«يرقد هنا بعيداً عن دجلة الخير». هكذا نقشوا على شاهدة قبر محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997) في مقبرة الغرباء في دمشق. تحل بعد أيام الذكرى العشرون لرحيل شاعر العراق والعرب الأكبر، وهو بعيد عن مسقط رأسه في النجف «كلانا يكابد مرّ الفراق على كبدينا ولذع النوى»، وعن بغداد التي ازدهرت فيها موهبته الفذة «إليك الشعر يا بغداد عقداً تناسق لؤلؤ فيه ودرُّ»، وعن نهرها الذي لاذ به «لوذ الحمائم بين الماء والطين». لماذا لم تنقل رفات الجواهري إلى النجف؟
منذ تغيير النظام في العراق والسؤال موضع أخذ وردّ. فقد طالب النجفيون بعودة الشاعرين الجواهري ومصطفى جمال الدين ليرقدا في ثرى مدينتهم. ودخلت القضية في مماحكات حين تصدى لها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، قبل وفاته، قائلاً إنها دعوة طائفية، فالأجدر المطالبة، أيضاً، بعودة رفات الشاعرين البياتي ويوسف الصائغ. ثم سئل كفاح الجواهري، نجل الشاعر، عن رأيه. وأدلى بتصريح لموقع «إيلاف» يحمل الكثير من العتب، رفض فيه أن تكون الرفات سلعة للمتاجرة في الدعاية السياسية لهذا الشخص أو ذاك. إذ ما قيمة عملية النقل مع تجاهل رسمي لذكرى الشاعر؟ الأولى أن يكون هناك مشروع وطني متكامل للاحتفاء بوالده. إن للجواهري، في سوريا، ضريحاً شامخاً عليه قصائده وخريطة العراق. وهم، أي أسرة الشاعر، سمعوا عن تسمية ساحة أو موقع في بغداد باسمه ولكن لا يوجد مثل هذا في الحقيقة.
وكانت تقارير من بغداد أشارت إلى بيع البيت الوحيد الذي امتلكه الشاعر في حي الصحافيين في بغداد، ما يعني أنه سيهدم لإقامة مبنى جديد. ثم قيل إن الجهات المعنية تدخلت لمنع البيع، وإن هناك مشروعاً لتحويله إلى متحف للجواهري. أين وصل المشروع؟ في المقابل ظهرت منحوتة نصفية للشاعر في شارع المتنبي، يبدو فيها وسط مجموعة من دلال القهوة العربية والفناجين. وكانت المنحوتة من الهزال بحيث اعترض عليها محبوه وطلبوا إزالتها. وفي خريف العام الماضي، أزيح الستار عن تمثال برونزي في باحة اتحاد الأدباء في بغداد، الذي كان الجواهري أول رئيس له في العهد الجمهوري. والتمثال الجديد الذي أنجزه الفنان خليل خميس، أكثر وجاهة، ويبدو فيه الشاعر رافعاً يده كمن يقرأ قصيدة حماسية، ومعتمراً طاقيته الشهيرة.
ولأنني من أهل الخيال، فقد كتبت في هذه الصحيفة نصاً أتخيل فيه عودة رفات كل مبدعينا العراقيين الذين دفنوا في الترب الأجنبية. جاء فيه: «أراه يوماً خريفياً لطيف النسمات، تتعاقب في سمائه شمس وغيوم بيض، ويقطع صحوه رذاذ يلامس الوجوه برفق ولا يربكها. سيكون يوماً لا يشبه غيره من أيام العراق. مراسم حزينة تلبس ثوب عيد. أكفان مرفوعة فوق الهامات. أناس يطوفون حولها. ينشدون القصائد والمدائح. يبتسمون بدِعةٍ وارتياحٍ رغم الدموع المحتبسة في المآقي.
سيسميه بعضهم عيد الإياب. وسيقول آخرون إنه يوم عودة الرفات. يوم استعادة الذين غفوا غفوتهم الأبدية في المنافي والمهاجر. لحظة تسترجع الأرض الأولى عظام أحبابها من الشتات. سيكون في مقدمة الموكب شابات وشبان يحملون رفات الجواهري الكبير إلى وادي السلام. بعد ذلك ستترى المواكب. هذا موكب البياتي. وذاك بلند. وهذه الممثلة الرائدة زينب، وفاضل الجمالي، ومصطفى جمال الدين، وغائب طعمة فرمان، ومنير بشير، وغيرهم وغيرهم. وكما تسعى الأمم لاسترجاع ثرواتها المسروقة من متاحف الغير، سيتحرك أهل العراق لاستعادة رفات مبدعيهم الراقدين في المقابر القصية. ولن يكون الحدث الفذ عيداً للاحتفاء بمن سبق في الرحيل، فحسب، بل لكل المنفيين وأبناء الهجرات الذين يؤرقهم أن تهال عليهم، ذات يوم، تربة غريبة».
نُشر المقال في العاشر من مايو (أيار) 2003، أي قبل أكثر من عشر سنوات. لكن الجماعة مشغولون بما هو «أنفع».
12:4 دقيقه
TT
الجواهري في ذكراه
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
