د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

تفكيك مبدأ واجب التحفظ

من الأفكار الكثيرة التواتر في خطابنا السياسي والإعلامي العربي نذكر مبدأ يسمى: واجب التحفظ. وهو مبدأ يشمل كل الذين تقلدوا مسؤوليات سياسية وعسكرية وأمنية مهمة في صلب أجهزة الدولة.
وكما هو معروف، هناك فرق بين الفكرة في معناها النظري وكيفية تمثلها في الواقع والسلوك، خاصة أن هذا الفرق تُحدده طبيعة الثقافة السياسية السائدة وأيضاً مدى توفر الشروط الديمقراطية لممارسة الحكم التي تؤكدها أو تنفيها أو تنسبها العلاقة بين السلطات الثلاث وواقع المواطنة.
طبعا مبدأ واجب التحفظ له وجاهته ومشروعيته، وهو مبدأ يدافع عن نفسه بنفسه، ولكن المشكلة تكمن في أنه في بلداننا حدود هذه الوجاهة والمشروعية غير محدّدة، الأمر الذي جعل من مبدأ واجب التحفظ فكرة شموليّة - على طريقة الحكم الشموليّ - وحجة في يد من يعي جوهر هذا المبدأ ومن يوظفه للتغطية والتهرب وعدم الشفافية.
يبدو لنا أن واجب التحفظ مسألة مطلوبة وواجبة في كل ما يتصل بالأمن القومي لدولنا. فالشفافية في الحكم، لا تعني نشر أدق أسرار الدولة وجعلها عارية التفاصيل أمام الخصوم. والعمل العسكري والأمني يقوم على السريّة التي تمثل آلية من آلياته ومبدأ من مبادئ النجاح في تأمين الأمن داخلياً وخارجياً.
وصحيح أيضاً أن من يتقلد وظيفة عالية في الدولة يجب أن يتمتع بالرصانة ويعرف ما يقوله ومتى يقوله. وذلك يندرج في إطار الثقة. ولكن كل هذه الاعتبارات المهمة يجب ألا تُنسينا الهدف من تلبية واجب التحفظ المتمثل في حماية الدولة وأجهزتها واستقرارها من أجل أن ينعم الشعب بحقه في دولة قوية وأمن عن طريق كفاءات تسهر على تأمينه. لذلك فإن كل واجب تحفظ لا يخدم هذا الهدف فهو باطل منطقياً وحري تعويضه بواجب عدم التحفظ.
فالملاحظ أن مبدأ واجب التحفظ يخضع في كثير من الأحيان إلى عمليات تحويل وجهة وسوء نية في الاستخدام في بعض بلداننا، ورغم التغييرات الحاصلة في السنوات الأخيرة، فإن هذا المبدأ لم يلتفت إليه أحد ولم نسمع أصواتاَ تنادي بمراجعته وتدقيقه بشكل يجعله بالفعل تحفظاً من أجل الحفاظ على مصالح الدولة والشعب.
لقد آن الأوان كي يخضع هذا المبدأ إلى التفكير من جديد وتوضيح العلاقة بين ما يخدم مبدأ الشفافية وما يخدم الهدف من واجب التحفظ. بمعنى آخر ليس من صالح أحد استمرار ظاهرة الغموض والتوظيف المقصودين لمبدأ واجب التحفظ.
نعتقد أن الشعوب العربية خسرت كثيراً من وراء التطبيق الأعمى لمبدأ واجب التحفظ وكيفما اتفق، وكان هذا المبدأ سلاحاً قوياً في يد الممارسات الديكتاتورية وشوكة في حلق حرية التعبير. كما يبدو لنا أن الجزء الهائل من الكوارث ومظاهر التخلف الحادة التي نعيشها اليوم، إنّما تعود إلى الاستخدام السيئ لمبدأ واجب التحفظ.
فهل التحفظ يكون من أجل ضمان أمن الدولة وأسرارها العسكرية والأمنية أم هو تحفظ بهدف التستر على عمليات الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام بغير وجه حق؟
إن التحفظ الأعمى دون تمييز يفقد مشروعيته ويصبح تستراً ويصبح صاحبه أقرب ما يكون إلى شيطان أخرس.
ولقد رأينا كيف كشفت الكثير من الفضائح والأسرار في البلدان التي عرفت ما سمي الثورات واستمعنا بشكل متأخر جداً إلى شهادات لا معنى لقولها غير التحسر؛ ذلك أن كشف الأخطاء والتجاوزات بعد فوات الأوان فيه إدانة لمن صمت تحت شعار مبدأ واجب التحفظ.
وفي السنوات الأخيرة وفي إطار الانخراط المتفاوت للدول العربية في حرية التعبير والاستقصاء لاحظنا عودة قوية بالتدريج لاستخدام مبدأ واجب التحفظ، وهي عودة تزامنت مع عودة عناصر من نخب ما قبل الثورة باعتبار أن ثقافة تلك النخبة وإن تعرضت إلى زلزال ومحنة إلا أنّها لن تُمحى بسهولة وتبقى عالقة في كيفية تمثل الفعل والموقف السياسيين.
لذلك فلن تستقيم عمليات الإصلاح والانتقال الديمقراطي دون انتباه مخصوص إلى أهمية مراجعة وتدقيق مبدأ واجب التحفظ ووضعه على طاولة النقاش مثله مثل مفاهيم أخرى. وإذ نركز على هذه المسألة فذلك لعودة تواترها في الخطاب السياسي بقوة في الأشهر والأسابيع الأخيرة، إضافة إلى أن عدم ترشيد استخدام مبدأ واجب التحفظ سيجعل الشفافية والحوكمة الرشيدة محل شك وريبة، مما يهدد عملية الإصلاح ويجعل عملية الانتقال إلى الديمقراطية أكثر عسراً وجراحات.
هناك واجب التحفظ وفي مقابل ذلك هناك حق عدم التحفظ: إنّه الدرس الذي يجب أن تستوعبه النخب السياسية الحاكمة في بلداننا... وهو استيعاب يندرج ضمن مفهوم التكليف وضمن شجاعة الانسحاب وعدم التورط في كتابة تاريخ سينكشف أمره طال الزمن أم قصر.