د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.رئيس مجلس إدارة دار المعارف سابقاً.عضو اللجنة الاستشارية للمركز المصري للفكر والدراسات.
TT

الصين وسياسة «الفوز بالنقاط»

استمع إلى المقالة

حين تتَّجه بريطانيا إلى الصين طلباً لشراكتها، من الجائز القول: «بكين ولو طال الزمن»، فحتى اللحظة، وبالرغم من قناعة الأوروبيين أنَّ الصين هي منافس نظامي لا يؤمن بالديمقراطية الغربية، ويشكل تحدياً في قطاعات مهمة لأي بلد، كالاتصالات والذكاء الاصطناعي وصناعة السيارات وامتلاك المواد النادرة، فإنَّه في الأخير خصم أكثر عقلانية، مقارنة بحليف يغيِّر موقفه بين ليلة وأخرى، ويهدد بعقوبات تجارية ويطمع في أراضي الغير، ويؤمن بأن التحالف الأمني ليس أكثر من علاقة تجارية، قوامها الأمن مقابل المال والانصياع التام.

الصين تبدو لدى الأوروبيين الأكثر انزعاجاً من أميركا ترمب، هي البلد الذي يمكن الاعتماد عليه ولو جزئياً في مجالات التبادل التجاري المتوازن، القائم على حرية التجارة والاستثمار، كأحد أعمدة العولمة التي يصعب على أوروبا أن تلقيها خلف الحائط، كما يفعل الرئيس ترمب.

زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين والحفاوة التي اُستقبل بها، وما تمخَّض عنها من تفاهمات اقتصادية بالدرجة الأولى، لا تخلو من دلالات مهمة للبلدين، ولواشنطن أيضاً. فبريطانيا هي الحليف الأكثر قرباً لواشنطن، مقارنة بحلفاء أوروبيين آخرين، ومع ذلك ذهب ستارمر إلى بكين يطلب شراكتها، كاسراً جليداً سياسياً استمر لسنوات إرضاءً لواشنطن. خطوة الزيارة تعبر عن قناعات الرجل الموصوفة بالواقعية التقدمية، فمن جانب يريد استثمارات صينية وعلاقة تجارية متوازنة، تعوض بلاده عن خسائر الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومن جانب آخر يستهدف احتواء تأثيرات المد والجزر في علاقات بلاده مع واشنطن.

الأمر على هذا النحو لن يخلو من رد فعل أميركي تتوقعه لندن، ولكن العوائد المنتظرة من شراكة مع بكين تعد في اللحظة الجارية أكثر فائدة للاقتصاد البريطاني، ورسالة لواشنطن بأنَّ التردد وإهانة الحلفاء، ستدفع من كانوا حلفاء يقبلون بعض الاستعلاء الخفي الأميركي ونوعاً من التبعية السياسية المُغلفة بغطاء دبلوماسي رشيق، إلى نوع من التمرد، والبحث عن مخارج حتى ولو مع خصوم كبار لأميركا.

من المفيد هنا التذكير بخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في اجتماعات «دافوس» الأخيرة، والتي حلَّل فيه مظاهر التدهور في العلاقات الدولية التي كانت قائمة على ما يعرف بالقواعد، ولم تعد كذلك بفعل تقلبات الرئيس ترمب تجاه حلفائه وتجاه القانون الدولي برمته. إلى جانب التحليل الرصين، كانت دعوة كارني، أو لنقل مبدأ كارني، والداعي إلى قيام الدول المتوسطة إلى بناء شراكات مع كل القوى تحقق منافع مشتركة مع الحق في الاختلاف حول قضايا معينة. الدعوة عبارة عن بناء تحالفات مرنة تحقق قدراً من المزايا لكل الأطراف، مع احترام التباين في نظم الحكم والإدارة والسياسة الخارجية. وبقدر ما يمكن القول إن زيارة ستارمر إلى بكين بمثابة تطبيق عملي لمبدأ كارني.

الاتجاه الأوروبي نحو بكين، لا سيما من قبل قوى وازنة كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، من شأنه أن يثير علامات استفهام كبرى حول مستقبل الحلف الأطلسي، كما يثير كيف سترد أميركا على هؤلاء الذين بدأوا بالتمرد العلني على التبعية لواشنطن؟ بالرغم من أنه لا شيء محدداً يمكن تأكيده، في الآن نفسه لا شيء يمكن نفيه واستبعاده، وهنا تبدو المعضلة الكبرى التي تؤرق أوروبا، سواء دولها المتمردة أو تلك التي لا ترغب في إغضاب البيت الأبيض صراحة بأي قدر كان.

المرجح أن تمرد قوى أوروبية على سياسة الرئيس ترمب، يثير القلق حول مصير الحلف الأطلسي، بيد أن الرهان على سقوطه يظل رهاناً خاسراً، فتحديات سياسة الرئيس ترمب قد لا تستمر أكثر من ثلاثة أعوام. بكين تدرك ذلك جيداً، لكنها تنظر إلى تصدع العلاقات الأطلسية كشيء مفيد حتى لو كان مؤقتاً، وأهم ما فيه أن عامل الثقة الذي جمع في السابق بين واشنطن وكافة العواصم الأوروبية ودول غربية أخرى، آخذ في النقصان، في المقابل هناك من يرى فرصة في بناء علاقات ذات مصداقية وتوازن في المصالح مع بكين بالرغم من تباين نظم الحكم وتوجهاتها. هذا مكسب لبكين لا يمكن التخفيف من تأثيراته.

رهان بكين يقوم على ترسيخ صورة لدى الأوروبيين والعالم كله بأنها شريك يمكن الاعتماد عليه، يؤمن بالعولمة وحرية التجارة والشراكات المستقرة، وقادر على المساعدة من دون استعلاء أو توجيه الإهانات.

استراتيجياً، تبدو الصين في ظل المعطيات الراهنة، كلاعب يحرز نقاطاً مهمة في جولات تلو أخرى، ولكن ما زالت هناك جولات، ربما أكثر صعوبة، ولذا فالفوز الكامل ما زال بعيداً. مرحلة ما بين الجولات تضع الصين في مأزق يتعلق بتايوان. فمهما تطورت العلاقات إيجاباً مع قوى أوروبية كبرى، وفي المقابل مهما تطورت العلاقات سلباً بين تلك القوى الأوروبية والبيت الأبيض، فمن غير المحتمل أن تقبل القوى الأوروبية أي محاولة صينية لضم تايوان بالقوة، بل من الجائز القول إن نزوع الصين لتطوير تلك العلاقات مع أوروبا تحت مظلة الشريك الرشيد، سوف تمثل عائقاً أمام أي تصور صيني في المدى الزمني القريب لضم تايوان بالقوة. حال كهذه تفرض على بكين الكثير من الصبر.

تأجيل ضم تايوان قد يكون ثمناً ولو مرحلياً تدفعه بكين، مقابل ترسيخ مفهوم تعدد الأقطاب في قمة النظام الدولي، ومعه محاصرة مفهوم وسياسات القطب الأكبر والأوحد، التي يؤمن بها فريق أميركا أولاً وأخيراً.