د. حسن محمد صندقجي
طبيب سعودي واستشاري قلب للكبار بمركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
TT

زيارة المريض.. هل من ضرورة لتقييدها؟

تحتاج الممارسات التقليدية في أنظمة تقديم الرعاية الطبية للمرضى إلى أن تخضع بشكل مستمر للمراجعة والبحث العلمي في مدى جدواها وحقيقة تأثيراتها على سلامة المرضى ونجاح معالجتهم. وكثير من المستشفيات في العالم لا تزال تتبنى قوانين وسياسات Policies وإجراءات Procedures قديمة تُقيد بشكل صارم زيارة المرضى المنومين في غرف العناية المركزة وتحدد منْ يحق لهم زيارة أولئك المرضى والمدة الزمنية المسموح بها خلال تلك الزيارة والتي في بعض الأحيان تكون بضع دقائق لكل شخص وبالتناوب بين أفراد أسرة المريض! وبالمقابل، يتنامى عدد البحوث والدراسات الطبية التي تطرح في نتائجها تساؤلات عند الجدوى الصحية والنفسية لتطبيق تلك السياسات والإجراءات على المرضى وعوائلهم.
وضمن العدد الحالي للمجلة الأميركية للعناية الحرجة American Journal of Critical Care، عرض الباحثون من مركز إنترماونتن الطبي في ميوري بولاية أوتاه الأميركية نتائج دراستهم حول هذا الأمر، واقترحوا أن رفع القيود على زيارة المرضى في غرف العناية المركزة قد يُحسن من مستوى تحسن المريض وشعور عائلته بمزيد من الرضا. وعلق الدكتور صموئيل براون، الباحث الرئيس في الدراسة ومدير المركز الإنساني للعناية المركزة بمركز إنترماونتن الطبي، بالقول: «مصطلح ساعات الزيارة شيء عفا عليه الزمن نتيجة لتكاثر الدلائل العلمية للفوائد الواسعة النطاق لتبني نهج الزيارات المفتوحة لعوائل المرضى المنومين في أقسام العناية المركزة».
وقال الباحثون في مقدمة دراستهم: «القيود الموضوعة على زيارة المرضى المنومين في أقسام العناية المركزة عادة ما تحدد بأمرين، الأول منْ يحق لهم زيارة المريض، وغالبها الأقرباء القريبون في النسب فقط، والثاني متى يُمكن زيارة أولئك المرضى، وتحديدًا في أوقات زمنية ذات جدول محدد، وهذه القيود من الممكن أن تُرهق المرضى. وكان الرئيس أوباما قد أصدر في أبريل (نيسان) 2010 مذكرة رئاسية حول سياسات زيارة المرضى، واستجابة لهذه المذكرة الرئاسية، طورت مراكز الرعاية الصحية Centers for Medicare والخدمات الطبية Medicaid Services بالولايات المتحدة قوانين جديدة تطلب من المستشفيات وضع سياسات مكتوبة حول زيارة المرضى تُحدد بوضوح قيود زيارة المريض والأسس المنطقية لتبني تلك القيود. والنموذج المنصوح به لمرضى العناية المركزة هو نهج الزيارة المفتوحة التي تسمح بنوعية زيارة مُصممة للمريض Patient - Tailored Visitation ومع هذا لا تزال كثير من أقسام العناية المركزة مستمرة في فرض قيود الزيارة دون أي اعتبار ونظر لرغبة المرضى».
