زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

لغز هرم ميدوم!

الملك سنفرو هو صاحب هرم ميدوم، وأبو الملك خوفو صاحب الهرم الأكبر بالجيزة، والدليل على ذلك نجده في ما عثر عليه من نقوش داخل الجبانة والمقابر المحيطة بهرم‏ ميدوم والتي ورد فيها اسم سنفرو، بالإضافة إلى ما جاء ذكره في بردية وستكار التي تعرف أيضًا باسم بردية «خوفو والسحرة» وفيها سميت ميدوم باسم «جد – سنفرو»، وهي المنطقة التي يوجد فيها هرم ميدوم التي عاش فيها الساحر جدي الذي جاء من هذه المدينة لمقابلة الملك خوفو وعرض قدراته السحرية عليه. وأهم الأدلة التي تنسب هذا الهرم إلى سنفرو هو ما تركه الرحالة من كتابات حول الهرم‏.‏
ويتفق دارسو عصر الأهرام على أن هرم ميدوم هو أحد أربعة أهرامات بناها سنفرو الملقب بـ«أعظم البنائين المصريين منذ نحو‏ 4650‏ عامًا تقريبًا».‏ تم البدء في بناء هرم ميدوم كهرم مدرج ولسبب غير معروف تركه سنفرو دون استكمال، وبدأ في بناء الهرم المعروف باسم الهرم المنحني بدهشور، والذي بناه المهندس المعماري بزاوية‏ 54‏ درجة، ثم غيرها إلى 43‏، بعد أن وصل بناء الهرم إلى ارتفاع 49‏ مترًا.‏ وإذا كان المهندس استمر في تشييد الهرم بالزاوية الأولى نفسها، لكان الهرم ارتفع إلى أكثر مما هو متوقع‏، وقد لاحظ مهندس الهرم أن الجدران الداخلية بدأت بالفعل في التشقق وقاعدة الهرم لم تكن لتتحمل هذا الثقل نتيجة الأحمال الزائدة، لذا كان لزامًا عليه أن يغير زاوية البناء لكي يقلل من حجم الأحمال، ونتيجة ذلك ظهور الهرم بذلك الشكل الفريد الذي لم يتكرر في أهرام مصر كلها. لقد جاء تغير شكل البناء على غير رغبة المهندس المصري أو رئيس كل أعمال الملك كما كان يطلق عليه في ذلك الوقت‏، وهذا التغيير هو الذي جعل الهرم يأخذ هذا الشكل المنحني أو المنكسر.‏ وبعد ذلك اتجه العمل إلى الشمال في المنطقة نفسها بدهشور وشيد الهرم الشمالي أو الأحمر، وهو أول هرم كامل بني في مصر‏.‏
بمجرد انتهاء سنفرو من بناء الهرم الشمالي عاد مرة أخرى إلى ميدوم ليكمل بناء هذا الهرم، ولكي يصبح هرمًا مكتملاً حقيقيًا وليس مدرجًا‏. ومرة أخرى سبب العودة لمشروع هجر من قبل غير معروف إلى الآن. والحقيقة أن ترك الهرم ثم العودة لاستكماله يمثل حالة فريدة في الحضارة المصرية القديمة ولغزًا من ألغاز الدولة القديمة التي لم تحل إلى الآن.‏ ويمثل هرم ميدوم بلا شك بداية حكم سنفرو، بناه هرمًا مدرجًا، ثم في نهاية حكمه أكمله كهرم كامل‏.‏
وهناك قصة كتبها كيميائي إنجليزي يدعي مندلسن في كتاب بعنوان «لغز الأهرام»، إذ يعتقد أن هرم ميدوم انهار في الدولة القديمة في أثناء بنائه‏.‏ وقد تداول بعض العلماء هذه القصة ويشير مندلسن لتفسير هذه النظرية إلى أن المصريين القدماء في عهد سنفرو بدأوا في بناء هرم ميدوم في الوقت نفسه الذي كانوا يعملون في هرم سنفرو المنحني الجنوبي، ولكن انهار هرم ميدوم الذي كان يتم بناؤه بزاوية بناء الهرم المنحني نفسها‏، لذا فقد سارع المهندس المعماري بتغيير زاوية البناء لكي يتفادى ما حدث في انهيار هرم ميدوم‏.‏ هذه النظرية تعترضها حقيقة أن الدراسات العلمية أثبتت أن هرم ميدوم بني في البداية كهرم مدرج، وبعد ذلك تم تعديل خطة البناء لكي يبنى كهرم كامل‏، ولذلك فإن حجرات تخفيف الضغط والممرين اللذين عثر عليهما قد تم بناؤهما في المرحلة الثانية‏. أما هرم دهشور المنحني فلقد بني منذ البداية كهرم حقيقي وليس مدرجًا. سيظل هرم ميدوم سرًا من أسرار حضارة الفراعنة.