تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

بعد حديثها في مجلس الأمن عن إجراءات دولية ضد «المعرقلين»

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
TT

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

يضع تلويح أميركا بفرض عقوبات على «معرقلي العملية السياسية» في ليبيا جدية واشنطن في استخدام أدوات الضغط أمام اختبار جديد، خاصة في ظل الخلافات حول اتفاق لجنة «4+4»، المتعلق بالتشريعات الانتخابية، واستمرار الانقسام الذي يعطل جهود توحيد المؤسسات.

وبدا هذا الموقف الأميركي أكثر وضوحاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، حين انفردت السفيرة جينيفر لوسيت، نائبة الممثل الخاص للشؤون السياسية في البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة، بين مندوبين تحدثوا خلال الجلسة، بالتشديد على أن «الأفراد والكيانات التي تعرقل العملية الانتقالية قد تخضع لعقوبات المجلس»، منتقدة رفض المجلس الأعلى للدولة لهذا الاتفاق.

بين التلويح والتنفيذ

لكن الانتقال من التلويح الأميركي بـ«العقوبات» إلى تنفيذها يظل موضع تساؤل، في ظل عدم وضوح ما إذا كانت هذه التهديدات ستتحول إلى إجراءات فعلية أم ستبقى في إطار الضغط السياسي، لا سيما أن تجارب سابقة أظهرت محدودية قدرة العقوبات على إنهاء الخلافات السياسية في ليبيا.

وتتباين تقديرات دبلوماسيين وخبراء بشأن قدرة هذه التدابير على تغيير حسابات الأطراف المتنافسة، بين من يطالب بخطوات عملية، ومن يدعو إلى معالجة الاعتراضات السياسية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وفي هذا السياق، من غير المستبعد أن يضع الموقف الأميركي الأخير مصداقية واشنطن على المحك، بحسب رؤية هاني شنيب، رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية»، الذي رأى أن التهديد بإجراءات عقابية «يفقد تأثيره إذا لم يقترن باستعداد حقيقي لاستخدام أدوات الضغط لإحداث تغيير».

وقال شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن الإدارة الأميركية «فقدت بعض مصداقيتها حين لوّحت بالتهديد في ملفات دولية وإقليمية عدة خلال العام الأخير، وحققت نجاحاً في بعضها، مثل فنزويلا وكوبا، وأخفقت في أخرى، وتحديداً في إيران والسودان وأوكرانيا، وهو ما أربك خصومها وحلفاءها»، محذراً من أن استمرار الشلل السياسي في ليبيا قد يقود إلى اضطراب أمني وإداري خطير، مستحضراً تداعيات الأزمة الصومالية عام 1992.

من اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

والملاحظ أن المندوبة الأميركية خصت بالذكر المجلس الأعلى، الرافض للاتفاق، متحدثة عما وصفته بـ«مناورته» لعرقلة «التقدم الانتخابي»، بموجب اتفاق بين ممثلي «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» المؤقتة في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حول «مجلس المفوضية»، وقوانين انتخابية تحسم شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للرئاسة.

تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات

يرى الدبلوماسي الليبي عادل عيسى أن العقوبات أصبحت أداة حاضرة في الخطاب الدولي بشأن ليبيا، وليست مجرد احتمال نظري، معتبراً أن الرسالة الأميركية تربط تعطيل المسار الانتخابي بكلفة سياسية وقانونية محتملة.

وقال عيسى لـ«الشرق الأوسط» إن جدية هذا التوجه ستتضح من خلال خطوات عملية، مثل تحديد مسؤوليات الأطراف المعنية، أو التحرك داخل لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، أو الإعلان عن إجراءات أميركية مستقلة، بما يكشف عن مدى استعداد واشنطن لتحويل التحذيرات إلى تدابير قابلة للتنفيذ.

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتستحضر هذه المناقشات تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات الدولية، التي ارتبطت في تسعينات القرن الماضي بقضية تفجير طائرة «لوكربي»، قبل أن ترفع الأمم المتحدة العقوبات المفروضة على البلاد عام 2003. وفي عام 2011 فرض مجلس الأمن تدابير جديدة في سياق الانتفاضة، التي انتهت بسقوط نظام معمر القذافي.

