د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

استمع إلى المقالة

إن التعرف إلى الروافد التي تصوغ علاقة مجتمعاتنا العربية اليوم بالدين، يقتضي منا تحديدَ أثر «إسلام العلماء» في بلورة السلوك الديني وضبط ملامحه، وهذه نقطة مهمة تساعد في فهم خلفية السلوك الديني، الذي هو في وجه من وجوهه نتاج المرجعيات التي يستند إليها في تصوراته وممارساته الدينية. وفي الحقيقة؛ بوصف مرحلة الشباب هي المرحلة العمرية الأكبر تعلقاً بمسألة الهوية والانتماء والأسئلة الكبرى، فإن السؤال عن صلة السلوك الديني للشباب بمرجعية «إسلام العلماء والفقهاء» يبدو لنا مهماً جداً حتى نقرر الاطمئنان إليها أم القلق من هشاشتها وانحرافاتها، أحياناً، المولّدة أشياء مُهلِكة كالعنف والإرهاب.

فما مدى قراءة الشباب العربي اليوم كُتبَ علماء الدين؟ ومَن العلماء الذين يقرأون لهم وتعرفوا إلى تفسيراتهم وأطروحاتهم الدينية؟

أولاً من المهم توضيح أن عبارة «علماء» في الثقافة العربية الإسلامية التقليدية تعني المختصين في علوم الدين أكثر من المختصين في العلوم الدنيوية، أو في العلوم النَّقلية أكثر من المختصين في العلوم العقلية الذين أُطلقت عليهم صفات «فلاسفة» و«حكماء» و«كتّاب». وتكاد غالبيةُ القراءات تُجمع على أن علماء الدين كانوا يتمتعون بسلطة قوية في النظام الاجتماعي العربي والإسلامي، إضافة إلى الكاريزما التي يحظون بها لدى المجتمع بمختلف فئاته وطبقاته بوصفهم يتميزون بحق إنتاج الخطاب الديني. ومما سبق يمكن استنتاج أن علماء الدين كانوا على رأس المرجعيات المؤطِّرة للسلوك الديني للمجتمع الإسلامي.

فما مكانة علماء الدّين في المجتمعات العربية اليوم، وهل لا تزال على حالها؛ مرجعية أساسية ومؤطِّرة للنظام الديني للمجتمع؟

يبدو أن من يصفهم العلامة التونسي الطاهر بن عاشور بـ«مصابيح الإرشاد»، ويعني بهم القادة الدينيين للمجتمع، مكانتهم قد أصبحت ضعيفة مقارنة بالسلطة التي كانوا يتمتعون بها في المؤسسة الدينية والنظام الاجتماعي العربي على الأقل قبل العقود الثلاثة الماضية.

وإذا ما ركزنا على الشباب العربي الذي يمثل قوة ديموغرافية هائلة في بلداننا، فسنجد، وفق دراسات عدّة أُنجزت في مصر والمغرب وتونس... وغيرها، أنهم لا يقرأون لعلماء الدين ومفكريه، في إشارة تبدو واضحة إلى انحسار دور العلماء وتراجع نفوذ «الإسلام - العالِم» في شبكة مرجعيات السلوك الديني للشباب العربي. أي إن علاقة الشباب بالدين لا تسوسها، لدى السواد الأعظم، النخبةُ الدينية؛ وهي التي كانت السلطة الثانية في النظام الاجتماعي.

لا شك في أن ما لحق بالمؤسسات الدينية في البلدان العربية من تغييرات ذات مدلولات مهمة، قد أثر آلياً على واقع دور العلماء ومدى سيطرتهم على البنى الذهنية للمجتمع، حيث قامت المشروعات التحديثية في غالبية البلدان العربية على تقليص أثر المؤسسات الدينية؛ ذلك إن إطفاء جاذبية علماء الدين، وإضعاف سلطتهم في المجتمعات العربية، قد أعادا بناء نظام اجتماعي لا يقوم على الدور التقليدي للعلماء، وهو ما يفسر الرابطة الضعيفة التي تحكم سلوك الشباب الديني بـ«الإسلام - العالِم».

