لا يمكن الحديث عن إصلاح الإعلام العربي وتطويره بوصفه مشروعاً مهنياً، أو تحديثاً تقنياً، أو إعادة تنظيم للمؤسسات واللوائح، ما لم يُنظَر إلى جذره الأعمق، وهو الحالة المعلوماتية العربية التي تشكل المجال الحيوي الذي يتنفس منه الإعلام، ويستمد شرعيته ودوره ومعناه.
فالإعلام ليس مجرد محتوى أو أدوات بث ومنصات خطاب؛ بل هو في جوهره ممارسة معرفية تقوم على تدفق المعلومات وإتاحتها وتداولها في المجال العام. وحين تضعف هذه الحلقة أو تنقطع، يتحول الإعلام إلى صدى باهت أو واجهة شكلية أو حقل للانطباعات، بدل أن يكون أداة للمعرفة والمساءلة وصناعة الرأي العام الرشيد.
ومن هنا، فإن أزمة الإعلام العربي ليست أزمة خطاب فحسب؛ بل أزمة معلومات قبل كل شيء، أزمة شح وتعتيم وحجب وندرة في البيانات الموثوقة وفي الوثائق المتاحة وفي الإحصاءات الدقيقة، وفي المعرفة التي ينبغي أن تكون ملكية عامة لا امتيازاً سياسياً.
إن العالم العربي يعاني في كثير من دوله بيئةً معلوماتيةً مُضطربةً؛ حيث تصبح المعلومة سلعة نادرة أو محجوبة أو محاطة بطبقات من السرية غير المنضبطة. وحيث يتسع نطاق المحظور إلى حد يبتلع الممكن، وتتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويتراجع الحق العام في المعرفة لصالح ثقافة سياسية وإدارية ترى في المعلومات ملكاً للسلطة لا حقاً للمجتمع. وفي مثل هذه البيئة لا يمكن أن تزدهر صحافة استقصائية، ولا أن يتشكل نقاش عام عقلاني، ولا أن تتأسس مساءلة حقيقية؛ لأن المساءلة تبدأ من المعرفة، والمحاسبة تبدأ من الاطلاع، والمشاركة تبدأ من امتلاك المواطنين للأدوات التي تمكِّنهم من فهم ما يجري داخل مؤسساتهم العامة.
إن غياب المعلومات الجيدة لا يحرم المجتمع من التفاصيل فحسب؛ بل يحرمه أيضاً من شرعية الرقابة الشعبية، ويحرم المجال العام من تعدد مراكز التأثير، ويقيِّد إمكان تشكل النفوذ المجتمعي المستقل؛ لأن النفوذ في المجتمعات الحديثة لا يقوم فقط على القوة؛ بل على المعرفة، وعلى القدرة على مساءلة القرار وتفسيره ومراجعته. وحين تغيب المعلومات أو تشح، يتحول المجال العام إلى مساحة للشائعات بدل الحقائق، وللتأويل بدل الوقائع، وللانطباعات بدل الأدلة. ويصبح الإعلام عاجزاً عن أداء دوره الرقابي والتنويري؛ لأن الصحافة التي لا تصل إلى الوثائق، ولا تحصل على البيانات، ولا تستطيع مساءلة المؤسسات على أساس معرفي، تتحول إلى خطاب معلَّق في الهواء، مهما بلغت مهاراتها البلاغية أو تقنياتها الحديثة.
ولهذا تبدو مسألة قوانين تداول المعلومات، أو حرية الوصول إلى الوثائق العامة، أحد المفاتيح الكبرى التي غابت أو تعطلت في كثير من الدول العربية. فعدد غير قليل من هذه الدول لا يمتلك أصلاً تشريعاً نافذاً يضمن الحق في الحصول على المعلومات، وبعضها يمتلك قوانين شكلية أو ناقصة أو غير مُفعَّلة؛ حيث تبقى النصوص حبيسة الورق، وتظل الإدارة قادرة على الحجب دون اختبار ودون تسبيب ودون رقابة مستقلة. بينما تُظهر بعض التجارب الغربية أن وجود القانون وحده ليس كافياً؛ بل يجب أن يكون قانونا فعَّالاً يفرض الإتاحة كأصل، ويقيِّد المنع كاستثناء، ويُلزم الإدارة بتسويغ قراراتها، ويمنح المجتمع أدوات للطعن والمراجعة.
إن الحالة المعلوماتية الفعالة لا تقوم على القانون وحده؛ بل تحتاج إلى بنية معلوماتية متماسكة، وإلى نُظُم مرنة لجمع البيانات وحفظها وإتاحتها، وإلى مؤسسات تعرف أن الوثائق العامة ليست أسراراً مُفترَضة؛ بل موارد اجتماعية مشتركة. وتحتاج إلى ثقافة سياسية ترى في الشفافية حماية للدولة؛ لا تهديداً لها. فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين يصبح تدفق المعلومات جزءاً من النظام العام، وحين تُنشر البيانات المالية والعقود الكبرى وتقارير الأداء والمؤشرات الحيوية، بوصفها حقائق عامة لا ملفات مغلقة.
قد تمتلك الدولة الوطنية مخاوف مشروعة، تتعلق بالأمن القومي أو الخصوصية أو حماية بعض المصالح العامة، وهذه المخاوف ليست محل إنكار؛ لأن كل الأنظمة الحديثة تعترف باستثناءات محدودة. ولكن الفارق الجوهري هو أن التجارب الغربية لم تترك هذه المفاهيم فضفاضة بلا ضوابط؛ بل قيدتها بشروط قانونية واضحة، إضافة إلى وجود هيئات مستقلة أو رقابة قضائية تمنع تحول الأمن القومي إلى ذريعة مطلقة، وتحوِّل الخصوصية إلى ستار لحجب ما يتعلق بالمال العام أو إساءة استخدام السلطة.
إن الحلول الفعالة لهذه المخاوف لا تكون بتوسيع السرية؛ بل بتقنينها، ولا تكون بالمنع الشامل؛ بل بالإفصاح الجزئي. ولا تكون بإطلاق يد الإدارة؛ بل بإخضاعها للتسبيب والمراجعة. فالأمن القومي الحقيقي لا تحميه العتمة؛ بل تحميه الثقة العامة والحوكمة الرشيدة. والمجتمع الذي يعرف أكثر يكون أقدر على مقاومة الخطر من المجتمع الذي يُترك في الفراغ والصمت.
