د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

الإصبع الياباني!

استمع إلى المقالة

قبل انطلاق القطارات في اليابان تحدث ممارسة لافتة. إذ يشير موظفو المحطة بأيديهم ذات القفازات البيضاء في اتجاه حركة القطار، ويعلنون بصوت مسموع أن المسار أصبح آمناً للانطلاق. تسمى تلك الطريقة باليابانية «شيسا كانكو» (أي الإشارة، والنداء).

هي تقنية في السلامة المهنية تسترعي انتباه الإنسان. أطلقها اليابانيون، ثم اجتاحت السكك الحديدية حول العالم، والمصانع، ومواقع الإنشاء، وغيرها. اليابانيون لم «يطلبوا» من الموظف الانتباه، بل اختاروا «حركة» تجبره على التركيز، ولم يقولوا «لا تخطئ»، بل صَعّبوا ارتكاب الخطأ أصلاً. قرأت أيضاً أن من قواعد السلامة في قمرة قيادة الطائرة أن يشير القبطان أو مساعده إلى وميض المؤشر، ويصف الحالة شفهياً ليسترعي الانتباه.

فكرة منع الخطأ قبل وقوعه لها امتداد عميق في الفكر الصناعي الياباني. فقد اشتهر المهندس شيغيو شينغو بمفهوم «بوكا يوكه»: أي بدلاً من اكتشاف العيب في نهاية خط الإنتاج، صمّم العملية بحيث يصعب وقوعه، أو يُكتشف فور حدوثه.

وحتى حين يقع الخلل، هناك مبدأ ياباني آخر يقول باختصار «لا تناقشه من مكتبك»، اذهب وانظر إليه بنفسك، وقد اشتهرت به «تويوتا». فالمشكلة على أرض الواقع قد تبدو مختلفة عما تشير إليه التقارير.

والأطرف أنهم يهتمون أحياناً بالحادث الذي «لم يقع». ففي السلامة المهنية لديهم مفهوم «هياري هاتّو» (النجاة من خطر وشيك)، وهي اللحظة التي نقول فيها «يا ساتر!» حينما يكاد العامل يسقط أو يُجرح قبل أن ينجو. هذه ممارسة تَرصد «الحوادث الوشيكة»، وتُحللها قبل أن تتحول إلى حادث حقيقي. وهناك تدريب آخر للتنبؤ بالخطر قبل وقوعه، يعرف بـ«كي واي تي». ويبدو أن الإصبع الياباني لا تشير إلى الخطر فحسب، بل إلى بوادره قبل أن يقع.

شغلتني السبابة باعتبارها أكثر إصبع نستخدمه في حواراتنا. فوجدت دراسة نشرتها دورية «البحوث السيكولوجية» اليابانية عام 2009، أظهرت أن الإشارة بالسبابة تسترعي الانتباه أكثر من الإشارات اليدوية الأخرى. وفي دراسة نشرت عام 2026، تبين أن السبابة أكثر فاعلية من اتجاه العين في توجيه انتباه الناس نحو مكان بعينه. ولعل الإشارة بالسبابة من الإيماءات القليلة التي تعني بجميع اللغات: «هنا» أو «هناك».

المشكلة أحياناً ليست في الإصبع، بل في الجهة التي لا نجرؤ الإشارة إليها. من هنا اشتهر التعبير الإنجليزي «فيل في الغرفة»، ويُقصد به المشكلة التي يراها الجميع، لكنهم يتحاشون الحديث عنها. فما جدوى أن نعرف كيف نشير إلى المشكلة، لكننا لا نجرؤ على مد الإصبع نحوها؟