فاز بـ«نوبل»... ثم ذهب ليُعدّ وجبات أطفاله

ليلة بلا نوم بدأت باتصال من استوكهولم وانتهت مع استيقاظ العائلة

تغيَّر اللقب... وبقي الصباح على عادته (أ.ب)
تغيَّر اللقب... وبقي الصباح على عادته (أ.ب)
TT

فاز بـ«نوبل»... ثم ذهب ليُعدّ وجبات أطفاله

تغيَّر اللقب... وبقي الصباح على عادته (أ.ب)
تغيَّر اللقب... وبقي الصباح على عادته (أ.ب)

أمضى الدكتور كارل دايسيروث ساعات طويلة في الردّ على اتصالات التهنئة، بعدما علم في الساعات الأولى من صباح الاثنين بفوزه بجائزة نوبل في الطبّ، تقديراً لإسهامه في تأسيس حقل جديد في علم الأعصاب يُعرف بـ«علم البصريات الوراثي».

وإنما العالِم المقيم في كاليفورنيا لم يلبث أن طلب استراحة من كلّ هذا الاهتمام لأداء مهمّة أكثر اعتيادية: إعداد وجبات أطفاله المدرسية، الذين كانوا نياماً في منزل العائلة في ستانفورد، في حين كان والدهم يتحدَّث في منتصف الليل مع الصحافيين والمهنئين.

ويتقاسم دايسيروث (54 عاماً) جائزة الطب لهذا العام مع باحثَين من ألمانيا، تقديراً لعملهم في مجال «علم البصريات الوراثي»، وهو حقل يجمع بين الضوء والجينات لتفعيل الخلايا العصبية أو تعطيلها في الأدمغة الحية.

ودايسيروث، الذي يصف نفسه بأنه من محبّي السهر، يعمل غالباً حتى ما بعد منتصف الليل، باحثاً في معهد «هوارد هيوز» الطبي وأستاذاً في جامعة ستانفورد. وقال إنه بعد مراجعة أوراق بحثية ومراسلة طلابه بالبريد الإلكتروني، كان قد توجّه للاستلقاء عندما تلقّى اتصالاً من لجنة «نوبل» في استوكهولم.

وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «كدتُ أشعر بأنني فقدت القدرة على تكوين الكلمات، غير أنني استعدت رباطة جأشي بعد دقيقة أو دقيقتين».

العالَم يحتفي بالعالِم... والصباح ينتظر الأب (أ.ب)

وسرعان ما استعاد قدرته على الكلام، وأجرى مقابلات عن بُعد مع مراسلي العلوم في الوكالة، فيما أسهمت المراسلات السريعة عبر البريد الإلكتروني مع فريق الاتصالات في جامعة ستانفورد في تيسير التواصل بين الطرفين.

وقال بعد ساعة من الإعلان: «لم يتسنَّ لي أي نوم حقيقي».

وبينما كان مراسلو العلوم يتحدّثون مع دايسيروث عبر الهاتف وتطبيق «زووم»، انطلق مصوّر فوتوغرافي وآخر للفيديو من وكالة «أسوشييتد برس» مسرعَين إلى منزله في ستانفورد.

ووصل المصوّر نحو الثالثة والنصف فجراً، ليجد زينة الهالوين معلّقة خارج المنزل، وضوءاً واحداً فقط مضاءً في الداخل. وتملّكه القلق من أنه ربما جاء إلى العنوان الخطأ، قبل أن يستجمع شجاعته ويطرق الباب.

وفتحت له زوجة العالِم، الدكتورة ميشيل مونجي دايسيروث، وأدخلته إلى المنزل، حيث كان الحائز على جائزة نوبل يتلقّى المكالمات على الأريكة.

وكانت مونجي دايسيروث، الباحثة في معهد «هوارد هيوز» الطبّي وأستاذة طبّ الأورام العصبية للأطفال في ستانفورد، تقف إلى جانب زوجها أحياناً، وتنصرف أحياناً أخرى لإعداد القهوة لفريق الاتصالات في ستانفورد الذي انضم إلى الاحتفال. وأخبر دايسيروث الوكالة بأنه فوجئ بنيل أعماله شرف جائزة نوبل، فيما لم تُفاجأ زوجته بذلك.