يبدو أن تراجع دور المؤسسات الدينية، إضافة إلى ضعف التنشئة الدينية في المدارس، قد أديا إلى نوع من ضمور الخطاب الديني وانكفائه على موضوعات وأدوات معرفية لم تستطع إشباع التوقعات الدينية ولا حتى تعديل الفجوة التي حدثت بين المجتمع وعلمائه؛ إذ لا يغيب عن البال أن ضعف الصلة بمؤلفات العلماء يمكن تفسيره بغياب مفكرين يشدون انتباه الشباب: لقد قاربت النخبة الفكرية المسألة الإسلامية، سواء أكان من منظور قانوني أم حضاري أم فلسفي أم سوسيولوجي، من دون اهتمام واضح بضرورة التواصل التفاعلي مع الشبابِ محركِ المجتمع، أو الاقتراب من تطلعاته الدينية. لذلك ظل بعض أسماء هذه النخبة معروفاً بصفتها أسماء؛ أكثر من التواصل مع مؤلفاتهم. بل إن العلماء عند شباب اليوم هم الدعاة الذين يظهرون في القنوات التلفزيونية وعلى «يوتيوب»؛ مما يعني أن هناك خلطاً بالنسبة إلى الشباب وعدم تمييز بين علماء الدين، والوعاظ الذين أصبحوا يسوَّقون بوصفهم العلماء الجدد للدين الإسلامي.

كما يمكن تفسير الاعتماد على الدعاة من ذوي الإشعاع الإعلامي في الحصول على المعرفة الدينية؛ بغياب علماء دين يسدون هذه الثغرة، ويعوضون الفوضى المعرفية الحاصلة اليوم في «الفضاء السمعي البصري الديني العربي». ومن المفارقات أن الدعاة أوسع توظيفاً للفضاء الرقمي والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث إنهم، رغم هيمنة الطابع النقلي الصارم في مضامينهم الدينية، حداثيون في ما يخص توظيف تكنولوجيا الاتصال الحديثة.

طبعاً المقصود بالغياب ليس عدم وجود مفكرين كبار في عالمَينا العربي والإسلامي، ولكن المشكلة أنه عندما نعاين حاجات الشباب العربي المعرفية فسنجد أن هذه النخبة أدارت ظهرها لهم، فكان التركيز من جهة النخبة الحداثية، ومنهم المفكرون: عبد الله العروي، وهشام جعيط، ومحمد آركون... وغيرهم، على قضايا العصر، ومسألة الآخر، والحرية، والاختلاف، والدعوة إلى نقد التراث الديني وإعادة قراءته، إضافة إلى الحوار، وبحث ثنائية الدين والسياسة، وجدليات الدين والمجتمع والإسلام وأوروبا والغرب عموماً... ومثل هذه الإشكاليات، رغم أهميتها، لم تنجح عبرها هذه النخبة في التأثير على جمهور واسع من الشباب العربي، ناهيك بأن هذه النخبة، بحكم طابعها الفكري، قد ترفّعت عن شبكات التواصل الاجتماعي، ومنهم من يترفع عن الظهور في وسائل الإعلام، وإن أُجريت مقابلة تلفزيونية مع أحدهم، فإن الأمر يُعدّ حدثاً. كما أن هذه النخبة؛ التي يحظى بعض منها بشهرة واسعة بفضل الكتابة بالفرنسية فضلاً عن العربية، تتبنى النبرة النقدية العالية في قضايا التأويل التي تطبع أطروحاتهم، والتي ربما تقف وراء ضعف التلقي.

بيت القصيد: عملياً؛ لا أثر يُذكر فيُشكر بالنسبة إلى علماء الدين، والشباب العربي في معظمه يطرق باب الدعاة الجدد طلباً للمعلومة والحقيقة.