محمد رُضا
صحافي متخصص في السينما
TT

شللية

هناك حاجة للحد من الشللية التي تعصف بأركان الحياة. واحدة من «المهام المستحيلة» التي لم يقدم عليها توم كروز بعد. مستحيلة لأسباب كثيرة، من بينها أنني لست داعية ولا أملك سُـلطة ما، والكلمة الطيبة لم تعد تفعل فعلها كما كان الحال في الماضي. من بينها أيضًا أن المشكلة كبيرة جدًا نابعة من ثقافة الخوف.
الشللية مشكلة كبيرة لأنها عبارة عن قيام مجموعة من الأشخاص بربط صداقاتهم بالمصلحة وحدها والتحرك معًا بغاية الدفاع عن هذه المصلحة ومواجهة أي تغيير ممكن قد يضر بها. في هذا السبيل، قد يعترض مشروع جيد لشخص موهوب في أي مجال مصاعب ليست من صلب العمل. ربما كان برنامجًا تلفزيونيًا، ربما كان مشروع فيلم جديد، ربما كان مشروعًا سياحيًا أو فكرة علمية أو أي شيء من هذا القبيل. ما دام أن صاحب المشروع بحاجة إلى من يدعمه ماليًا أو معنويًا، فإن عليه أن يحسب حساب الشلّـة التي تحيط بصانع القرار.
هذا موجود في مهرجانات السينما العربية. وفي السلك الإعلامي، وفي المصالح التجارية على تنوّعها. وأحد الأصدقاء يذكرني أنه بالأمس القريب ذاعت فضيحة إحدى المحطات التلفزيونية الغربية الناطقة بالعربية حيث تكوّمت الشلل حسب الهوية: مجموعة فلسطينية ومجموعة لبنانية ومجموعة مصرية إلخ.. ونعلم أن في كل حقل عمل مشابه مثل هذه التحزبات.
المشكلة هنا تبدأ شخصية وإذا ما وضعناها بالأبيض والأسود (من دون ألوان) ترسو على الوضع التالي: الشللي هو الرجل الذي تنقصه الشجاعة والثقة بالنفس بحيث لا يستطيع أن يتصوّر نفسه ناجحًا في الحياة إلا إذا سند ظهره بشخص آخر مثله تنقصه الشجاعة والثقة بالنفس. يبلور موقفه من عمله ومن أعمال سواه على أساس أن مرجعيته قاضية لا بت لسواه فيها. هذا يعزز فيه شعور التميّـز والرفعة.
هو، بشكل خاص، ليس شخصًا وطنيًا، لأن مفهوم الوطنية هو أن تعمل ضمن الجماعة لتقدم الوطن. إذا كان هذا التقدم نابعا من فكره وجهده وإبداعه فهذا رائع. إذا كان نابعًا من فكر وجهد وإبداع آخرين فعليه توظيف منصبه لمساعدة هؤلاء وليس الخوف منهم وهدمهم.
طوال حياتي وأنا أستمع لأناس يشكون من أن الأبواب سدّت في وجوههم عندما حاولوا تقديم أفكارهم أو أعمالهم للآخرين. مسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية ومشاريع مهرجانات فنية وأي محاولة شبيهة لشق الطريق. تسأل عن السبب والجواب واحد في أغلب الأحيان: فلان محاط بشلة من المنتفعين الذين يقطعون الطريق على من لا يعرفونه أو يكنون له عداء غير مفهوم.
أكثر من مخرج سينمائي تم رفض فيلمه في هذا المهرجان أو ذاك بعث لي بفيلمه لكي أحكم. نعم بعضها يمكن أن يؤخذ عليه مشاكل فنية تطيح به خصوصًا إذا ما كانت هناك أفلام أفضل. لكن الكثير منها أفضل مما يتم اختياره. حتى مهرجان «كان» السينمائي (كونه الأكبر) واقع في مثل هذه المشكلة، ولو في نطاق مختلف. لكن هذا يجب ألا يعني أن علينا في عالمنا العربي أن نقع فيها.
الشللية في كل المؤسسات الخاصة منها والعامة تعيق حركة الإبداع والتقدم الثقافي والفني والإعلامي والحضاري عمومًا بينما تسعى معظم دولنا فعلاً للتقدم، لكن الكثير منها لا يكمل المشوار بالتصدي لما يسبب العراقيل. والشللية على رأس القائمة.