يُعدّ البروكلي من أوائل الأطعمة التي تتبادر إلى الذهن عند الحديث عن التغذية الصحية، وهو ما يبرره محتواه الغني بالفيتامينات، مثل «أ» و«ج» و«ك»، والمعادن، مثل الكالسيوم والبوتاسيوم والحديد، فضلاً عن كونه مصدراً جيداً للألياف غير القابلة للذوبان، واحتوائه على مركب يُسمى السلفورافان، يُحتمل أن تكون له خصائص مضادة للسرطان.
لكن طريقة طهي هذه الخضراوات قد تؤثر في كمية العناصر الغذائية المفيدة التي تصل إلى طبقك. وينطبق ذلك خصوصاً على مَن يفضلون السلق والتحميص، وهما طريقتان تعتمدان على درجات حرارة مرتفعة أو غليان الماء، ما قد يؤدي إلى فقدان الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء، وتعطيل مضادات الأكسدة الموجودة في البروكلي.
وقالت ليان لي تشو، الأستاذة ومديرة برنامج الماجستير في علوم الأغذية بجامعة كورنيل لصحيفة «واشنطن بوست»: «إذا كنا نهتم بكمية العناصر الغذائية التي يحتفظ بها الخضار فعلياً، فعلينا التفكير بعناية أكبر في طريقة الطهي».
المركبات التي تجعل البروكلي مفيداً للصحة
تتنوع العناصر الغذائية الموجودة في البروكلي والفوائد المرتبطة بها؛ إذ تحتوي الحصة الواحدة منه على كمية من فيتامين «ج» تقارب ما تحتوي عليه البرتقالة. كما يتميز باحتوائه على كميات ملحوظة من البوتاسيوم الذي يساعد على تحسين ضغط الدم، والكالسيوم الضروري لصحة العظام، والفولات الذي يدعم صحة الدماغ، فضلاً عن غناه بالألياف.
وتتحمل بعض هذه العناصر الغذائية طرق الطهي المختلفة من دون أن تفقد فاعليتها، ولا سيما المعادن مثل الكالسيوم، الذي لا يبدو أن الحرارة تؤثر فيه، وفقاً لتشو. أما عناصر أخرى، مثل الألياف، فقد تتحلل جزئياً، لكنها تحتفظ ببنيتها الأساسية مع طرق الطهي المعتادة، ومدد الطهي الشائعة.
في المقابل، تتأثر الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء والحساسة للحرارة، مثل فيتاميني «ج» و«ب 6»، بدرجة أكبر، إذ يؤدي السلق إلى تسربها لماء الطهي، في حين قد تؤدي طرق الطهي ذات الحرارة الأعلى، مثل التحميص والقلي السريع، إلى تعطيلها بالكامل.
وهناك أيضاً السلفورافان، وهو مركب لا يوجد في البروكلي بصورته الجاهزة منذ البداية، بل يتكون عند تقطيع الخضار أو مضغه، نتيجة تفاعل كيميائي بين إنزيم يُسمى «الميروسيناز» ومركب آخر يُسمى «الغلوكورافانين»، وفقاً لغابرييل كيث هاريس، أستاذ علوم الأغذية في قسم علوم الأغذية والمعالجة الحيوية والتغذية بجامعة ولاية كارولاينا الشمالية.
وربطت أبحاث بين السلفورافان وتأثيرات محتملة مضادة للسرطان والالتهابات والشيخوخة، فضلاً عن احتمال تمتعه بخصائص وقائية للأعصاب.
وقالت أندريا جيه غلين، الأستاذة المساعدة في قسم التغذية ودراسات الأغذية بجامعة نيويورك، إن كمية السلفورافان التي أُعطيت للمشاركين في الدراسات البشرية القليلة المتاحة كانت أكبر بكثير من الكمية الموجودة في حصة عادية من البروكلي، ما يجعل الوصول إلى كمية مماثلة في الحياة اليومية أمراً بالغ الصعوبة.
وكما هي الحال مع الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء الموجودة في البروكلي، يمكن للحرارة أن تؤثر في محتواه من السلفورافان، إذ قد تتلف المركبات اللازمة لتكوينه.
وضربت تشو مثالاً بتخثر البيض بعد سلقه، موضحة: «عندما تتعرض أي بنية بروتينية لدرجة حرارة مرتفعة، فإنها تتوقف في مرحلة ما عن التصرف وفق حالتها الطبيعية، وتبدأ التغير».
