، حيث قامت الرياض بتسليم السيطرة على 4 من أبرز أندية كرة القدم المحلية لصندوق الاستثمار العام المدعوم من الدولة.

وتصدرت مقالات وحوارات كثيرة حول الصفقات السعودية وبما أنفقته أندية الدوري الإنجليزي الممتاز لأكثر من ملياري جنيه إسترليني على لاعبين جدد للمرة الأولى في نهاية النافذة الصيفية للانتقالات، حيث دفعت الأندية الإنجليزية من الدرجة الأولى مبالغ بقيمة 2.36 مليار جنيه إسترليني، وفقاً لأرقام من شركة استشارات، مقارنةً بالرقم القياسي السابق البالغ 1.92 مليار جنيه إسترليني الذي تم تحقيقه الصيف الماضي، بمعنى أشعلت السوق وأحدثت تأثيراً ناضجاً؛ فالحكمة هي التي تحدد المكاسب.

لقد ارتفع متوسط المبلغ المدفوع لكل لاعب من قبل أندية الدوري الممتاز إلى 24 مليون جنيه إسترليني، مقارنة بـ18.8 مليون جنيه في العام الماضي، و14 مليون جنيه في عام 2018، وبلغ إجمالي الرسوم التي تم جنيُها من عمليات بيع اللاعبين من قبل أندية الدوري الممتاز 550 مليون جنيه إسترليني، أكثر من ضعف الرقم القياسي السابق، ووقعت صفقات انتقال كبيرة بين أندية الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الصيف.

لذلك يمكن أن تحصل على الأفضل من كل شيء، إذا كان العمل يكمن في قدرة القادة العظماء الذين يأخذون أفضل ما لدى الآخرين بالتأثير والقوة الناعمة.