ماريو فارغاس يوسا
روائي بيروفي حاصل على جائزة «نوبل» في الأدب عام 2010. يكتب مرتين شهرياً في«الشرق الأوسط».
TT

على المحكّ: الغثيان

ليس هذا أول عنوان صدر لجان بول سارتر، إذ سبق له أن دفع إلى دار «غاليمار» في عام 1936 بمخطوط يحمل عنوان «كآبة»، رفضته تلك الدار رغم المدائح التي كالها جان بولان الذي كان يعمل فيها مراجعاً، ويشرف على تحرير «المجلة الفرنسية الجديدة»، الذي قال يومها إن سارتر بذل جهداً كبيراً في كتابة ذلك المخطوط وعانى كثيراً من رفض دار النشر له.

لكن في أبريل (نيسان) من عام 1937، وبتوصية من المخرج المسرحي شارل دولين، والكاتب بيار بوست، اللذين كانا يدعمانه بحماس، صدرت أولى روايات سارتر التي كانت نسخة معدّلة جداً من «كآبة»، وليس فيها من الرواية سوى الاسم، لأن سارتر، كغيره من المبدعين، يلعب على حبال الكلمات ويشطح في متاهات الأفكار حتى حدود التناقض. يومها قال النقّاد إن النموذج كان فاليري، سيلين أو ريلكه، لكن سارتر في الواقع كان يحاول تقليد يونسكو، ذلك الكاتب القادم من رومانيا الذي كان قد بدأ ينشر في فرنسا حوارات عبثية، لكن أطرف من تلك التي تحويها «الغثيان»، الذي أصاب شهرة واسعة بعد سنوات عندما قرر أن يجعل من فرنسا منفاه الدائم. وقد أجمع دولين وبوست على فرادة تلك الأحاديث العبثية التي كان سارتر يفرط في استخدامها على صفحات تلك الرواية التي، برغم غموضها وغرابتها، أقبل الفرنسيون على قراءتها بالملايين.

«الغثيان» هو العنوان الذي فرضه غاستون غاليمار، والذي لم يوافق عليه سارتر أبداً رغم صواب فكرة الناشر. والكتاب، كما ذكرت، هو كناية عن مجموعة من الحوارات الغريبة، على طريقة يونسكو، لكنها تفتقر إلى الطرافة التي تتميّز بها حوارات هذا الأخير. تدور أحداث الرواية، لو سلّمنا أن ثمّة أحداثاً تدور فيها، في مدينة فرنسية وهمية، بوفيل، وباريس، حيث يتنقل بينهما أنطوان روكانتان بتهوّر ورعونة، متبجحاً بأنه جاب العالم بأسره قبل أن يقرر اللجوء إلى بوفيل ويستقرّ فيها لينصرف إلى الكتابة، لكنه لا يشير إلى أي تفاصيل حول البلدان التي زارها، لأنه لا يتذكّر أي شيء عنها. تدور وقائع «الغثيان» في مقهى «مابلي»، لكن أهمية الرواية ليست في المطارح التي تشهد أحداثها، بل في غرائب سلوك الشخصية والأحاديث التي يحاول من خلالها أن يفاجئ القارئ ويخرجه عن طوره.

العلاقات التي يقيمها أنطوان روكانتان مع الممثلة آنّي توحي للقارئ بأنها تؤسس لرابط ثابت بينهما، لكن القراء لا يفرضون وجهة نظرهم، بل هو الكاتب الذي يتدبر أمره لقطع العلاقة مع آنّي ويرسلها في قطار من باريس إلى لندن، ومن المحتمل جداً أنهما لن يلتقيا مجدداً. وهكذا تستمر الرواية بين جمل لا معنى لها وعلاقات غريبة بين شخصياتها موصوفة بعبارات يستحيل فك رموزها. ويساورك انطباع بأن روكانتان يكتب سيرة الماركيز دي روبيون من القرن الثامن عشر، لكننا لا نقع عليه أبداً وهو يكتب في هذه الرواية، بل يتصفح الكتب التي تحيط به من غير أن يبهره أي منها أو يثير اهتمامه.