أما خلال سنوات الانقسام اللاحقة فلم يقتصر الضغط الدولي على التصريحات؛ إذ فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على شخصيات ليبية، بينها رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، والرئيس السابق لـ«المؤتمر الوطني العام» نوري أبو سهمين، ورئيس حكومة «الإنقاذ» السابقة خليفة الغويل، فيما فرض مجلس الأمن عقوبات على المسلح صلاح بادي. ورُفعت العقوبات لاحقاً عن أبو سهمين والغويل وبادي.

عقيلة صالح الرئيس السابق لمجلس النواب الليبي (رويترز)

تشكيك في جدوى العقوبات

في ضوء هذه التجارب، يشكك الدكتور عارف التير، عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، في قدرة العقوبات على حل الأزمة، داعياً إلى معالجة اعتراضات الأطراف الرافضة لاتفاق «4+4»، وتقديم ضمانات بشأن تنفيذه.

وتساءل التير عن النتائج العملية التي يمكن أن تحققها العقوبات، وعن الأساس القانوني لملاحقة شخصيات بتهمة عرقلة العملية السياسية، ومدى استيفاء الأفعال المنسوبة إليها شروط المسؤولية القانونية. ورأى أن حرمان المستهدفين من دخول دول غربية لا يضمن تغيير سلوكهم، داعياً إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتفاهمات السياسية.

وهناك من يرى أن الرسالة الأميركية والدولية تستهدف نقل ليبيا من إدارة الأزمة إلى تنفيذ خطوات ملموسة نحو الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، وهي أيضاً رؤية أشرف بودوارة، عضو «الحوار المهيكل»، الذي رعته الأمم المتحدة.

والذي أكد أن الأطراف التي يثبت تعمدها تقويض المسار السياسي، أو عرقلة الانتخابات أو تهديد الاستقرار والمنشآت النفطية، قد تواجه إجراءات دولية وفقاً للمعايير والقرارات المعمول بها. لكنه شدد على ضرورة تطبيق العقوبات بمعايير واضحة ومتساوية على جميع الأطراف، بالتوازي مع خطوات عملية لإنهاء الانقسام.

ورغم أن الحديث على مائدة المجتمع الدولي ينصب راهناً على حل ليبي عبر لجنة «4+4»، فإن مراقبين يرون أن طيف «مبادرة أميركية» لتوحيد السلطة في ليبيا لم يغب عن سياقات الخطاب الأميركي الأخير.

وانعكس ذلك، من منظورهم، على رسالة السفيرة لوسيت للقادة الليبيين بدعوتهم إلى «الإسراع» في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، والتمهيد للانتخابات وفق اتفاق «4+4»، بل إعادة التذكير بدور واشنطن في رعاية اتفاق للميزانية الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة بين القوات المتخاصمة من شرق ليبيا وغربها في أبريل (نيسان) الماضي.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

يشار إلى أن المتداول عن مبادرة طرحها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، يقوم على تولية نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، فيما يحتفظ رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، بمنصبه رئيساً لحكومة موحدة.


مقالات ذات صلة

هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

تضمَّن المقترح الذي أعدته وزارة المالية تحديد سقف مقطوع لبعض كبار المسؤولين والوزراء ورؤساء الهيئات السيادية والرقابية والقضائية، عند 9 آلاف دينار شهرياً.

جاكلين زاهر (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)

مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

ضيق مُعلمو ليبيا الخناق على حكومة الوحدة «المؤقتة» بالتلويح بـ«الإضراب الشامل» في جميع المدارس

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)

ليبيا لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة

تسعى ليبيا إلى «كسر العزلة الدبلوماسية» المرتبطة بسنوات الاضطراب والانقسام وتطمح لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة ومشروعات مشتركة

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع لحكومة الدبيبة مع أعضاء مجلس النواب عن الجنوب مساء الأربعاء (حكومة الوحدة)

سباق بين صدام حفتر وحكومة الدبيبة لمعالجة احتياجات الجنوب الليبي

وجّه صدام حفتر نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، «الجهاز الوطني للتنمية» بتنفيذ مشروعات خدمية واستراتيجية في المنطقة

