أشد الطعنات إيلاماً تلك التي تأتي ممن منحناه ثقتنا حتى صار يعرف مواطن ضعفنا. طعنة الظهر أبشع خيانة وأسوأ صور الافتقار إلى شجاعة المواجهة.
كشفت تحقيقات أحد المصارف العربية عن موظفة كانت تُحوّل «كُسوراً» مالية من أموال كبار السن الأثرياء لسنوات عديدة حتى أصبحت ثرية فكُشف أمرها. وفعلت ذلك ريتا كراندويل، المراقبة المالية لمدينة ديكسون بولاية إلينوي، حتى اختلست على مدى عقدين 54 مليون دولار في حساب سري كانت الوحيدة المخولة بإدارته. ثم كشفت سرها موظفة بديلة تولت مهامها بعد خروج ريتا في إجازة طويلة. لم يكشف فسادها مدقق مالي، بل زميلتها، حسبما قرأت في موقع وزارة العدل.
لذلك من أبجديات العمل الإداري أن نصرّ على خروج الموظفين في إجازة سنوية إجبارية. فقد اضطرت إحدى المؤسسات، ذات مرة، إلى وقف تفعيل بطاقة دخول مدير مالي لإجباره على الذهاب في إجازة، لأن الإدارة تعتقد أن المكوث طويلاً من دون إجازة يثير الريبة، وأن غياب المسؤول يتيح لغيره الاطلاع على ما كان يتعمد إخفاءه طوال فترة وجوده.
لعل أغرب ما كشفه علم النفس أن الإنسان قد يرى بوادر الخيانة، لكنه يتغاضى عنها. فقدمت عالمة النفس الأميركية جنيفر فريد «نظرية صدمة الخيانة»، ثم شرحت ما سمّته «العمى عن الخيانة» حين يعجز البعض عن مواجهة حقيقة مرة، وهي خيانة أشخاص أو دول كانوا يثقون بهم. وهذا يفسر جانباً من صمت الموظفين عن تجاوزات رؤسائهم، وصمت تجار عن سرقات في أوقات الرخاء والربح الوفير.
الأسباب أحياناً ليست مرتبطة بالطاعن، بل نحن من وثقنا بمن لا يستحق الوثوق به. كما أن من المبادئ الأساسية لمكافحة الفساد إخطار الجهات الرسمية بشبهة فساد نمت إلى علمك كمسؤول، وإلا أصبحت متواطئاً. السكوت عن الفساد طعنة أخرى صامتة.
الحكماء في بيئات العمل لا يبوحون بأسرارهم لزملائهم، مهما بلغت درجة الألفة بينهم، لأن العلاقات المهنية تتبدل حين تشتد وطأة المنافسة والخلاف.
في شكل عام، هناك من يخون بدافع الانتقام، عندما يشعر بأن العدالة لم تأخذ مجراها. وهناك من يخون ذاته بالتخلي عن مبادئه سعياً وراء رضا الآخرين. ومن أخطر طعنات الظهر خيانة الشريك التجاري. لذلك جاء في محكم التنزيل: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ».
وربما أقسى ما في طعنة الظهر أنها لا تجعلنا نعيد النظر فيمن خاننا فحسب، بل في قدرتنا على معرفة من يستحق ثقتنا أصلاً.