واسترجع مسيرة البحث الذي أجراه مع زميلَيه الحائزَين على جائزة نوبل، بيتر هيغيمان وغيورغ ناغل، وأشار إلى أثره في الواقع.

وقال: «أنا في جوهري طبيب وعالم في آن واحد. فأنا طبيب نفسي أهتم بمرضاي، بمن يعانون التوحد أو الاكتئاب. أهتم بالأمل الذي يحمله هذا العمل. لكنني في الوقت ذاته عالم في العلوم الأساسية، أهتم بفهم هذا العضو المذهل، الدماغ، وكيف يعمل ويتكامل ويعالج المعلومات ويُنتج كلّ ما يجعلنا بشراً».

وعندما أنهى دايسيروث مقابلاته، أخبر فريق ستانفورد بأنه يحتاج إلى استراحة لمدة ساعة تبدأ في السادسة والنصف صباحاً، موضحاً أن أطفاله على وشك الاستيقاظ وأنهم سيحتاجون إلى وجباتهم قبل التوجُّه إلى المدرسة.

وعندما تساءل أحد ممثلي ستانفورد عما إذا كانت ضجة منتصف الليل ستزعج الجيران، قلّلت الدكتورة مونجي دايسيروث من أهمية الأمر، وقالت إنهم يقطنون في مساكن أعضاء هيئة التدريس، وإنّ الحي يعجّ بالفائزين بجوائز نوبل.


مقالات ذات صلة

«نوبل الفيزياء» لعالم بلجيكي فتح نافذة جديدة على أسرار الكون

يوميات الشرق إعلان فوز فرانسيس هالزن بنوبل الفيزياء في الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم بستوكهولم (أ.ف.ب)

«نوبل الفيزياء» لعالم بلجيكي فتح نافذة جديدة على أسرار الكون

أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الثلاثاء، منح جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 للعالم البلجيكي فرانسيس هالزن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا عالم فيزياء الجسيمات البلجيكي-الأمريكي فرانسيس هالزن، من جامعة ويسكونسن-ماديسون والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 (رويترز)

جائزة نوبل في الفيزياء تذهب إلى فرانسيس هالزن

أعلنت الجهة المانحة للجائزة، اليوم (الثلاثاء)، فوز العالم فرانسيس هالزن بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
يورغ ناغل (رويترز)

أميركي وألمانيان يتقاسمون جائزة «نوبل» في الطب

مُنحت جائزة نوبل في الطب للأميركي كارل ديسيروث والألمانيين بيتر هيغيمان وجيورج ناغل؛ تقديراً لأبحاثهم في مجال البصريات الوراثية، وفق ما أعلنت لجنة نوبل

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
يوميات الشرق «علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)

نوبل الطب 2026... كيف أصبح «علم البصريات الوراثي» مفتاحاً لفك أسرار الدماغ؟

لطالما حلم العلماء بفهم الطريقة التي يصنع بها الدماغ الذكريات والمشاعر والسلوكيات، وكيف يمكن لعضو لا يتجاوز وزنه نحو 1.3 كيلوغرام أن يخزن تجارب الطفولة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق 3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)

«نوبل الطب» لثلاثة علماء كشفوا عن آلية إنتاج الذكريات والمشاعر

أعلنت هيئة جائزة نوبل في السويد، الاثنين، فوز الأميركي كارل ديسيروث (54 عاماً) والألمانيين بيتر هيغيمان (71 عاماً) وجيورج ناغل (73 عاماً) بجائزة نوبل في الطب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)
ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)
TT

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)
ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

اختار مهرجان «السينما الفلسطينية في السويد» 22 فيلماً للمسابقة الرسمية في دورته الرابعة، تجمع بين توثيق المعاناة والاقتراب من الحياة الاجتماعية والثقافية للفلسطينيين، بما يتيح تقديم حكاياتهم في سياق أوسع من مشاهد الحرب وتطوراتها.

وتُقام الدورة الجديدة في سينما «بانورا» بمدينة مالمو، من 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إلى أول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة مخرجين فلسطينيين وعرب وأوروبيين، وتكرّم المخرج السويدي بيو هولمكويست، تقديراً لمسيرته في إنتاج وإخراج أفلام عن فلسطين.