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز دورها الاجتماعي والسياسي

علاء حموده (القاهرة )

مصر وتشاد تتفقان على التنسيق والتشاور لمواجهة «تحديات مشتركة»

لقاء مصري - تشادي في ليبيا ناقش تعزيز العلاقات الثنائية ومسارات التعاون بين البلدين (الخارجية المصرية)
لقاء مصري - تشادي في ليبيا ناقش تعزيز العلاقات الثنائية ومسارات التعاون بين البلدين (الخارجية المصرية)
TT

مصر وتشاد تتفقان على التنسيق والتشاور لمواجهة «تحديات مشتركة»

لقاء مصري - تشادي في ليبيا ناقش تعزيز العلاقات الثنائية ومسارات التعاون بين البلدين (الخارجية المصرية)
لقاء مصري - تشادي في ليبيا ناقش تعزيز العلاقات الثنائية ومسارات التعاون بين البلدين (الخارجية المصرية)

شددت مصر وتشاد على مواصلة التنسيق والتشاور لمواجهة «تحديات مشتركة»، بما يدعم الاستقرار الإقليمي، وذلك وسط تصاعد التوترات في منطقة القرن الأفريقي ومخاوف من وجود مسارات تدعم انتشار الإرهاب بالقارة الأفريقية.

وناقش وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، مع نظيره التشادي أحمد كوقوري، على هامش اجتماعات المجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، بمدينة طرابلس الليبية «تعزيز العلاقات الثنائية ومسارات التعاون بين البلدين»، إلى جانب «تبادل الرؤى بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك»، حسب بيان للخارجية المصرية السبت.

وتنظر مصر إلى دولة تشاد باعتبارها شريكاً استراتيجياً، ودولة محورية في منطقة وسط أفريقيا والساحل، وفق خبير مصري أشار إلى أن «التنسيق والتعاون بين القاهرة وإنجامينا يفيد في دعم معالجة الأزمات المحيطة بحدود البلدين، وخصوصاً ليبيا والسودان»، وقال إن مصر «تعوّل على دور مهم لتشاد في منطقة الساحل ووسط أفريقيا لمعالجة الجوانب الأمنية وتعزيز التعاون الاقتصادي».

وأشاد وزير الخارجية المصري بالزخم المتنامي في العلاقات المصرية التشادية، وأكد «مواصلة بلاده تعزيز العلاقات الثنائية والارتقاء بمستوى التعاون في مختلف المجالات»، حسب بيان الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «أهمية زيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المشتركة ودعم مشاركة القطاع الخاص المصري في السوق التشادية، اتساقاً مع مخرجات الدورة الرابعة للجنة المشتركة المصرية التشادية».

وحسب بيان الخارجية المصرية، تناولت المحادثات أيضاً «مستجدات الأوضاع الإقليمية»، وأكد الوزيران «أهمية تعزيز التنسيق والتشاور بشأن التحديات المشتركة، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة».

ومن أبرز التحديات المشتركة التي تواجهها مصر وتشاد، تطورات الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا والسودان، وفق مساعد وزير الخارجية المصري سابقاً، السفير حسام عيسى، الذي قال إن «التنسيق المصري التشادي مهم، بسبب تأثير الاضطرابات الأمنية في هذه الدول على حدودهما المشتركة»، وأشار إلى أن «أهمية التعاون بين البلدين تنطلق من تبادل المعلومات السياسية والأمنية، وتوحيد المواقف في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة تجاه أزمات دول الجوار المباشر لهما».

ويرى عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تراهن في تعاونها مع إنجامينا على احتواء الحرب السودانية، خصوصاً أن هناك لاجئين سودانيين في البلدين»، وقال إن «التنسيق والتشاور بشأن الأزمة السودانية خطوة مهمة، مع اعتماد ميليشيا (الدعم السريع) في تحركاتها على نافذة الحدود الغربية السودانية المتاخمة لتشاد».

