عبد الله الغذامي
كاتب سعودي
TT

مصارع المؤلفين

استمع إلى المقالة

لست هنا بصدد مصطلح «موت المؤلف» في النظرية النقدية، إنما سأقف على صيغة مختلفة لموت المؤلف تحمل رمزيتها الخاصة، وأحيل إلى حالات القراءات الأولى لأبناء جيلي في اكتشافاتنا لفعل القراءة. فقد كنا نقرأ، فأغلفة الكتب تتصدرها عناوين الكتب وتحتها اسم المؤلف وسنة وفاته. وقائمة كتبنا كلها كانت قوائم أموات مضوا قبل قرون، فالجاحظ والمبرد وابن جني وشعراء الجاهلية وعصور الثقافة العربية الأولى هم أموات ونتعامل نحن مع رهبة الموت وجلال الفكر والأدب وكأن الفكر والتأليف مشروطان بالموت وكلما أنجز أحدهم كتاباً مات، كمن يكتب وصيته ويقرر مصير ميراثه.

وقد يمر الأمر هذا دون حاجة لملاحظة في غالب أمر جيلنا خاصةً مع معرفتنا بمؤلفين أحياء مثل حمد الجاسر وطه حسين وكذلك كتاب الصحف التي كانت في زمننا المبكر، ومن ديدنها التركيز على مقالات الأدباء والكتابات الأدبية. ولذا نعي أنه ليس شرطاً أن يكون المؤلف ميتاً. وفي المقابل فإن الهوى يميل لتصور أن المؤلف الميت أعظمُ من الأحياء وأرقى مقاماً وأصدق حجيةً.

لكن الأمر عند الأديب علي محمد العمير مختلفٌ جذريّاً عن حالنا مع المؤلفين، فقد ولد في قرية الجرادية في منطقة جازان، ودرس في المعهد العلمي في صامطة فهو زميلي الدراسي في هذه المسألة مع فارق عشرين سنة في العمر وفارق مكان المعهد ما بين صامطة وعنيزة، وقد بدأ مع حلقات المشايخ وكذلك كنتُ مع حلقات الجامع مع مشائخي. وكان مغرماً بالقراءة في كتب التراث أي كتب الأموات، وترسخ في ذهنه أن أي مؤلف هو بالضرورة ميتٌ، ولذا لم يحلم بأن يكون مؤلفاً بما أن الموت شرطٌ للتأليف. ولكن المفاجأة جاءت حين تمرد على المعهد العلمي كون المعهد شديد التراثية وتاقت نفسه لطلب الحرية فغادر قريته وذهب لمكة المكرمة في مطلع خمسينات القرن الماضي. وهناك رأى حمزة شحاتة ومحمد حسين زيدان وهما مؤلفان وفي الوقت ذاته حيان أمامه. وهنا وقعت الصدمة حيث لزمه أن يتأقلم مع تغير المعنى عنده. ولزمه أن يلغي العلاقة بين التأليف والموت، وتاقت نفسه أن يكون مثلهما حياً ومؤلفاً وقد صار فعلاً.

وقبل هذه القصة كانت له قصة عجيبة مع قراءة الصحف وهو طالب فتي في المعهد حيث وقعت يده على عدد من جريدة «البلاد»، وهي أول جريدة يدخل معها في تجربة قراءة الصحف بعد خبرة ثرية مع قراءة الكتب، أي أنه دخل للجريدة بعقلية القارئ النهم للكتب، لكنه حين هم بقراءة الجريدة وجد نفسه في ورطة مع ذاك الذي بين يديه فالصفحة كبيرة أكبر من كل ما اعتاده في الكتب واختلطت عليه الأسطر، تلك التي لا تشبه أسطر صفحات الكتب، وهنا تواجه مع كتابات في صفحة موزعة على أسطر قصيرة تشبه نظام الشعر، لذا تعامل معها على أنها أشطر كما في الشعر، غير أنها تتوالى على وجه الصفحة أشطراً بعد أشطر، وتستمر الأشطر في تعاقب تفصله صور في قلب الصفحة، مع جمل كبيرة لا يعرف أنها عناوينُ لمقالاتٍ ولأخبار تحاصرها الأسطر المتوالية من حولها وفوقها وتحتها في إرباك بصري وذهني أوقعه في حيرة كيف يقرأ وكيف يربط شطراً بشطر مما لا يبدو أنه شعرْ ولا هو نثرْ كنثر صفحات الكتب إذ كان ينطلق من شطر إلى الذي عن يساره في تعاقب أفقي وليس الذي تحته، مما يبتر الكلام ويتشتت الفهم. وهنا احتال لنفسه بحيلةٍ من دهاء فتى قروي تورط مع لغة المدينة، فطلب من شخص أن يقرأ له الجريدة متظاهراً أنه أمي، وحين شرع الرجل بالقراءة بصوت مرتفع ويسير مع القراءة سيراً هيناً دون توقف بين تنقلات الأشطر المتقابلة. هنا يكتشف العمير بهلوانية الكتابة المدنية أو الصحافية، فخطف الجريدة من يد الرجل، ليتفاجأ الرجل بأن هذا الأمي انطلق لسانه بمعجزةٍ وصار يقرأ بأحسن من قراءته. وكيف لو علم الرجل ذاك أن صاحبه الأمي مجازياً قد أصبح رئيساً لتحرير تلك الجريدة التي عجز عن فك سر قراءتها في مطالع أيامه.

ذاك هو علي العمير الذي صرت أصفه بالخصم النبيل، ذاك لأنه عدو لدود للحداثة والحداثيين. ولي معه قصة طريفة، ذاك أني حين خرجت من أسوار الجامعة واشتبكت مع الميدان الثقافي المفتوح استقبلني أشد من استقبلني عبد الفتاح أبو مدين (رحمه الله)، وحذرني من الصدام مع ثلاثة من كبار الصحافيين مشهورين بعنفهم حين الاختلاف، وذكر علي العمير واحداً منهم. ولزمت النصيحة بقناعة تامة بنزاهة رأي أبي مدين، غير أنني تفاجأت بعلي العمير يزورني في مكتبي في الجامعة بوجه رحب وانحياز لصفي في إحدى المناوشات مع أكاديمي عزيز اختلفت معه حول القصيدة الحداثية وطالت المناقشة حتى أصبحت معركة. وجاء علي العمير لمكتبي ليعلن انتصاره لي، وسبب مجيئه أن المعركة أطربته وأثارت شهية العراك عنده، فمال مع من رآه أشد صرامة في النقاش.

ومن تلك اللحظة صار التبادل الثقافي بيني وبينه سوياً والاختلاف أخوياً رغم عنفه مع غيري من الحداثيين. ومن تلك الواقعة صرت أصفه بالخصم النبيل. وقد ظل نبيلاً وراقياً ومحاوراً محترماً معي تحديداً دون غيري، وتلك خلاصتي معه رحمه الله وضيفه جناته ورضوانه.