وأضاف الباحثون بالقول في مقدمة الدراسة: «وعلى الرغم من أن الزيارة المفتوحة والمرنة هي مكون أساسي ومركزي في الرعاية الطبية التي تتبنى أن المريض وأسرته محور الاهتمام Patient& Family - Centered Care، إلا أن الكثير من الممرضين والأطباء لا يزالون يُعربون عن قلقهم حول هذا النموذج لزيارة المرضى. وأمور مثل سلامة المريض وسلامة العاملين الطبيين وخصوصية المريض والتغيرات الفسيولوجية العكسية التي قد تُصيب جسم المريض، هي كلها أمثلة لما يُذكر كنقاط محل اهتمام في ما يتعلق بالزيارة المفتوحة. وهناك الكثير من الدراسات الطبية التي أظهرت أن تحرير ساعات الزيارة من القيود تلك يُمكن أن يُسهم في تحسين مستوى رضا المرضى وعوائلهم دون أن يتسبب ذلك بآثار سلبية على النتائج الإكلينيكة لحالات المرضى. وأظهر بعض تلك الدراسات على وجه الخصوص تحسنا في نوعية نتائج تحسن الحالة الصحية القلبية لدى المرضى».
وحول سبب إجرائهم دراستهم الحديثة، قال الباحثون: «ولكن لا تتوفر دراسات تُقارن في نفس الوقت وبالتزامن بين تقييد ساعات الزيارة إلى نحو ثلاث ساعات يوميًا بعدم تقييد وقت الزيارة بالمطلق Unrestricted Visitation، أي الزيارة المفتوحة التي تتبنى عنصرين، أولهما رغبة المريض في تحديد الأوقات التي يرغب زيارة الناس له وثانيهما نوعية حالته الصحية، وذلك لجهة مستوى الرضا لدى كل من أسرة المريض وطاقم التمريض». وقارن الباحثون بين 90 دقيقة صباحًا ومثلها مساءً لوقت الزيارة وبين الزيارة المفتوحة التي يُقرر المريض وقتها وتكون حالته الصحية تسمح له طبيًا باستقبال الزائرين. وأفاد الباحثون بأن «الزيارة المفتوحة حسّنت بشكل دراماتيكي مستوى رضا عائلة المريض كما تلقى الممرضون تقديرًا أعلى من أفراد أسرة المرضى».
وتظل زيارة المريض أحد الجوانب المهمة في تطور معالجة المريض نحو تحسين صحته وتهيئته للخروج من المستشفى. وجدوى زيارة المريض لا تقتصر على تسلية المريض والترويح عن نفسه من ملل البقاء في السرير أو داخل غرفة التنويم، بل هي فرصة ذهبية لتجاذب أطراف الحديث بين المريض وكثير من أفراد الأسرة والأقارب حول كثير من المواضيع التي ربما لم أو لا يتيسر الحديث عنها في الظروف المعتادة. وفي مرحلة المرض تكون نفوس المريض وأفراد الأسرة أكثر قربًا وأعلى مستوى في التراحم والمساعدة، وهو ما يُشعر المرضى بكثير من الراحة وكذلك أفراد الأسرة، ويُعطي المريض تصورات أكثر إيجابية حول كيفية ومدى قدرته على العودة الطبيعية لممارسة أنشطة الحياة اليومية المعتاد عليها قبل دخول المستشفى، وكيفية مساعدته على ممارسة السلوكيات الصحية في جوانب شتى من حياته، وأيضًا تهدئة هواجسه حول القدرة على ممارسة مهامه الوظيفية وإدارة أعماله وعلاقاته الاجتماعية والأسرية.
ومع الحفاظ على سلامة المريض وسلامة الزائرين وقدرة طاقم التمريض والأطباء على أداء أعمالهم في العناية بالمرضى، يُمكن تطوير آلية زيارة المريض لجعلها أكثر فائدة وأكثر قدرة على تحسين الحالة البدنية والنفسية للمريض، كما يُمكنها أن تُقلل من مستوى قلق أفراد الأسرة حول حالة المريض وأن تُوفر فرصة لتقديم مزيد من الفهم لهم حول خطوات معالجة المريض بما يُقلل من الشكاوى ويجعل المريض وأفراد أسرته أكثر مشاركة مع الأطباء وطاقم التمريض في إتمام العملية العلاجية.