وأشار إلى أن «هناك توافقاً في الرؤى بين مصر وتشاد لمعالجة الأوضاع الأمنية والتوترات السياسية المحيطة بهما، الناتجة عن الأزمة الليبية وانتشار التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه نظيره التشادي أحمد كوقوري في طرابلس السبت (الخارجية المصرية)

وشاركت تشاد في آلية «دول جوار السودان»، التي دشنتها القاهرة في يوليو (تموز) 2023، من أجل احتواء الحرب السودانية، ووقف التصعيد العسكري داخل السودان، كما استضافت إنجامينا الاجتماع الوزاري للآلية في أغسطس (آب) 2023.

وإلى جانب التعاون السياسي والأمني، يرى السفير حسام عيسى أن «تشاد تشكّل نافذةً مهمة لمصر على الدول الحبيسة في وسط أفريقيا»، وقال إن «مشروع الطريق البري الذي يربط بين تشاد ومصر عبر ليبيا، خطوة مهمة لربط دول الساحل ووسط أفريقيا بالموانئ المصرية، وتعزيز التبادل التجاري والاستثماري مع هذه الدول».

وأعلنت وزارة النقل المصرية، في فبراير (شباط) 2025، عن المخطط الخاص لمشروع الربط البري بين مصر وليبيا وتشاد، كشريان حيوي للتنمية والتجارة البينية، وكمحور أساسي في تعزيز التكامل الاقتصادي.


الأسعار في مصر صعدت مع الدولار... فهل تنخفض بتراجعه؟

موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)
موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

الأسعار في مصر صعدت مع الدولار... فهل تنخفض بتراجعه؟

موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)
موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)

أثار التعافي المحدود لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار تساؤلات بشأن انعكاس ذلك على أسعار السلع والمنتجات الغذائية التي شهدت ارتفاعاً في الآونة الأخيرة مع صعود الدولار.

لكن الانخفاض في سعر الدولار مقابل الجنيه لا يفترض بالضرورة تراجع الأسعار بنفس السرعة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، وأكدوا أن هناك عوامل عدة تتحكم في السوق وفي آلية التسعير.

ومع نهاية الأسبوع الماضي، استعاد الجنيه نحو 5 في المائة من قيمته، ليصل سعر الدولار إلى نحو 53.7 جنيه، بعد موجة من الارتفاع كسر فيها الدولار حاجز الـ56 جنيهاً. وجاء التعافي عقب قرار «البنك المركزي» المصري، في 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رفع أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية، إلى 20 في المائة للإيداع و21 في المائة للإقراض.

لكن التحسن في سعر الجنيه لم ينعكس على الأسعار، وسط شكاوى مستمرة من الغلاء، ووعود حكومية بضبط الأسواق وترشيد الإنفاق.

وخلال الأسابيع الماضية، ارتفعت في مصر أسعار السيارات والأجهزة الكهربائية وبعض السلع الغذائية إلى جانب أسعار بعض مكونات البناء، أبرزها الحديد.

وأرجع الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة السبب في عدم الانخفاض السريع للأسعار، إلى أن «التجار عادة ما يقيّمون السلع وفقاً لسعر صرف الدولار في العقود الآجلة، وهو في العادة أعلى من سعر الصرف الرسمي».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التجار يقيّمون سعر السلعة على أعلى سعر صرف وصل إليه الدولار بهدف الحفاظ على استمرار مكسبهم ودورة رأس المال»، مشيراً إلى أن «انخفاض سعر صرف الدولار لا ينعكس بالضرورة على سعر السلع في الأسواق التي دخلت السوق بسعر صرف أعلى».

وأضاف أن «متوسط دورة رأس المال في بعض السلع يصل إلى ثلاثة أشهر، ما يعني أن سعر الصرف الجديد قد لا ينعكس على الأسواق قبل هذه المدة بفرض إقدام التجار على تخفيض الأسعار حال استمرار انخفاض الدولار مقابل الجنيه، وهو ما لا يحدث دائماً»، مستطرداً: «في كثير من الأحيان يحافظ التاجر على الأسعار ذاتها تحوطاً للمستقبل».

من وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ولفت الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع إلى مقولة شائعة مفادها أن «الأسعار ترتفع بسرعة الصاروخ وتنخفض بسرعة الريش»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «آلية التسعير لا تعتمد على سعر الصرف الحالي، بل تنظر أيضاً إلى توقعات سعر الصرف في المستقبل».

وقال إن المتابع لسعر صرف الجنيه على مدار السنوات العشر الماضية سيجد أن «هناك خسارة دورية لقيمة الجنيه أمام الدولار مستقرة ومنتظمة تصل إلى نحو 17 في المائة سنوياً»، ما يعني أنه «حتى إذا تحسن سعر صرف الجنيه الآن، فإن التوقعات تشير إلى أنه سيعاود الانخفاض أمام الدولار، طالما استمر الوضع الذي تكون فيه احتياجات مصر الدولارية أكبر من قدرتها على الإنتاج والتصدير».

وأضاف أن «انعكاس انخفاض سعر الدولار على التسعير، تتطلب قياس عوامل عدة، من بينها دورة الإنتاج واستمرار الانخفاض وحدته»، مشيراً إلى أن «وتيرة انخفاض الدولار مقابل الجنيه عادة ما تكون أقل من وتيرة ارتفاعه».

ويتداخل الجدل حول الأسعار مع إعلان الحكومة تراجع التضخم، حيث انخفض معدل التضخم السنوي خلال أكتوبر إلى نحو 12 في المائة، مقابل 12.8 في المائة في سبتمبر (أيلول)، بحسب بيانات مجلس الوزراء المصري.

وأكد نافع أنه «من الصعب أن تنخفض الأسعار بمجرد ارتفاع الجنيه مقابل الدولار، فالأمر مرتبط بدرجة من التحوط للمستقبل؛ لأن التسعير مرتبط ببنود مختلفة وتكاليف إنتاج تتطلب من التاجر قدراً من الرشادة والتحوط للمستقبل، وحساب حجم الصدمة وارتداداتها في الأسواق».


غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
TT

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

تجمع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، السبت، بين توسيع التعاون، وفتح قنوات للتشاور السياسي؛ في وقت تراهن فيه حكومة الوحدة «المؤقتة» على دور مصري يساعد في احتواء الانقسام الليبي.

وينظر مراقبون باهتمام بالغ إلى الزيارة، التي جاءت للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، بوصفها الأولى لوزير خارجية مصري منذ 5 سنوات، حيث أجرى عبد العاطي محادثات مع رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، لقيت اهتماماً من وسائل إعلام محلية في غرب البلاد وشرقها.

وحسب حكومة «الوحدة»، ركز اللقاء على توسيع آفاق الشراكة المصرية - الليبية، وتعزيز التشاور السياسي، بما يعكس رغبة طرابلس في الاستفادة من علاقات القاهرة مع مختلف الأطراف الليبية، ودعم المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين معسكري الشرق والغرب الليبيين.

وعلى هامش اللقاء، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الصحي، بحضور وزير الصحة الليبي محمد الغوج ووزير الخارجية المصري. وتستهدف المذكرة تبادل الخبرات والإمكانات، وتوسيع الشراكة بين المؤسسات الصحية، بما يسهم في تطوير الخدمات الطبية، وتحسين مستوى الرعاية الصحية.

ولم تقتصر رسائل طرابلس على التعاون القطاعي؛ إذ أبدى الدبيبة انفتاحاً على دور مصري في معالجة الأزمة السياسية، مؤكداً أن «حكومته تعوّل على علاقاتها بالقاهرة في دعم وحدة البلاد»، في ظل استمرار الانقسام بين سلطتين تنفيذيتين في الشرق والغرب الليبيين.

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

وفي تصريحات نقلتها قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، السبت، قال الدبيبة: «نعول على أصدقائنا وجيراننا وفي مقدمتهم مصر لدعم وحدة ليبيا»، مضيفاً: «لا نمانع أي تدخل إيجابي يصب في مصلحة ليبيا وشعبها»، كما أشار إلى جهود أممية ودولية تشارك فيها القاهرة لدعم المصالحة.

