عبد الله بن ناصر القحطاني
الرئيس التنفيذي لهيئة الأفلام السعودية
TT

حين تلتقي الرؤية بالفرصة: السينما السعودية في زمن التحولات العالمية

استمع إلى المقالة

لا يمكن التعامل مع السينما بوصفها منتجاً ثقافياً منفصلاً، بل باعتبارها منظومة متشابكة تجمع بين الإبداع والتنظيم والاقتصاد. شكَّلت هذه الرؤية نقطة التحول الأساسية في مسار القطاع السينمائي السعودي، ونقلت صناعة السينما من مرحلة التجارب الفردية المحدودة إلى إطار مؤسَّسي واضح المعالم.

تمثَّلت أولى خطوات هذا التحول في بناء بيئة تنظيمية حديثة أعادت تعريف العلاقة بين صانع الفيلم والمؤسسات الرسمية. فبدلاً من التعقيد الإداري، بُسِّطت الإجراءات ونُظِّمت التصاريح، وخُلق مسار واضح للإنتاج المحلي والدولي، ما عزّز ثقة صنّاع الأفلام في إمكانية العمل داخل المملكة، وأسَّس لبيئة إنتاج داعمة تحتضن المشاريع المحلية وتفتح آفاق التعاون الإقليمي والعالمي.

بالتوازي مع ذلك، طُوِّرت البنية التحتية للصناعة بمعناها الشامل، وليس فقط من حيث المواقع أو الاستوديوهات، بل عبر بناء سلسلة القيمة الكاملة للإنتاج السينمائي. شمل ذلك تحفيز الشركات المحلية ودعم نمو قطاع الخدمات المرتبطة بالتصوير، بما أسهم في خلق سوق سينمائية حقيقية تعتمد على منظومة إنتاج متكاملة بدل الاعتماد على الجهود الفردية.

وفي قلب هذا المشروع، جاء الاستثمار في الإنسان بوصفه حجر الأساس لأي صناعة مستدامة، من خلال تأهيل الكفاءات الوطنية وتمكين جيل جديد من المخرجين والكتّاب والفنيين القادرين على تقديم سرديات محلية بلغة سينمائية معاصرة. وقد بدأت نتائج هذا التوجه بالظهور من خلال تنوع التجارب السينمائية السعودية وتنامي حضورها في المهرجانات والمنصات الدولية، مؤشراً على نضج تدريجي للصناعة.

بهذا المعنى، يمكن القول إن الإنجاز الذي تحقَّق يكمن في إعادة تعريف السينما بوصفها قطاعاً اقتصادياً وثقافياً قابلاً للنمو، ومتصالحاً مع هويته المحلية، ومنفتحاً على العالم في آنٍ واحد.

تمر صناعة السينما العالمية اليوم بمرحلة إعادة تشكل عميقة، فالنماذج التقليدية للإنتاج والتمويل باتت أقل قدرة على المجازفة في ظل ارتفاع التكاليف وتراجع الإيرادات في بعض الأسواق، وتغيّر سلوك الجمهور الذي لم يعد يستهلك المحتوى بالطريقة نفسها. كما فرضت المنصات الرقمية واقعاً جديداً أعاد رسم العلاقة بين الفيلم والجمهور ودور العرض، وأثار تساؤلات جادة حول مستقبل التجربة السينمائية نفسها.

إلى جانب ذلك، تُعاني السوق العالمية من تشبّع المحتوى، حيث بات التحدي لا يكمن في إنتاج الأفلام بقدر ما يتمثّل في القدرة على التميز وسط زخم متزايد من الأعمال المتشابهة. هذا التشبّع دفع بالعديد من الصناعات السينمائية التقليدية إلى الاعتماد على الصيغ الآمنة وإعادة تدوير القصص، ما حدّ من مساحة الابتكار وأضعف التنوع الثقافي في المحتوى المعروض.

