انتقل إلى رحمة الله تعالى، الأسبوع الماضي، رجل الأعمال السعودي مسفر سليمان المسفر، وما يميزه أنه كان أول وسيط لبيع وشراء الأسهم في السعودية، وكان مكتبه هو من يحدد تسعيرة الأسهم في السعودية كل صباح ذلك الوقت، وعندما انتشر الوسطاء قبل خروج التداول الآلي في البنوك السعودية كانوا قبل أن ينفذوا صفقة على سهم ما يرجعون إلى مكتب مسفر ليعرفوا التسعيرة، ثم يحددون سعرهم بخصم هامش ربح بسيط عن تسعيرة مسفر ليتمكنوا من البيع عليه.
اشتهر مسفر أنه صادق وأمين في تعامله، وأنه إذا قال كلمه «اعتمد» سواء في صفقة بيع أو شراء، فاعرف أن الصفقة قد تمت حتى ولو ارتفع السعر 200 في المائة. تعودنا في كتاباتنا أن نجامل وأن نذكر المحاسن. أنا هنا أكتب جزءًا من تاريخ سوق الأسهم في السعودية، لذا سأتحدث بصراحة. فرغم أمانة وصدق ونزاهة مسفر، فإنه لم يكن محترفًا في معرفة الأسهم، وكان المحدد للسعر لديه بسيط وهو العرض والطلب. ولديه إجابة مشهورة كلما سُئِل لماذا هبطت الأسهم؟ فكانت إجابته: قل لي لماذا ارتفعت لأقول لك لماذا هبطت. وأنتم تعرفون أن هناك عوامل تشجع على ارتفاع سوق الأسهم السعودية، مثل ارتفاع النفط، انخفاض أسعار الفائدة، الإنفاق الحكومي العالي، نتائج الشركات الإيجابية، بالإضافة إلى عوامل كثيرة لست بصدد ذكرها. وعكس هذه العوامل يؤدي إلى انخفاض أسعار الأسهم في السوق.
هناك تشابه ما بين انتهاء شركة «نوكيا» ومسفر حينما أنهى ستيف بلمر الرئيس التنفيذي للشركة كلمته في تأبين الشركة قائلا: «لم نفعل أي شيء خاطئ، ولكن بطريقة ما خسرنا». والحقيقة أن «نوكيا» جمدت ولم تتفاعل مع محيطها مما جعل القطار يتخطاها. في السعودية حينما خرج نظام التداول الآلي للأسهم في البنوك السعودية منتصف عام 1990م بدأ مسفر (رحمه الله) يرسل وكلاءه إلى صالات التداول في البنوك ويشتري بعض الأسهم بأعلى مما هو معروض في الشاشة والقصد هو التأثير على هذا النظام، وبالتأكيد أن فردًا لن يستطيع التغلب على المؤسسات. أكتب هذا للشباب وليتعظوا ويعرفوا أن التكيف مع معطيات السوق الجديدة أهم من المعاندة والمكابرة. مسفر (رحمه الله)، بسبب ذلك بالإضافة إلى أسباب أخرى تعرض إلى خسارة كبيرة لم يستطع القيام منها، والخسارة ليست عيبًا، فحتى الشركات الكبرى تخسر.
تاريخ الاقتصاد السعودي غير مكتوب للأسف، وإن كتب فهو يكتب كحكاية اجتماعية مثل حكاية وفاء بين تاجرين أو أمانة أو مصداقية، ولكنه لا يكتب كتاريخ الهدف منه تجنب تكرار الأخطاء. أرجو من الجامعات وبالذات في أقسام الاقتصاد أن توجه باحثيها في درجتي الماجستير والدكتوراه لكتابة هذا التاريخ لنستفيد من ومضاته المضيئة ونتجنب تكرار أخطائه.
9:8 دقيقه
TT
عميد السوق
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