وبنى هولمكويست علاقته السينمائية بفلسطين عبر متابعة البشر وما يطرأ على حياتهم بمرور السنوات. ففي «غيتو غزة: صورة لعائلة فلسطينية»، يتابع حياة عائلة في مخيم جباليا وتاريخها، ثم يعود إليها في «كلمات وحجارة»، ليرصد التغيرات التي طرأت على أفرادها وحياتهم.

وفي «أسد غزة»، الذي أخرجه بالاشتراك مع سوزان خردليان، يتابع رجلاً يعود إلى غزة بعد 13 عاماً في بولندا والسويد، ليواجه التغيرات التي شهدها المكان خلال غيابه. أما «فرويد الشاب في غزة»، الذي أخرجه الاثنان أيضاً، فيقترب من الآثار النفسية للعنف والحصار، عبر متابعة المعالج الفلسطيني عايد ومحاولاته مساعدة أطفال وبالغين على التعامل معها.

وتشمل التكريمات المخرج السوري هيثم حقي، والمخرج المصري خالد يوسف، والفنانة المصرية شيرين، فيما يحتفي المهرجان بالإرث الفني للفنان الفلسطيني الراحل محمد بكري، تقديراً لإسهاماتهم السينمائية والإنسانية.

وتُفتتح الدورة بفيلم «شكراً لأنك تحلم معنا» للمخرجة ليلى عباس، وتدور أحداثه حول شقيقتين فلسطينيتين، مريم ونورا، تواجهان أزمات شخصية وعائلية، قبل أن تدفعهما وفاة والدهما إلى التعاون للحصول على الأموال التي تركها، في ظل قوانين الميراث التي تمنح شقيقهما المقيم في الخارج نصف التركة.

وتضع الشقيقتان خطة لإخفاء خبر وفاة الأب وسحب أمواله قبل أن يعلم شقيقهما برحيله، لتتداخل علاقتهما وتطلعاتهما إلى الاستقلال المادي مع أسئلة الميراث ومكانة المرأة في المجتمع.

واختارت لجنة المهرجان الأفلام الـ22 من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة، لتشكّل برنامجاً يجمع الأفلام الروائية والوثائقية ويقترب من التجربة الفلسطينية عبر قضايا الأسرة والذاكرة والنزوح ومحاولات البقاء، بما يقدّم صورة تتسع للحياة الاجتماعية والثقافية والمقاومة المدنية، إلى جانب المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون، وفق إفادة رسمية من إدارة المهرجان. وتُعرض أيضاً أعمال أخرى على هامش المسابقة الرسمية.

المخرج المصري خالد يوسف (حسابه على فيسبوك)

ومن بين الأفلام المشاركة، الوثائقي «أثقل من الحياة»، حيث يتابع المخرج مصطفى النبيه خمس نساء من غزة يواجهن الفقد والجوع والنزوح، ويتحملن مسؤولية الحفاظ على أسرهن في ظروف تتضاءل فيها فرص النجاة، ومن بينهن امرأة فقدت منزلها ومتحفاً أسسته لحفظ التراث، وأم ترعى 5 أطفال وزوجاً فقد بصره.

ويعود فيلم «أكبر من إسرائيل» للمخرجين إسماعيل البس وكريستيان بيروفانو إلى جذور التهجير، عبر صحفية شابة تجوب مخيمات الضفة الغربية للقاء مسنين عاشوا نكبة 1948. وتستعيد شهاداتهم، إلى جانب الصور والمواد الأرشيفية، تفاصيل البيوت والأماكن التي غادروها، لتصل تجاربهم بأسئلة الأجيال اللاحقة.

ويرأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية مدير التصوير المصري كمال عبد العزيز، فيما ترأس لجنة الأفلام الوثائقية الممثلة وصانعة الأفلام الأردنية مارغو حداد.

