طلال الحمود
إعلامي وكاتب سعودي، رئيس تحرير الأخبار الرياضية في قناة العربية.
TT

التوأم الرقمي

استمع إلى المقالة

مع انطلاق نهائيات كأس العالم 2026 الخميس، تدخل لعبة كرة القدم عهداً جديداً يعتمد على التقنية الحديثة بشكل أوسع، وينهي بقايا الفكر الكلاسيكي والتعنت ضد التغيير في القوانين وتطوير الأدوات، وبات عشاق المستديرة ينتظرون إثارة أكبر مع فتح الباب أمام تقنيات الذكاء الاصطناعي للحد من أخطاء التنظيم والتحكيم، وهذا ما كانت المدرسة القديمة ترفضه، وحال دون استخدام أكثر من كرة في المباريات، وأدَّى إلى تأخر اعتماد تقنية «VAR» لسنوات.

الاتحاد الدولي لكرة القدم في المونديال المقبل سيعتمد إنشاء ما يسمى بـ«التوأم الرقمي» في المباريات، من خلال نشر عدد كبير من الكاميرات لالتقاط 29 نقطة بيانات لكل لاعب، بمعدل يصل إلى 50 مرة في الثانية، مع تزويد الكرة بشريحة عالية الدقة، والهدف من هذه التقنية توليد إعادات ثلاثية الأبعاد تظهر اللاعبين بصورة مطابقة للواقع تشمل مواقعهم وتحركاتهم، لمساعدة الحكم ومعاونيه على اتخاذ القرار بسرعة أكبر ودقة أعلى.

وربما شعر الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنه استعجل في إغراق اللعبة بالتقنيات الحديثة، مما أثَّر سلباً على سرعة اللعبة وأدى إلى الملل من كثرة التوقفات، ولعلاج هذه السلبيات قرر أن ينزل بقوة في المونديال لتسريع اتخاذ القرارات والحد من الوقت الطويل في مراجعة اللقطات، خاصة أن هناك انتقادات طالت «فيفا» تتعلق بقتل المتعة أثناء المباريات بكثرة الاعتماد على التقنية، غير أن المنظمة الدولية تتمسك بتوجهها حتى الآن مع بذل جهود أكبر لتحييد سلبيات استخدام التقنية، لاعتبار أن كرة القدم باتت صناعة تحظى بسوق كبيرة تجتذب استثمارات تصل إلى تريليونات، وبالتالي تصبح الأخطاء التحكيمية خطراً على نمو الاستثمار واستقطاب رؤوس الأموال.

انفتاح «فيفا» على استخدام التقنيات الحديثة بدلاً من الأساليب التقليدية، جاء بعد ثورة تقنية كبرى شهدتها الاتحادات الوطنية الأوروبية، أدَّت إلى استخدام التوأم الرقمي مثلاً في تطوير أداء اللاعبين والمنتخبات، وتنظيم البطولات المحلية وتنسيق اللوجستيات، حتى باتت بعض الأندية تعتمد على هذا التوأم الافتراضي في تقييم أداء اللاعب والتنبؤ بمدى جهوزيته واحتمالات تعرضه إلى الإجهاد العضلي لمنع إصابته، ومن أجل أن يبرهن «فيفا» حضوره التقني قام بإنشاء منصة ذكية متاحة أمام الأجهزة الطبية للمنتخبات المشاركة، لتمكين الأطباء من الحصول على محاكاة طبية لجميع اللاعبين، كما أنها تقدم للمدربين محاكاة فنية لمتابعة أداء اللاعبين والفرق المنافسة.

عموماً... لن تتسبب التقنية الحديثة في إفساد أجواء كرة القدم، بقدر خطر الاستعجال في الاعتماد على تقنيات غير متطورة مع انتظار معالجة سلبياتها بعد اختبارها في المنافسات الرسمية، علماً أن كثرة التجارب في الميدان من شأنها فتح باب التلاعب واستغلال الثغرات التقنية للقيام بممارسات غير قانونية، تؤثر لاحقاً على عدالة المنافسة وسوق اللعبة.