لا يكفي المنطق ولا العقلانية ولا العاطفة في «لعبة» اتخاذ القرارات. على سبيل المثال، حينما يجد أحد نفسه أمام طريق ضيق لا يتسع سوى لسيارة واحدة، ويواجهه في الناحية المقابلة قائد مركبة آخر، ويفترض كلاهما أن الآخر سيتراجع، هنا تحدث المعضلة، فإذا أصر الاثنان وقع التصادم، وخسر الطرفان. وإن تراجع أحدهما وحده خسر وقته، وربما شيئاً من كبريائه وكرامته. أما النتيجة المثلى للطرفين فلا تتحقق إلا إذا عرف كل سائق كيف سيتصرف الآخر.
هذه ليست قصة مرورية عابرة؛ بل هي مثال مبسَّط لملايين القرارات التي نواجهها يومياً، في ميادين العمل والحياة والسياسة والألعاب الإلكترونية والتفاوض.
باختصار: لا تُبنى قراراتنا على ما يحلو لنا فقط مهما أوتينا من عبقرية؛ بل على ما نتوقع أن يفعله الآخرون رداً على فعلنا. من هنا جاءت «نظرية الألعاب» التي اشتهرت بسبب جون ناش وزملائه الذين نالوا على أثرها جائزة نوبل. النظرية تسمى مجازاً «لعبة» لكنها تتحدث عن «الاختيار» في ظل تعارض المصالح أو المنافع. هي محاولة لدراسة كيف يتصرف الأفراد والمؤسسات حينما تكون قراراتهم مرتبطة بأطراف أخرى.
تفترض النظرية أن كل طرف يسعى لتعظيم منفعته، ويتصرف بعقلانية، ويبني قراره على توقعاته لسلوك الأطراف المعنية، وليس على قراره بمعزل عمن حوله. بعبارة أخرى: تطرح النظرية سؤالاً جوهرياً حول ليس ما هو القرار الأفضل، ولكن: ما هو القرار الأنسب، إذا كان الطرف الآخر سيتخذ قراراً محدداً؟
ولهذا، فإن الاستناد إلى حسن الظن، والبديهة، والعقلانية والمنطق لا يكفي. فليست الشركات كلها تتعامل مع منافسيها بهذه الطريقة، وكذلك الحال بين الأفراد عندما يتواجهون أو يتفاوضون على صفقات معينة. وكثيراً ما قاد سلوك عقلاني إلى نتيجة سيئة جداً للجميع. ومن المفارقات أنه قد يصل كلا الطرفين إلى قرارات سيئة لهما؛ خصوصاً إذا فكر كل منهما بمعزل عن توقعاته تجاه الآخرين.
«نظرية الألعاب» لا تبحث عن القرار الأفضل بمفرده؛ بل تأخذ في الاعتبار قرارات الآخرين. هي علم قراءة العواقب قبل وقوعها. ويكون ذلك من خلال كل ما يمكن أن يعيننا على توقع السلوك، وحساب ردود الفعل، وموازنة المكاسب، واستباق النتائج. هي ليست محاولة لمعرفة «الغيب»، ولكنها مساعٍ لتقليص مساحة المجهول، وذلك من خلال فهم مصالح الطرف الآخر، وحدود خياراته، وأنماط تصرفاته السابقة.