وقال المدير الفني للمهرجان، المخرج محمد السهلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن اختيار الأفلام استند إلى محاور تجمع الحكايات وتتيح قراءتها في سياق مشترك، من بينها «المكان والذاكرة»، مضيفاً أن الأعمال تضم وثائقيات تتناول ارتباط الأماكن بالأحداث وما تحتفظ به من تجارب.

وأوضح أن «المهرجان سيعرض فيلم (استثناء) الذي يتناول إقامة مهرجان سينمائي في غزة أثناء الإبادة الجماعية، مبرزاً أهمية استمرار الفعل الثقافي بوصفه شكلاً من المقاومة، وتمسّكاً بمساحة للسينما رغم الظروف المحيطة».

وأضاف السهلي أن «محور (المنفى والهوية) بالمهرجان يقترب من أسئلة الفلسطيني الذي يعيش بعيداً عن بلاده؛ كيف يعرّف نفسه، وما الرسالة التي يحملها، وكيف يحافظ على صلته بجذوره وذاكرة المكان الذي جاء منه»، لافتاً إلى أن البرنامج يضم أيضاً أفلاماً روائية تتناول الجوانب الاجتماعية والنفسية للحياة الفلسطينية، وأعمالاً تنتقد الواقع وتكشف مشكلاته، ويمنح مساحة لحكايات تتجاوز السياسة والحروب إلى تفاصيل المجتمع وتعقيداته.


«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)
الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)
TT

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)
الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

تخرج زينة صفير عن صمتها وتكسره بفيلم «سكوت السهل». يشارك الشريط في مهرجان «ميدل إيست ناو» السينمائي في فلورنسا، في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتوثّق خلاله، في 68 دقيقة، حكاية فقدان 4 رجال من عائلتها: زوج خالتها، وابن عمّه، وابن عمّته، وصهرهم، مستعيدةً واقعة أليمة عاشتها عندما كانت في الثانية من عمرها. وهذا الفقد بقي حاضراً في منزلها طوال هذه السنوات، وكان الكتمان والصمت عنه ضرورة في بلد لا يحاسب المجرم، وإنما يخافه.

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب. ومن خلال قصة عائلة واحدة، يتحدّث الفيلم باسم عدد لا يُحصى ممن يحملون الجرح نفسه. وتطرح صفير سؤالاً كبيراً: ماذا يعني أن نعيش ونتذكّر في بلد لم يتصالح يوماً مع ماضيه؟

تملك زينة صفير خبرة طويلة في عالم الأفلام الوثائقية، وسبق أن نفّذت أفلاماً لبنانية تتناول قضايا اجتماعية وسياسية. أخرجت نحو 15 فيلماً وثائقياً، أُنتج عدد منها بتكليف من محطات تلفزيونية. ونال فيلمها الأول «نكاية بالحرب» جوائز عدة. وعملت أيضاً موزّعة أفلام، ومديرة مهرجانات، ومستشارة إعلامية لمهرجانات سينمائية كبرى، منها «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، و«المهرجان الدولي للفيلم» بمراكش، و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي». وتولّت بين عامَي 2015 و2019 الإدارة الفنية لمهرجان «أيام بيروت السينمائية» للسينما العربية.

بلدة رياق التي شهدت الحادثة (زينة صفير)

وتقول إنها صنعت هذا الفيلم تكريماً لعائلتها، ولتؤكد من خلاله رفضها النسيان، فوجدت في الصورة وسيلة قادرة على حفظ ما يرفض التاريخ تدوينه. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «جرت الحادثة عام 1976، في حقبة تُعرف باسم (انقلاب الأحدب). وقُتل الرجال الأربعة على يد فصائل مسلّحة يقودها النظام السوري. كنتُ لا أزال طفلة في الثانية، لكن أجواء الحزن والثياب السوداء حفرت في مخيّلتي. وكان هناك صراع على مَن يصمت أكثر طوال 5 أشهر، كي لا يعلم ابن خالتي، الذي كان يدرس في منطقة جونية، بوفاة والده. ومنذ ذلك الوقت، كان ممنوعاً علينا التكلّم عن هذه الحادثة، وهو ما زاد الأمر سوءاً والمشهد العام اسوداداً في العائلة».