وتزامنت هذه الرسائل مع افتتاح عبد العاطي مقر السفارة المصرية في طرابلس، في خطوة تحمل دلالة دبلوماسية على مستوى التواصل المباشر بين البلدين. ويأتي ذلك بعد سنوات من تعطل الخدمات القنصلية، رغم استئناف البعثة الدبلوماسية نشاطها في العاصمة عام 2021.

وتعود آخر زيارة معلنة لوزير خارجية مصري إلى طرابلس قبل زيارة عبد العاطي إلى 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، حين شارك الوزير السابق سامح شكري في مؤتمر «دعم استقرار ليبيا»، والتقى مسؤولين، في تحرك ارتبط آنذاك بدعم المسار السياسي وإجراء الانتخابات.

ويرى المحلل السياسي حسام فنيش أن «الزيارة تمثل نقلة في مسار العلاقات بين القاهرة وطرابلس»، مبرزاً أنها «تبعث برسالة إلى الليبيين، مفادها أن مصر تسعى إلى بناء شراكة مع مختلف الأطراف، لا حصر علاقاتها في طرف سياسي أو جغرافي واحد بعينه».

تاريخياً، ارتبطت القاهرة بعلاقات وثيقة مع الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، منذ إطلاق عملياته العسكرية عام 2014 ضد الجماعات المتطرفة، غير أن اتصالات مصر مع غرب ليبيا شهدت بدورها توسعاً خلال العامين الأخيرين، عبر لقاءات سياسية وأمنية متعددة.

وفي هذا السياق، استضافت القاهرة أخيراً اجتماعاً ضم قيادات عسكرية وممثلين عن تشكيلات مسلحة من غرب ليبيا، كما استقبل رئيس المخابرات المصرية، حسن رشاد، نائب وزير الدفاع بحكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي ضمن اتصالات، شملت ملفات أمنية وعسكرية.

ويرى وزير الخارجية المصري الأسبق، عضو مجلس الشيوخ محمد العرابي، أن زيارة عبد العاطي تندرج في إطار تحركات القاهرة لتقريب وجهات النظر بين شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى توحيد مؤسسات الدولة، في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم.

وقال العرابي لـ«الشرق الأوسط» إن التحرك المصري يتكامل مع جهود الأمم المتحدة والمبادرات الدولية لتسوية الأزمة، مشيراً إلى أهمية آلية دول الجوار التي تضم مصر وتونس والجزائر، في دعم التوافق بين الأطراف الليبية، ودفع العملية السياسية قدماً فعلياً وبصورة ملموسة.

وربط العرابي هذا الاهتمام باعتبارات الأمن القومي المصري، قائلاً إن «القاهرة تتحرك انطلاقاً من حرصها على استقرار ليبيا، بوصفه جزءاً من أمنها القومي، إلى جانب العمل على الحد من التدخلات الأجنبية، ودعم تسوية تحفظ وحدة البلاد، ومؤسساتها الوطنية الموحدة المستقرة».

ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا لم يغب عن محادثات زيارة وزير الخارجية المصري إلى طرابلس (الرئاسة التركية)

ولم يغب ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا عن محادثات الزيارة، بعد موافقة مجلس النواب الليبي أخيراً على مذكرة التفاهم، الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي خطوة أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية وأوروبية في وقت سابق من جانب القاهرة.

وأعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال بهذا الخصوص: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

ويشير العرابي إلى أن القاهرة لديها رؤى بشأن تداعيات الخطوة البرلمانية الليبية، لافتاً إلى أن «حكومة الدبيبة أبدت تفهماً للشواغل المصرية، بما يتيح مناقشة الملف عبر القنوات المشتركة، بدلاً من ترك الخلافات تتسع في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية المتداخلة والمعنية».

قائد القوات التركية في ليبيا إلى جانب الدبيبة والحداد (الوحدة)

وانتهى وزير الخارجية المصري الأسبق إلى وصف ملف الحدود البحرية بأنه «متشعب»، لارتباطه بالحضور التركي في ليبيا، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، لكنه تحدث عن «وجود إرادة سياسية لمعالجة الخلافات، بما يحفظ المصالح المصرية والليبية، ويفتح المجال أمام تفاهمات أوسع مستقبلاً بين البلدين».