يعيش العالم الشهور الأخيرة من حقبة الرئيس الأميركي باراك أوباما وسيسجل التاريخ أنها إحدى أهم الحقب في تاريخ الرئاسة الأميركية التي شهدت فيها تحولات جذرية في السياسات الأميركية الخارجية وعلاقاتها مع العالم، حتى باتت هذه التوجهات الجديدة تعرف بعقيدة أوباما. وهي في المقام الأول تأتي من قناعة الرئيس الأميركي بالخروج من مناطق النزاع وعدم تعريض الجندي الأميركي للخسائر (وهو ما حدث في العراق وأفغانستان)، وعدم الدخول في دعم مالي لا داعي له (مثل ما حدث في الأزمة المالية الأوروبية) وأيضًا اعتقد الرجل أن فتح العلاقات مع أنظمة معادية هو أوفر على أميركا من الاستمرار في معاداتها (وهو ما حصل مع بورما وكوبا وإيران).
ولكن هذا النمط لم ينطبق مع نظام كوريا الشمالية حتى الآن، وكان على علاقة جديدة جدًا مع الطموح الصيني المتصاعد وكذلك مع الشعور بالعظمة لدى روسيا بقيادة فلاديمير بوتين فكان قرار «ضربهما» اقتصاديًا هو الأهم بالنسبة له بدلاً من مواجهة عسكرية خطيرة ومدمرة. انفتاحه على أفريقيا كان محدودًا وكذلك الأمر بالنسبة لأميركا الجنوبية، فلم يكن هناك أي جديد فيهما. على الصعيد السياسي الخارجي تبدو أميركا أضعف بالنسبة لما اعتادوا على مشاهدتها وهي تغزو دولاً وتسقط أنظمة وتؤدب أعداء.
اليوم تأتي عقيدة أوباما بنهج مغاير تمامًا والسؤال الذي يفرض نفسه هل هي عقيدة أوباما أم هو توجه عام جديد للسياسة الخارجية الأميركية بصورة عامة؟ هو سؤال مهم ومشروع ومطلوب معرفة إجابته. عقيدة أوباما كانت ترى السماح للقوى الإقليمية بالصعود وتملك النفوذ على الأرض للحل بشكل عملي لكافة مشاكل وتحديات المنطقة حتى وإن أدت هذه القوى الصاعدة نفسها إلى مضاعفة حجم المشاكل وزيادة أعبائها ورفع تكلفتها بشكل باهظ. الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية يرى بشكل قطعي أن عقيدة أوباما ستكلف أميركا الكثير مستقبلاً، فهيبة القوة الأميركية تأثرت والموقف الأميركي «المبادئ» في نصرة الحليف والوقوف بجانبه أخذ مسارًا سلبيًا واضحًا، وفي اعتقادهم أن ذلك الأمر سيؤدي إلى التقوقع وسيكون بالتالي لمصلحة قوى صاعدة مثل الصين وروسيا على المدى القصير.
عقيدة أوباما مثيرة للجدل وغيرت من النظرة والأسلوب التقليدي الذي كانت تسير عليه السياسة الأميركية وحيرت الكثير من المتابعين لها، أما المدافعون عنها فيعتبرون ذلك الموقف الجديد هو موقف أكثر فعالية وأقل تكلفة على الناخب الأميركي الذي أصبح لا يبالي كثيرًا بالهم الخارجي الأميركي أساسًا، وعليه فإن المسألة تسير في الاتجاه الملائم للناخب الأميركي، ولكن نقاد عقيدة أوباما يعتبرون أن التعامل مع دول «معادية» مثل كوريا الشمالية وإيران وبورما، وهي جميعًا لديها سجل أسود في ملفات حقوق الإنسان ودعم الإرهاب والفساد، هو بمثابة اللعب بالنار الذي ستكون نتائجه سلبية عاجلاً أم آجلاً.
9:26 دقيقه
TT
عقيدة أوباما!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