عام 1999، راودتها فكرة تنفيذ فيلم عن سكك الحديد، كون زوج خالتها كان يعمل فيها. ثم ما لبثت الفكرة أن قادتها إلى صناعة الوثائقي «سكوت السهل».

وتقول: «مرات يكون الجرح أكبر من السينما، وهذه كانت حالنا في العائلة. لكنني تمسّكت بتنفيذ هذا الفيلم من باب وعد قطعته على نفسي بتخليد هذه القضية. لم أشأ أن يكون دم هؤلاء الأربعة قد ذهب سدى، وبقيت الغصّة تخنق خالتي إلى أن وافتها المنية منذ نحو سنة».

وتؤكد صفير أنها تتطلّع إلى عرض الفيلم في لبنان، في «سينما وصل» بزحلة، التابعة لجمعية «متروبوليس» السينمائية. وتقول: «سعيدة بكون الفيلم يشارك في (مهرجان فلورنسا)، لكنني متحمّسة جداً لعرضه في لبنان، وفي الصالة التي شارك في بنائها، في تلك الحقبة، أحد المغدورين. وأهتم بعرضه مستقبلاً في صالات بمناطق لبنانية تحمل لي قيمة معنوية».

وتقول إنها لم تستطع أن تقولب الفيلم فنّياً كما رسمته في خيالها؛ إذ إن إجراء مقابلات مع عائلات الضحايا واستعادة الحادثة بآلامها وأوجاعها أسهما في إضاعة بوصلتها الفنّية. لكن هدفها الرئيسي كان صناعة الفيلم ليبقى ذكرى لا تُنسى للعائلة. وتُعلّق: «أجريت مقابلات مع كثيرين عايشوا هذه الواقعة. دخلت في أدقّ التفاصيل، رغم خوف يلازمهم، كونهم لا يزالون يعيشون تداعيات الحرب. وهي في الحقيقة لم تنتهِ بعد، ولا تزال ترسّباتها تغلي تحت الرماد. وهذا ما يعيشه كثير من اللبنانيين؛ إذ لم يتصالحوا مع ماضيهم ومع الحرب حتى اللحظة».

وتصف فيلمها بأنه عمل يدوي حرفي، وُلد من جرح واسع لا يزال ينزف حتى اليوم. وتتذكّر: «في إحدى المرات، خلال إجرائي مقابلة مع خالتي، طلبت مني الدخول إلى غرفتها. وهناك أسرّت لي بأنها تخاف على أولادها من الكلام الذي قالته، فهو ربما يحرّك أحقاداً قديمة ترتدّ عليهم بالسوء».

عملت زينة على تنفيذ الفيلم في مراحل متقطّعة منذ عام 1999 حتى 2022. واستطاعت خالتها أن ترى النسخة الأولى من مونتاج الفيلم، ثم رحلت. وتقول: «لكنني خلّدت صوتها وصورتها، وهو أمر يُعزّيني. كما استطعت ملامسة الذاكرة الجماعية من خلاله، وأتوقَّع أن تلقى عروضه في المناطق الصدى المطلوب. وبعد كلّ عرض، سأفتح جلسات نقاش حوله. وأهم تلك العروض سيكون في البقاع، في (سينما ريفولي) سابقاً و(سينما وصل) اليوم، حيث وقعت الحادثة في بلدة رياق الجميلة. ما سيراه اللبناني سيخاطبه مباشرة؛ لأنه ما من أحد في هذا البلد لم تصبه الحرب بألم الفقدان».

صورة أحد ضحايا الحادثة يستعيدها وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

وتُضيف: «لست راضية عنه بالمعنى الفنّي، لكنني سعيدة بما حقّقه معنوياً. كان من واجبي أن أقدّم لعائلتي هذا الفيلم هديةً. قد لا يستطيع إعادة الأموات إلى الحياة، لكنه سمح بإخراج الألم من القلب، بعدما كان مدفوناً سنوات طويلة».

ومن أهداف الفيلم، كما تذكر صفير لـ«الشرق الأوسط»، أن نتعلّم من ماضينا. فشعار «تنذكر ما تنعاد» لا يكفي لالتئام الجرح وإيقاف نزيفه. وتقول: «رغبت في رفع الظلم عن عائلات لبنانية ساءت حياتها بسبب الحرب، وكانت الدموع ملاذها».

