جمعني حوار ماتع في سيارة كنا نستقلها أنا والصديق الروائي المتألق سعود السنعوسي في طريق طويل قطعناه نحو إحدى الفعاليات. تقاطعت فيه رؤانا حول حقيقة أن «القصة» تقف خلف كل شيء في هذا الوجود. هو يرى أن الخليقة بدأت بقصة أكل آدم من التفاحة، والتفاحة نفسها أيقظت جذوة الحماسة في ذهن نيوتن ليكشف لنا قانون الجاذبية. والقرآن الكريم يفخر بأنه يسرد «أحسن القصص»، والأمثال والحكم أصلها قصة، والحلول تبدأ بقصة المشكلة. وصلنا إلى وجهتنا ولم نحصِ عدد القصص.
أرى أن للقصة شأناً عجيباً. فهي رغم كونها سرداً وجدانياً يخلو -في كثير من الأحيان- من الموضوعية والأرقام، قادرة على تغيير قناعات أو تشكيل ملامح قناعات جديدة. وتُعطي المترددين دفعة خفيفة. وكلما كانت القصة مؤلمة أو مبهجة أو مقنعة أو مؤثرة كان بمقدار ذلك قوة تأثيرها. هذا الانطباع أكده ما درسناه في جامعة «هارفارد»، على يد أحد كبار علماء فنون التأثير في الآخرين، البروفسور غاري أوون، من أن تأثير القصة أقوى بكثير مما يتخيل المرء. وتدعم ذلك دراسات رصينة اطلعت عليها وأدرجتها في كتابي الجديد عن القيادة، حيث سيرى النور قريباً.
والأعجب أن القصة قد تدفع المستمعين إلى التراجع عن قرارات محسومة. ومن القصص ما يوقد في النفس حب الفضول، ويكشف الضغينة، ومنها ما يتراكم ليكون قناعات مستقبلية. الخطورة أن صحتها ليس بالضرورة مهمة؛ لأن من السرديات ما ينطبق عليها قول وزير الدعاية النازي في حكومة هتلر: «اكذب، اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس». كان بول جوزيف غوبلز يعتبر الكذبة مثل كرة الثلج كلما كبرت سهل تصديقها.
الحكايات تتحكم في واقعنا من دون أن نشعر. هي تقف وراء كل شيء تقريباً. فحتى العلوم الإنسانية والإدارية تبدأ بـ«الملاحظة» وهي في الأساس قصة سلوكية نتابعها ثم نبدأ بوضع الافتراضات المنهجية ونقيسها بأدوات علمية كالاستبانات أو المقابلات.
القصة باختصار علم التأثير، وهي «أقصر مسافة بين شخصين» كما قيل، وروعتها أنها يمكن أن تسرد شفاهة أو كتابة. وأكثر القصص تأثيراً تلك التي تحترم عقل المتلقي وتداعب شيئاً من وجدانياته.
