علي المزيد
كاتب وصحفي سعودي في المجال الاقتصادي لأكثر من 35 عاما تنوعت خبراته في الصحافة الاقتصادية وأسواق المال. ساهم في تأسيس وإدارة صحف محلية واسعة الانتشار والمشاركة في تقديم برامج اقتصادية في الإذاعة السعودية، ومدير التحرير السابق لصحيفة الشرق الأوسط في السعودية وهو خريج جامعة الملك سعود.
TT

لقمة عيش

يقول علماء الاجتماع إن الإنسان القديم حينما كان في الغابة بحث أولاً عن الأمن، فبنى بيته فوق الشجر ليتجنب شرور الحيوانات المفترسة، وحينما شعر بالأمن غطى عورته بورقة التوت، ثم بعد ذلك صنع القوس والسهم ليصطاد ما يأكله، ويشرب من مياه الجداول والأنهار.
أي أن لقمة العيش تحتل المرتبة الثالثة لدى الإنسان القديم والحديث، وللأسف هذا المفهوم مغيب في عالمنا العربي والدليل ما حدث في الحسيمة المغربية مع محسن فكري الذي صودرت بضاعته من الأسماك لترمى في سيارة القمامة لتفرمها. لم يهن على محسن أن تذهب ثروته في مفرمة سيارة القمامة فقفز لينقذ ثروته (لقمة عيشه) التي يأكل منها ويطعم أهله، لكنه ذهب هو الآخر ضحية المفرمة!
الشارع المغربي لم يتحمل هذه الفعلة، وتداعى الملك والحكومة لعلاج الأمر ومعاقبة من قام بهذا الفعل الذي راح ضحيته المواطن المسكين. قبل محسن فكري كان البوعزيزي في تونس يتلقى صفعة من شرطية لأن ذنبه أنه بائع متجول يبحث عن لقمة العيش ليستر نفسه، هذه الصفعة أصبحت الأشهر في تاريخنا العربي لأنها حركة الربيع العربي الذي كان أول ضحاياه زين العابدين بن علي الذي حكم تونس 28 عاما!
هذا الحدث يتكرر وعلى مستوى أقل في عواصمنا العربية، ففي العاصمة الأردنية هناك صدام مستمر بين الباعة الجائلين والموظفين الرسميين. وفي السعودية منع بائع تمور من بيع بضاعته، فقام أمين بلدية الشرقية بتوفير مكان له يمكنه من خلاله البحث عن رزقه، هذا الأمر جيد ولكنه يبقى حلاً فرديًا! الموظفون الرسميون يتسلط بعضهم على مثل هؤلاء الباعة ربما نتيجة قلة التعليم.
الغريب في الأمر أن الحكومات والغرف التجارية في جميع أنحاء العالم العربي تنادي بتمويل المشاريع متناهية الصغر حتى تؤمن فرص عمل لشبابها وشاباتها، والباعة المتجولون يمثلون الأعمال الصغيرة، وبعض تجارنا انطلقوا من الأعمال متناهية الصغر ليتربعوا اليوم على إمبراطوريات تجارية.
أيها القراء الأعزاء، ألا تجدون تناقضا بين السعي لتمويل الأعمال متناهية الصغر وبين أن يقوم الموظفون الرسميون بمصادرة بضائع هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بمثل هذه المشاريع؟ يبدو ألا خطة استراتيجية تجمع جميع هذه الأجهزة لإيضاح الهدف من تشجيع مثل هؤلاء الباعة، وأن الهدف أكبر من البحث عن لقمة العيش فقط وإنما هو تحقيق استقرار سياسي. فلنبحث عن حلول ناجعة لجعل أصحاب هذه المشاريع المتناهية الصغر يعملون من دون مضايقات، مثل تأمين أماكن لهم، وتمويلهم، وإعطائهم دورات تساعدهم على تطوير أعمالهم.