إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

قضية بويارسكي

استمع إلى المقالة

في نهايةِ الفيلم تمنَّيتُ أن أقفَ وأصفّقَ للممثلِ رضا كاتب، مثلَما يفعلونَ في المهرجانات، لكنَّ هذا لا يحدثُ في صالاتِ السينما الصغيرةِ المُعتمة. هنَا يعبّر المشاهدون عن إعجابهم بالبقاءِ في مقاعدهم حتى تنتهيَ العناوينُ الختاميةُ، وتتوقَّفَ الموسيقى ويُضاءَ النُّور. كأنَّهم يرفضونَ مفارقةَ المغامرةِ والعودة إلى رتابةِ المدينة. الحديثُ هو عنِ الفيلمِ الجديد «قضية بويارسكي» للمخرج جان بول سالومي. ورضا كاتب، ممثلٌ جزائريُّ الأصلِ وابنُ شقيقِ الرّوائي المعروف كاتب ياسين، صاحبِ «نجمة».

يستندُ السيناريو إلى قصةٍ حقيقية شغلت فرنسا منتصفَ القرن الماضي. بطلُها جان بويارسكي. مهندسٌ بولونيٌّ هربَ من الأسر في الحرب العالمية الثانية، ولجأ إلى فرنسا. كانَ مخترعاً موهوباً ورساماً بارعاً. تعاونَ مع المقاومة، وتولَّى تزويرَ جوازاتِ سفرٍ لأفرادها، لكنَّه، بعد انتهاءِ الحرب، وجدَ نفسَه نكرة. يخترع ماكينةَ قهوةٍ كهربائية، ويعجز عن تسجيلِ براءاتِ اختراعاتِه؛ لأنَّه غيرُ مسجّلٍ في القيدِ المدني.

اشتغلَ في مهنٍ صغيرة، سباكاً وعاملَ مطبعةٍ، ولفتت موهبتُه نظرَ عصابة من مزوّري أوراق النقد، ثم انفصل وصارَ يعمل بمفرده. ولعشرين عاماً عاش حياةً مزدوجة. زوجٌ مُحبٌّ وأبٌ طيّبٌ في النَّهار، وفي الليل ينسحبُ إلى ورشة خفيَّةٍ في حديقةِ داره ليرسمَ ويطبعَ عملاتٍ من فئة الألف فرنك. تضطرُّ السلطاتُ كلَّ سنتين لإلغاء الأوراقِ النقدية التي جرى تزويرُها وإصدار أوراق جديدة.

في عام 1960 طرح البنك المركزي الفرنسي ورقة جديدة تحمل صورة نابليون، مطبوعة على ورق عصيّ على التزوير. وفي الليلة نفسها باشر بويارسكي تقليدها مستخدماً ورق لف السجائر بعد تذويبه في خلاط من اختراعه وتحويله إلى عجينة. وضع الورقة المزورة في مغلف وأرسلها إلى عنوان ضابط الشرطة المكلف بملاحقته. أطلقت عليه الصحافة لقب «سيزان المُزَوّرين».

رضا كاتب، الممثل ذو الملامح الوعرة، نجح في تقمص شخصية العالم الفذ الساعي لإثبات وجوده. أنكرت عليه فرنسا موهبته كمخترع فقرر أن يدخل التاريخ بطريقته الخاصة. وقد استغرب عدد من النقاد أن يسند المخرج دور بويارسكي إلى ممثل جزائري الأصل وليس بولونياً. وأجاب: «تعشينا سوية ذات يوم وخلال المحادثة أدركت أنني عثرت على بَطَلي».

فيلم مصنوع لمحبي نمط معين من أفلام المافيا الإيطالية. أجواء قاتمة وقبعات أميركية وبدلات أنيقة ورصاص يستقر في الرؤوس. ويعترف المخرج بأنه من عشاق النجمين روبرت دي نيرو وآل باتشينو. لقد شاهد فيلمهما «حرارة» Heat عشرات المرات، وأراد تقديم التحية لهما؛ لذلك سمح لنفسه بالخروج عن النص التاريخي للقضية وأضاف مشاهد كأنها تنويع في عزف اللحن ذاته. أما رضا كاتب فقد وُلد في حضن المسرح. والده ممثل أيضاً وأحد مؤسسي المسرح الوطني في الجزائر.

من فرط ثقته بنفسه، يسعى بطل الفيلم إلى تقليد ورقة نقدية أبهى من الأصلية. ويستعين ضابط الشرطة بسجينٍ من أصحاب السوابقِ له خبرة في التزوير. هناك اختلافٌ طفيفٌ بين الورقتين لا يُرى بالعين المجرَّدة. ويكون ردّ الخبير: «هذا الاختلاف متعمّد وليس غلطة. إنَّه توقيع بويارسكي».