ولكن، هل استطاع الفيلم وضع تلك العائلات على طريق الشفاء؟ تردّ: «لا أستطيع الجزم بذلك، لكنه شكّل وسيلة مواساة لهم. حتى إنني تلقّيتُ كلمات شكر من بعض أبناء الضحايا الأربعة الذين هاجروا إلى أميركا. فهذه اللفتة عنت لهم كثيراً، وهذا ما يهمّني ويعزّيني في آن».

وتعترف صفير بأنها كانت تجهل مدى تأثرها بالحادثة والأذى الذي تركته فيها على الصعيدين النفسي والمعنوي. كما تغمز في الفيلم من قناة قانون العفو العام، وتقول: «جروح هؤلاء الناس ومَن يُشبههم لا يمكن طمسها بقانون عفو عام».

ولأن الذاكرة مفقودة لدى اللبنانيين، تحضّر زينة لفيلم آخر من هذا النوع. وتختم: «(سكوت السهل) خصّصته لزوج خالتي، فيما أستعد لتنفيذ آخر عن عمّي، شقيق والدي. وأرغب من خلال هذه السلسلة في إيقاظ ذاكرة اللبنانيين. لقد نسوا هويتهم وجذورهم، وباتت مفقودة حتى في السينما اللبنانية. وفي فيلمي المقبل سأتناول عادات بلادنا وتقاليدها في منطقة جبل لبنان، ممّا سيُحيي تراثنا الذي هو أيضاً في مهبّ الريح».


السعودية تشهد نمواً في تسجيل براءات الاختراع بأكثر من 5 آلاف طلب خلال 2026

استحوذت المؤسسات على الحصة الأكبر من إجمالي الطلبات المودعة (الشرق الأوسط)
استحوذت المؤسسات على الحصة الأكبر من إجمالي الطلبات المودعة (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تشهد نمواً في تسجيل براءات الاختراع بأكثر من 5 آلاف طلب خلال 2026

استحوذت المؤسسات على الحصة الأكبر من إجمالي الطلبات المودعة (الشرق الأوسط)
استحوذت المؤسسات على الحصة الأكبر من إجمالي الطلبات المودعة (الشرق الأوسط)

سجلت السعودية نمواً في أعداد طلبات براءات الاختراع المودعة خلال النصف الأول من عام 2026، حيث ارتفعت بنسبة 19 في المائة مقارنةً بالفترة المماثلة من عام 2025 لتصل إلى 5,867 طلباً، تعكس ارتفاعاً تصاعدياً لطلبات البراءات خلال السنوات الأخيرة.

ورصد تقرير إحصائي حديث نشرته الهيئة السعودية للملكية الفكرية، أبرز المؤشرات والإحصاءات في مجالات براءات الاختراع، والتصاميم، والعلامات التجارية، وحقوق المؤلف، إلى جانب التوجهات المرتبطة بها خلال النصف الأول من عام 2026.

وشهدت طلبات براءات الاختراع المودعة خلال النصف الأول من عام 2026 تفاوتاً في معدلات النمو بين الأفراد والمؤسسات، مع استمرار المؤسسات في الاستحواذ على الحصة الأكبر من إجمالي الطلبات المودعة، بإجمالي 3,347 طلباً، مقابل 2,520 طلباً مقدمة من الأفراد التي تعكس هي الأخرى نمواً ملحوظاً بنسبة 39 في المائة مقارنةً بالفترة المماثلة من العام الماضي ما يعكس تنامي نشاط الإيداع لدى الأفراد، مع بقاء المؤسسات في صدارة مقدمي الطلبات من حيث إجمالي عدد الطلبات.

دور المؤسسات في تطوير الابتكارات

عكست وثائق براءات الاختراع الصادرة بعد استيفائها الشروط، خلال النصف الأول من عام 2026، استحواذ المؤسسات على النصيب الأكبر من إجمالي الوثائق الصادرة بإجمالي 1450 وثيقة، مقابل 175 وثيقة صادرة للأفراد. ويبرز هذا التوزيع استمرار الدور الفاعل للمؤسسات في الوصول بالابتكارات إلى مرحلة المنح، وفي المقابل، سجلت البراءات الصادرة للأفراد نمواً ملحوظاً بنسبة 169 في المائة مقارنةً بالفترة المماثلة من عام 2025، ما يعكس ارتفاع عدد الابتكارات الفردية التي استكملت متطلبات المنح خلال الفترة، في حين انخفض عدد البراءات الصادرة للمؤسسات بنسبة 17 في المائة.

