في قرية صغيرة بجزيرة سردينيا الإيطالية، يعيش عدد لافت من المعمرين الذين تجاوزوا سن المئة؛ ما دفع فريقاً من الباحثين من «ناشونال جيوغرافيك» إلى دراسة نمط حياتهم بحثاً عن العوامل التي قد تفسر ارتفاع معدلات البقاء على قيد الحياة حتى سن متقدمة، وسط اهتمام متزايد بما يُعرف بـ«المناطق الزرقاء»، وهي مناطق تتميز بارتفاع معدلات طول العمر.
وحسب شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، فقد أشار الباحثون إلى أن قرية بولوتانا مرشحة للانضمام إلى قائمة «المناطق الزرقاء»، بعدما أظهرت بيانات عام 2024 أن 10 من سكانها البالغ عددهم 2262 شخصاً بلغوا سن المائة عام أو أكثر، وهو معدل يفوق المتوسط في سردينيا بنحو 10 أضعاف، ويتجاوز المتوسط في الولايات المتحدة بـ11 ضعفاً.
وتوصل الباحثون إلى ثلاث عادات يومية يشترك فيها المعمرون في بولوتانا، وهي:
الحركة اليومية بدلاً من التمارين الشاقة
يحرص سكان بولوتانا على المشي يومياً؛ إذ تدفعهم الشوارع المنحدرة إلى السير للوصول إلى المتاجر والمقاهي وأماكن العمل ومنازل الأصدقاء، مع قلة الاعتماد على السيارات داخل القرية.
ويرى دان بويتنر، مؤسس شركة «بلو زونز» (Blue Zones) المتخصصة في دراسات طول العمر والباحث لدى «ناشونال جيوغرافيك»، أن الحركة التلقائية خلال اليوم قد تكون أكثر أهمية من الذهاب إلى صالات الألعاب الرياضية.
وقال: «إن هذا النوع من المشي غير المقصود أكثر أهمية لطول العمر من الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية».
وأضاف أن سكان القرية لا يسعون عمداً إلى إطالة أعمارهم، موضحاً: «هؤلاء أشخاص عاديون يمتلكون مجموعة من الجينات المتوسطة، وليسوا أشخاصاً خارقين يتمتعون بانضباط استثنائي أو جينات أفضل».
وتابع: «إنهم لا يطاردون طول العمر، بل إنه نتاج البيئة التي يعيشون فيها».
اتباع نظام غذائي يعتمد بشكل أساسي على النباتات
يمثل النظام الغذائي أحد أبرز ملامح الحياة في بولوتانا، حيث يعتمد السكان بشكل أساسي على البقوليات، والخضروات، والقمح، والزيتون، وزيت الزيتون مع تناول كميات بسيطة من الجبن واللحوم.
وقال بويتنر إن نحو 90 في المائة من النظام الغذائي للمعمرين في القرية يعتمد على النباتات، مضيفاً: «إنهم لا يركزون على البروتين، بل يعتمدون على الكربوهيدرات المعقدة».
ويتناول السكان عادةً وجبة إفطار بسيطة تتكون من الخبز والجبن والزيتون مع القهوة، بينما تمثل وجبة الغداء، التي تبدأ في وقت مبكر من فترة بعد الظهر، الوجبة الرئيسية، وغالباً ما تتضمن حساء المينستروني المصنوع من الخضراوات الموسمية والفاصوليا.
وأكد بويتنر أهمية البقوليات في النظام الغذائي للسكان، قائلاً: «البقوليات هي حجر الأساس في النظام الغذائي المرتبط بطول العمر هنا»، مشيراً إلى أنواع متعددة منها، مثل الحمص، والعدس، والفاصوليا البيضاء.
وتاريخياً، كان السكان يتناولون اللحوم نحو خمس مرات شهرياً، وغالباً في المناسبات الاحتفالية، في حين يعتمدون على زيت الزيتون المستخرج من أشجار قديمة في إعداد الطعام.
ويبحث العلماء حالياً فيما إذا كان ارتفاع مستويات بعض الأحماض الدهنية النادرة في هذا الزيت قد يرتبط بطول العمر، دون حسم هذه العلاقة حتى الآن.
الحفاظ على روابط اجتماعية قوية
لا تقتصر العادات المشتركة على الحركة والغذاء، بل تشمل أيضاً التواصل المستمر مع العائلة والأصدقاء والجيران، من خلال الوجبات المشتركة والأنشطة المجتمعية.
ولاحظ بويتنر أن نساء القرية يتمتعن بروابط اجتماعية قوية؛ إذ يجتمعن بانتظام في المكتبة ويخبزن الخبز والحلوى معاً، إلى جانب المشاركة في الأنشطة الدينية والاجتماعية.
وأشار إلى أن المشاركة الأكبر للرجال في الأعمال المنزلية قد تخفف الأعباء الواقعة على النساء، وهو ما طرحه بوصفه تفسيراً محتملاً لارتفاع معدلات طول العمر بينهن، وليس نتيجة مثبتة علمياً.