غير أن هذه التحديات نفسها تفتح المجال أمام أسواق جديدة تمتلك القدرة على تقديم نماذج مختلفة. وفي هذا السياق، تبرز السعودية بوصفها حالة تمتلك عناصر قوة نادرة: سوق محلية واسعة، وجمهور شغوف وحديث العهد بالسينما، وبيئة إنتاج لا تزال في طور البناء، ما يمنحها مرونة أكبر في تبنّي نماذج جديدة من دون إرث ثقيل من القوالب التقليدية.

كما أن تنوّع الجغرافيا السعودية وثراء القصص المحلية غير المستهلكة يتيحان تقديم محتوى قادر على مخاطبة الجمهور العالمي من بوابة الخصوصية، لا من خلال التقليد. ففي زمن بات فيه الجمهور يبحث عن التجربة الأصيلة، يمكن للسينما السعودية أن تقدّم سرديات مختلفة تنطلق من الواقع المحلي لكنها تمس قضايا إنسانية مشتركة.

إضافة إلى ذلك، تمنح التحولات العالمية في الإنتاج فرصة للمملكة لتكون مركزاً إقليمياً لصناعة الأفلام، لا فقط كموقع تصوير، بل كحاضنة للإنتاج المشترك، مستفيدة من موقعها الجغرافي ودعمها المؤسسي وتكلفة الإنتاج التنافسية مقارنة بالأسواق التقليدية.

الأهم من كل ذلك أن السعودية تدخل هذا المشهد العالمي في لحظة انتقال، ما يمنحها فرصة نادرة لبناء نموذج متوازن منذ البداية، لا يفصل بين الفن والاقتصاد، ولا يضع السينما في مواجهة السوق، بل يسعى إلى مواءمتهما ضمن رؤية طويلة المدى.

في ظل التحولات المتسارعة التي تُعيد تشكيل صناعة السينما عالمياً، تبدو التجربة السعودية في بناء قطاع سينمائي وطني أقرب إلى مشروع استراتيجي طويل المدى منها إلى موجة ثقافية عابرة. فالتحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الاستمرار دون فقدان البوصلة الإبداعية أو الارتهان لمنطق السوق وحده.

لقد أثبتت هيئة الأفلام أن بناء الصناعة يبدأ من البيئة قبل المنتج، ومن الإنسان قبل الكاميرا، ومن الرؤية قبل النتائج السريعة. غير أن المرحلة المقبلة تفرض أسئلة أكثر عمقاً: كيف يمكن توسيع دائرة الإنتاج من دون التضحية بجودة المحتوى؟ والأهم، كيف تُبنى هوية سينمائية سعودية قادرة على مخاطبة العالم دون أن تفقد خصوصيتها المحلية؟

في عالم يتَّجه نحو توحيد الذائقة البصرية بفعل المنصات العالمية، تبرز الحاجة إلى سينما تنطلق من الواقع المحلي لا لتنعزل عنه، بل لتقدِّمه بصدق ووعي. وهنا تحديداً تكمن الفرصة السعودية: في تقديم سرديات جديدة، لا تُشبه ما يُنتج في المراكز التقليدية، ولا تحاول منافسته على أدواته، بل تضيف إليه من زاوية مختلفة.

إن نجاح السينما السعودية في المرحلة المقبلة لن يُقاس بعدد الأفلام المنتجة سنوياً، ولا بحجم الميزانيات، بل بقدرتها على خلق أعمال تعيش خارج زمنها، وتفتح حواراً إنسانياً عابراً للحدود. فالصناعة التي تُبنى على الاستدامة والتنوع، هي وحدها القادرة على الصمود في مشهد عالمي سريع التقلب.

وفي لحظة تعيد فيها السينما العالمية التفكير في مستقبلها، تمتلك المملكة فرصة نادرة للمشاركة في صياغة هذا المستقبل من موقع الشريك. إنها فرصة لا تتكرر كثيراً، ويكمن نجاحها في الوعي بأن بناء السينما هو، في جوهره، بناء قصة وطن تُروى للعالم بلغة الفن.

* الرئيس التنفيذي لهيئة الأفلام السعودية