هل نحن أمام رواية غير مكتملة؟ لقد قرأها وعلّق عليها الآلاف من الفرنسيين حتى جاز القول بأنها كانت سدرة المنتهى بالنسبة لجيل الرواة الذين، في خطى روب - غرييه، كانوا قد عقدوا العزم على تجديد الرواية في إطار الحركة التي أطلق عليها «الرواية الفرنسية الجديدة». لكنها لم تكن في مستوى روب – غرييه، بل بقيت، برغم الرواج الذي أصابها، مجرد نص أخفق في إثارة شغف القارئ أو اهتمامه، تتعاقب فيه أحداث عادية جداً وشخصيات باردة تبدو صنيعة عقد فلسفية. والحق يقال إن سارتر نفسه لم يكن متحمساً لهذا الكتاب برغم الأعمال الكثيرة التي ألهمها، وكونه الباب الذي دخل منه إلى الماورائيات.

ما الذي يميّز «الغثيان» عن غيرها من الروايات؟ إنها طبيعة الحوارات التي تفاجئ القارئ دوماً بوقاحة شخصياتها وما يصدر عنها من مواقف. لكن هذه الوقاحة تفقد بريقها وقدرتها على المفاجأة عندما تواجه الواقع الذي يبدو أن الكاتب يحاول الهرب منه مهما كلّف الأمر.

وثمة علاقة غريبة بين باريس، التي تبدو مجرد وجهة في الرواية، والمرفأ الذي يقصده الكاتب للاستراحة والاستجمام (يعتقد النقّاد أن بوفيل هي مدينة لو هافر التي عاش فيها سارتر خمس سنوات في ثلاثينات القرن الماضي). لكن ذلك لا مغزى له في سياق هذه الرواية التي لا أثر فيها للملذات، بل هي تراكم من المعاناة المديدة التي تولّد عند القراء الشعور بالرأفة على تلك الشخصية التي عندما تعجز عن إتاهة الآخرين تغرق في متاهاتها وتناقضاتها.

لم يتبرأ سارتر كليّاً من باكورة رواياته، لكن لم يشملها في أعماله الكاملة إذ ساورته دائماً شكوك بشأنها، وهي شكوك أعتقد أن لها ما يبررها، وكان قرر حذف بعض مقاطعها في الطبعات اللاحقة. لا أجد مسوغات كافية لهذه الرواية التي ليست سوى مجرد وسيلة للتعبير عن سخط عارم تجاه هذا العالم الفاقد الرحمة والحنان. كثيرة هي التفسيرات التي ولّدها هذا الكتاب: من العالم السائر نحو الزوال، إلى الهلوسات المتتالية على ألسنة الشخصيات التي تعيش كل منها في عالمها الخاص الذي لا يشبه غيره في شيء. من أين استلهم سارتر كتابة هذه الرواية؟ أعتقد أن أحد مصادر إلهامه كان يونسكو الذي كان يومها لا يزال يتدرّب على تلك اللغة والطرائق التي أصبحت علامته الفارقة منذ ذلك الوقت. لكنّ ثمّة بعداً فلسفياً واضحاً في هذه النصوص التي لا علاقة لها بالأدب مهما أصرّ بعض النقّاد على عدّها عملاً روائياً. وهي نشأت من رغبة عميقة في التأمل والاحتجاج، وبتأثير من أفكار هوسيرل. والكتاب برمته هو تعبير عن رفض العالم المادي، بما في ذلك جسد روكانتان الذي يسعى وراء معنى للحياة في ذاته وليس في العالم الذي يحيط به. وقد ذهب بعض النقّاد إلى القول بأن هذه الرواية تستدعي قراءتها وسيلةً للهروب العصبي.

وبقرار من المؤلف لم يدرج هذا الكتاب ضمن المجموعة الكاملة لقصصه ورواياته. ولم يتساءل أحد حول الأسباب التي دفعت سارتر إلى اتخاذ مثل ذلك القرار في حق «الغثيان» التي لاقت رواجاً منقطع النظير بين القراء واحتفى بها النقّاد بشكل غير مسبوق. ربما أنها لم تكن في مستوى ما كان سارتر يطمح إليه كثورة في أسلوب كتابة الرواية، وهو ما كان أوشك أن يبلغه في الروايات التي كتبها لاحقاً.