وبوجه عام، يحدث هذا التغير بعد طهي البروكلي عند درجات حرارة تتراوح بين 140 و158 درجة فهرنهايت، لمدة تتراوح بين 5 و10 دقائق.
كيف تطهو البروكلي للحفاظ على عناصره الغذائية؟
السلق.. الخيار الأسوأ للحفاظ على بعض العناصر
قالت غلين إن السلق هو أسوأ الخيارات للحفاظ على الفيتامينات والغلوكورافانين الموجودين في البروكلي. وقد تبقى الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء في سائل الطهي، ويمكن الاستفادة منه في إعداد الحساء أو اليخنات للحصول على أكبر قدر ممكن من العناصر الغذائية، لكن العناصر شديدة الحساسية للحرارة تُفقد عموماً.
في المقابل، أشارت غلين إلى أن الألياف الموجودة في البروكلي، التي قد يصعب هضمها لدى الأشخاص المصابين ببعض اضطرابات الجهاز الهضمي، قد تصبح أكثر تحملاً بعد الطهي لفترة طويلة، كما يحدث عند السلق.
لكن إذا كان الهدف إعداد أطباق بروكلي غنية بالعناصر الغذائية قدر الإمكان، فمن الأفضل اختيار إحدى طرق الطهي التالية.
السلق الخاطف
يتضمن السلق الخاطف غلي البروكلي لفترة قصيرة، عادة لا تتجاوز دقيقة أو دقيقتين، ثم تبريده سريعاً بوضعه في الماء المثلج.
وقال هاريس إن الحرارة المرتفعة، حتى لو استُخدمت لفترة وجيزة، قد تقلل الغلوكورافانين. لكن يمكن اتباع طريقة للسلق الخاطف تساعد على الاحتفاظ بالسلفورافان، وذلك بخفض درجة حرارة الماء.
وقد أظهرت دراسات أيضاً أن السلق الخاطف قد يقلل الفيتامينات الحساسة للحرارة والقابلة للذوبان في الماء، مثل فيتامين «ج» والفولات. ومع ذلك، قد يكون أفضل قليلاً من السلق المعتاد في الحفاظ عليها، لأن فترة الطهي القصيرة لا تتيح وقتاً طويلاً لتسربها إلى الماء.
الطهي بالبخار
يُعد الطهي بالبخار من أفضل طرق إعداد البروكلي، لأن ملامسته غير المباشرة للحرارة تمنع وصول الأجزاء الداخلية منه إلى درجات حرارة قد تدمر الإنزيمات الموجودة فيه، وفقاً لهاريس.
وعلى الرغم من أن الدراسات أظهرت أن الطهي بالبخار قد يقلل الاحتفاظ بمركبات مثل فيتامين «ج» في معظم الخضراوات، فإن الأبحاث تشير إلى أن البروكلي قد يشكل استثناءً لهذه القاعدة.
التحميص
لا تتوافر أبحاث كثيرة تركز على تأثير التحميص في البروكلي، لكن استخدام درجات حرارة مرتفعة يرجح أن يقلل بعض العناصر الغذائية الحساسة للحرارة، مثل إنزيم الميروسيناز الضروري لتكوين السلفورافان، إضافة إلى فيتامين «ج» والفولات، وفقاً لغلين.
ومع ذلك، يُعدّ التحميص عموماً خياراً أفضل من السلق، لأنه لا توجد مياه يمكن أن تتسرب إليها الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء.
الطهي في الميكروويف
قد يكون استخدام الميكروويف لطهي البروكلي من أفضل الخيارات للحفاظ على عناصره الغذائية، بل إن بعض الدراسات وجدت أنه، خلافاً لطرق الطهي الأخرى، أدى إلى زيادة مستويات السلفورافان في الخضار.
ووجدت دراسة أخرى أن الطهي في الميكروويف كان أقل تأثيراً في محتوى البروكلي من فيتامين «ج»، إذ حافظ على ما يصل إلى 90 في المائة من هذا العنصر الغذائي.
تناوله نيئاً
الطريقة الوحيدة لضمان عدم فقدان البروكلي أيّاً من عناصره الغذائية بسبب الطهي هي تناوله نيئاً.
وإذا كانت فكرة تناول البروكلي نيئاً غير مستساغة، تقترح غلين إدخال نوع آخر من الخضراوات الصليبية ذات التركيبة الغذائية المشابهة إلى النظام الغذائي بطريقة أكثر قبولاً، مثل إضافة الكرنب الأجعد (الكيل) إلى مشروب مخفوق.