في مداخلة تلفزيونية لافتة لأحد المشاركين في الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، أكد أنَّ طرح خطة مسعد بولس حول توحيد المؤسسات وتقاسم السلطة في ليبيا، أثَّر كثيراً في مناقشات المشاركين في الحوار، الأمر الذي دفعهم للانغماس أكثر في التفاصيل حول كيف تكون الدولة في ليبيا استرشاداً بمفاهيم الحوكمة في المجالات المختلفة. جوهر هذه الملاحظة أن الخطة الأميركية، على الرغم من كونها تصوراً عاماً لتوحيد المؤسسات مقرونة بتقاسم السلطة بعيداً من مبدأ الانتخابات التي تنهي المرحلة الانتقالية الراهنة، فقد نثرت قدراً من التشوش في الحوار المهيكل، وبدلاً من أن يضع الحوار وفقاً للأهداف التي طرحتها البعثة الأممية، تصوراً لخطة عمل تدفع إلى الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية، امتلأت النقاشات بالمبادئ العامة النابعة من أطر الحوكمة من دون برنامج عمل.
هناك كثير من الانتقادات التي وجهت من قبل للحوار المهيكل باعتبار أنَّ المشاركين تم اختيارهم من دون معايير واضحة، مما أقصى فئات مهمة من الشعب الليبي من المشاركة في الحوار، ثم يأتي البيان الختامي ليضيف نقداً آخر يركز على غياب التصور العملي القابل للتطبيق، وهيمنة المبادئ العامة. والواقع أن هذه الانتقادات لا تُقصي الإطار التنافسي العام الذي تعيشه ليبيا حيث تعددت المبادرات والمداخلات الدولية والإقليمية عبر عقد ونصف، ولم تنجح في حلحلة الوضع الليبي من حالته الانتقالية إلى حالة مستدامة يحكمها دستور ينال ثقة الشعب وفق استفتاء حر، ما زال يشكل نقطة مركزية في أي تحول جذري في الشأن الليبي.
الإطار التنافسي للمبادرات الدولية يمكنه أن يفسر إقدام الولايات المتحدة عبر مبعوثها الخاص مسعد بولس، المقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لطرح فكرة توحيد المؤسسات عبر تقاسم للسلطة بين القوتين الرئيسيتين في البلاد، قوة الغرب ورمزها رئيس الحكومة المعترف بها عبد الحميد الدبيبة، وقوة الشرق ممثلة في عائلة خليفة حفتر القائد العسكري البارز، الأول يستمر رئيساً للحكومة، والثاني يرأس أحد أبنائه مجلساً تنفيذياً مكوناً من ثلاث شخصيات «رئيس ونائبَين»، مع التبشير بأن تأتي الاستثمارات الأميركية في قطاعات النفط والخدمات المالية، فضلاً عن تعزيز التفاعلات العسكرية عبر تدريب مشترك تنظمه «أفريكوم» الأميركية مع قوات ليبية من الشرق والغرب معاً.
التصور الأميركي يستبعد الانتخابات عملياً ولو لمدة معينة غير محددة، ويثير حفيظة القوى الأخرى في البلاد، وإن كانت أقل نفوذاً، حتى وإن كان بعضها يعتبر حليفاً لإحدى القوتين الرئيسيتين. لكنه الطابع العملي الذي يحكم السياسة الأميركية بشكل عام، والذي يهتم بتحقيق إنجازات عملية على الأرض حتى ولو لم تكن قابلة للاستمرار لمدى زمني طويل، مع تفضيل التعامل المباشر مع الأطراف ذات النفوذ. صحيح أن المبعوث الأميركي طرح مبادرته باعتبارها مكملة للجهود الأممية وليست بديلاً عنها، لكنه عملياً، وفقاً للعديد من الليبيين هي تجسيد للمنافسة بين المبادرات؛ وتعدد «الطبخات» التي أثمرت انسداداً سياسياً وتعثراً اقتصادياً وتخلخلاً في المجتمع الليبي غير مسبوق. الأمر الذي قاد إلى تجذر المصالح الفئوية والجهوية على حساب المصالح الكلية لليبيا. في المقابل تطرح تساؤلات مهمة حول مدى قدرة مبادرة بولس أن تدفع ليبيا إلى حالة من الاستقرار في ظل تقاسم السلطة المقترح، والذي أبدت القيادة العامة في الشرق الليبي انفتاحها على تلك المبادرة، باعتبارها تدرك الواقع الليبي وتعقيداته، ولكن بشروط أهمها وحدة البلاد ومسار للانتخابات.
من المهم قطعاً أن يتم توحيد المؤسسات الليبية، عسكرياً وأمنياً وسياسياً ومالياً، لكن الأهم أن يكون هذا التوحيد وفق مسار سياسي واضح الخطوات ومشمولاً بالقبول الشعبي العام، والمدخل الرئيسي له هو الانتخابات الحرة التي يشارك فيها الشعب الليبي بكل فئاته، والتي من شأنها أن توفر مشروعية قانونية وشرعية شعبية لأي تحول يُراد له أن يحقق الاستقرار ويحمي الموارد ويصون السيادة الليبية. وهنا تبدو قرارات الرئاسات الثلاث؛ مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي المعلنة قبل خمسة أيام، ذات مغزى كبير ودلالة مهمة، إذ ركزت على أهمية استكمال المسار الوطني، يتضمن خطة صناعة ليبية خالصة تبدأ بإعادة تفعيل لجنة 6+6 ومنحها مجدداً صلاحية إعداد وصياغة القوانين المنظمة للعملية السياسية والانتخابية، وتشكيل حكومة موحدة قادرة على إدارة الاستحقاق الانتخابي المأمول، شاملاً الرئاسة والبرلمان بشكل متزامن بحد أقصى 27 فبراير (شباط) 2027، أي في غضون ثمانية أشهر فقط، وأن يشرع البرلمان بتمرير القوانين المنظمة لها التي أنجزتها لجنة 6+6.
وتضمنت الوثيقة مجموعة واسعة من التفاهمات السياسية والدستورية والمؤسسية، إلى جانب استكمال الترتيبات الدستورية والقانونية اللازمة لإنجاز الاستحقاق الانتخابي. فضلاً عن تشكيل لجنة سيادية عليا للإشراف على العملية الانتخابية، ولجنة فنية مشتركة لإعداد مشروع ميزانية موحدة لعام 2027، وإضافة المؤسسة الوطنية للنفط وشركة الاستثمارات الليبية الخارجية إلى المؤسسات السيادية المشمولة بأحكام المادة الخامسة عشرة من الاتفاق السياسي.
تعكس تلك القرارات إدراكاً من القائمين على المؤسسات الثلاث أن الوقت لم يَعُد يصلح للتجاذبات القصيرة النظر، وأن الفراغ السياسي في البلاد إن لم يشغله الليبيون أنفسهم، فسيأتي من يشغله مدفوعاً بمصالح وأسباب أبعد كثيراً من تحقيق الاستقرار في ليبيا وسيادتها على مواردها. مرة أخرى يبرز تصور ليبي شامل لكنه يحتاج إلى إرادة وتصميم حقيقيين، والأهم تأييد شعبي يحميه.
