توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

نقاشات الذكاء الاصطناعي في مرحلة جديدة

استمع إلى المقالة

توجهات الذكاء الاصطناعي وتحدياته كانت محوراً بارزاً في نقاشات «المنتدى الاقتصادي العالمي»، خلافاً للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده، وفحواه أن سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ إنشاء المنتدى الذي ينعقد سنوياً في مدينة دافوس السويسرية، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماماً غير قليل، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول، فضلاً عن رؤساء الشركات الكبرى، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية، من فم صناعها، وليس نقلاً عنهم.

يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا، فإن بروز الذكاء الاصطناعي على أجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم، لا سيما بين رجال الأعمال والأكاديميين والمفكرين، تتعامل معه كتحدٍ جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الاصطناعي مسارات متنوعة، فبعضها يركز على معنى أن تكون الآلة ذكية، وإمكانية أن تتجاوز ذكاء البشر، أو حتى أن تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها، إلى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول أو تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالكثير من الأعمال التي ما زالت تعتمد على الجهد البشري، الفكري والبدني. إضافة بالطبع إلى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن أن ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول، واحتمال أن تستثمرها في إخضاع المجتمعات الأخرى.

أسهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع أن يشهدها العالم، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية، من التجارة إلى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي، تتجه النقاشات الأحدث إلى مسائل أكثر عمقاً، لا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم، واتجاهات الثقافة.

تسهِم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل، بل إلغائها في حالات كثيرة؛ ما يتيح وقتاً أوسع لعمل الإنسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة، أي الآلة، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته، وبالتالي فهي تسهِم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس.

لتوضيح هذه المسألة، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل أثر على اتجاهات العمل وقيمته، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع أرباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس، فقد زاد التعاملات التجارية، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج، لكنه – في الوقت نفسه - غيّر إلى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم، بل أثر أيضاً على مواضيع العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الإنسان على التحكم في حياته، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي أن يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني، كما لا ينبغي أن نقتصر على إظهار القلق أو تخويف بعضنا بعضاً. نحن في حاجة إلى تكرار التأكيد على المبادئ الجوهرية التي تدور حولها حياة الإنسان، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك أن أبرز تلك المبادئ وأعلاها أهمية هي بقاء الإنسان مسيطراً على مصيره، ساعياً إلى تعزيز كرامته، محافظاً على استقلال إرادته.

التأكيد على هذه المبادئ ضروري جداً في عالم تديره الآلات، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن في حاجة إلى التساؤل دائماً عما إذا كنا نسعى للتطور المادي؛ لأنه هدف بذاته، أو من أجل زيادة المال، أم لأنه يخدم هدفاً أعلى، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني، أي تعزيز كرامة الإنسان وبقائه في مركز الوجود.