سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

تفاءلوا

استمع إلى المقالة

كان فؤاد بطرس من ألمع وزراء الخارجية الذين عرفهم لبنان. لكن الرئيس سليمان فرنجية كان يسخر دوماً من مظهره الكئيب، وميله الدائم إلى التشاؤم، ويسميه طائر البوم الذي لا يكف عن النعيق.

الفارق بين الرجلين كان أن الأول عملي جداً، والثاني كان يحاول التخفيف عن الناس بشيء من التفاؤل، والأمنيات. حاولت أمس استطلاع آراء صحف العالم في اتفاق ترمب–إيران، فوجدتها منقسمة بين فريقين: بطرس–فرنجية، الناس تتمنى أن تتفاءل، وتخاف من صدمة مفاجئة كالتي ضربت العالم في الآونة الأخيرة. وتولت قيادة المتشائمين صحيفة «الديلي تلغراف» التي ذكّرتنا بأننا في منطقة لا يؤتمن لها شيء، وحبلى بالمشكلات، ولن تعرف الطمأنينة.

أعطت «التلغراف» مثالاً على ذلك المرات التي أُعلن فيها عن اتفاق، ثم العودة عنه. والمثال الآخر حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 التي تبعتها حرب «الإسناد» في الثامن منه، ثم راحت الحروب تتوالد ما بين غزة ولبنان حتى تحولت إلى شبه حرب عالمية تشمل في آثارها الكوكب الأزرق برمته.

تقتضي الحكمة والضرورة وبديهيات الأمور أن نتخذ جانب المتفائلين. وقد سخر كثيرون من مبالغة صاحب «جائزة السلام» في التفاؤل، لكنه أثبت أنه كان على حق. وحتى موضوع «الغبار النووي» الذي كنا نعتقد أنه مشكلة بلا حل، ثم تم العثور على صيغة لدفنه في هدوء عندما يحين الوقت. أي عندما لا يعود موضوع إذعان لإيران، أو انتصار لأميركا.

لذلك لجأ الفريقان، بالتراضي، إلى صيغة «الغموض الإيجابي» لتكون مقدمة لحالة سلم طويل، كما في قراءة الأستاذ عبد الرحمن الراشد بالمدى البعيد في بنود الاتفاق. لقد تعب الجميع من حرب لا تؤدي إلى شيء سوى كل هذا الموت، وهذا الرماد. التنكيل الإسرائيلي ليس حلاً. والاحتلال الإسرائيلي لم يحل شيئاً في أي وقت. فلنجرب اتفاقاً يكون فيه دونالد ترمب هو الموَبِخ، ونتنياهو مستحق التوبِيخ. على الأقل.