وعكست قائمة المؤسسات الأكثر إيداعاً تنوعاً في طبيعة مقدمي الطلبات بين الشركات والجامعات، حيث تصدرت الشركة العربية السعودية للزيت (أرامكو السعودية) القائمة، تلتها هاليبرتون لخدمات الطاقة، ثم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إلى جانب «شلمبرجير تكنولوجي بي في» وجامعة الملك سعود، ويبرز هذا التوزيع الحضور الواضح لكل من القطاعين الصناعي والأكاديمي ضمن المؤسسات الأكثر نشاطاً في إيداع طلبات براءات الاختراع، بما يعكس دورهما في تطوير التقنيات والابتكارات القابلة للحماية، وتحويل مخرجات البحث والتطوير إلى أصول غير ملموسة قابلة للإدارة والاستثمار، والاستفادة من قيمتها الاقتصادية.

مصنفات حقوق المؤلف

استقبلت الهيئة 2,771 طلب تسجيل اختياري لمصنفات حقوق المؤلف، بنمو 50 في المائة مقارنة بالنصف الأول من عام 2025، وفي مجال التصاميم، بلغ عدد الطلبات المودعة 1,652 طلباً، بنمو 43 في المائة، فيما بلغ عدد طلبات تسجيل العلامات التجارية 32,615 طلباً، بنمو 17 في المائة. ويشير النمو المتسارع في طلبات تسجيل مصنفات حقوق المؤلف، إلى ارتفاع الوعي بأهمية حماية مصنفات حق المؤلف، لا سيما في ظل تنامي الاقتصاد الإبداعي والرقمي في السعودية.

وهيمنت المصنفات المكتوبة على مسارات المصنفات، وشكّلت نسبة 52 في المائة من إجمالي الشهادات خلال فترة التقرير، تليها البرمجيات وتطبيقات الحاسب الآلي بنسبة 35 في المائة، ثم المصنفات الفنية والفنية التطبيقية بنسبة 11 في المائة، أما باقي المسارات مثل الأعمال المعمارية، والصور الفوتوغرافية، فقد جاءت بنسب ضئيلة لا تتجاوز 2 في المائة.

واستعرض التقرير مؤشرات إنفاذ واحترام حقوق الملكية الفكرية خلال الفترة نفسها، التي شملت تسلُّم 1,175 شكوى، وضبط 809,132 منتجاً مخالفاً، وحجب 10,344 موقعاً إلكترونياً، إلى جانب استقبال 168 طلب ترخيص لممارسة أنشطة وخدمات الملكية الفكرية، وإصدار 119 ترخيصاً لوكلاء الملكية الفكرية. ويعكس التقرير الإحصائي لمعلومات الملكية الفكرية مؤشرات واضحة على التقدم المتواصل في هذا القطاع الحيوي، ويبرز النمو الملحوظ في حجم الطلبات، وتزايد مساهمة الأفراد والمؤسسات، ما يعكس ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية حقوق الملكية الفكرية.

وأقر مجلس الوزراء السعودي في أغسطس (آب) الماضي، السياسة الوطنية للملكية الفكرية، إيماناً بدور المنظومة في دعم الإبداع والابتكار، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. وتمثل السياسة إطاراً للمبادئ والتوجهات العامة لمنظومة الملكية الفكرية في البلاد، ومنهجية شاملة وموحدة تسهم في تفعيل دورها وتعميق أثرها، عبر 5 ركائز رئيسية، تشمل التوعية والتثقيف، وتوليد الملكية الفكرية، وإدارتها وتسجيلها، واحترامها وإنفاذها، واستغلالها وتتجيرها، بما يرسخ بيئة داعمة لأصحاب الحقوق والمبدعين والمبتكرين والمنشآت.