لم يعد بإمكان أي دولة أن تغمض عيونها، أو تغلق آذانها عما يقع من أحداث في جوارها؛ فسياسة الستار الحديدي، التي اتبعها ستالين في عزل الاتحاد السوفياتي ودوله الحليفة عن العالم في ثلاثينات القرن الماضي، انتهت منذ زمن بعيد، ومحاولات الفصل التي جرت بعده بإقامة جدران فاصلة مع الآخرين، ومنها جدار الفصل الإسرائيلي مع الفلسطينيين، فشلت في تحقيق العزلة والانعزال. وهذا بعض ما يجرنا للوقوف عند حساسية دول الجوار السوري إزاء ما حصل ويحصل في شمال سوريا وشمالها الشرقي، في ضوء الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والتي تسعى أطراف مختلفة إلى وقفها والتوصل إلى حلول سلمية في الخلافات القائمة. ويمتد خط دول الجوار السوري ليشمل بلداناً محيطة وهي تركيا والعراق، بما فيه إقليم كردستان، والأردن وإسرائيل ولبنان، ويشمل الخط نسقاً ثانياً فيه بلدان أبعد بينها إيران وبلدان الخليج العربية ومصر. وتختلف حساسيات تلك الدول حول مجريات الصراع الراهن، والتي تقف في سياقها تركيا والأردن وبلدان الخليج العربية موقف الأقرب إلى ما تتبناه حكومة دمشق بضرورة انتهاء حالات الانقسام السوري، واستعادة سلطة الدولة، وانتشار قواتها على كامل أراضي الدولة، في حين يبدو الموقفان الإيراني والإسرائيلي في الطرف الآخر الذي يتخفى في عداء حكومة دمشق خلف واجهة حماية الأقليات ومشاركتها، ودعم إقامة كيانات تشتت سوريا، يمكن أن تساعد في تقسيمها لاحقاً. لكنه في كل الحالات، فإن التعبير عن حساسية الأطراف، لا يتجاوز الإعلانات السياسية، ما عدا الحالتين التركية والإسرائيلية؛ إذ يمكن لكل واحدة منهما الدخول على خط الصراعات السورية وأطرافها، لكن وسط ظروف محددة، ومن موقعين مختلفين. ولا يحتاج إلى تأكيد أن حساسيات الدول في الصراع السوري لا تتأثر فقط بالمصالح المباشرة وغير المباشرة لدول الجوار والأبعد منها، وبعضها لا يتأخر عن إعلان أطماعه، ويمارس سلوكيات معلنة على نحو تمدد إسرائيل في جنوب سوريا في الشهور الماضية، كما تتأثر دول الجوار بمواقف طرفَي الصراع، فتكون قريبة من هذا الطرف أو أبعد عنه. لكن أغلبية البلدان تظهر قربها من مواقف وسياسات الحكومة السورية، بعد أن اكتوت لسنوات طويلة من سياسات نظام الأسد في إشاعته القتل والدمار، وتحويل سوريا إلى ساحة إرهاب يتكرس فيها بقوة إرهاب الدولة وجماعات التطرف في وقت واحد، وإغراق سوريا في إنتاج وتجارة المخدرات الدولية. وتمتد مساندة أكثر الدول الإقليمية لحكومة دمشق نتيجة حصولها على تأييد واسع في المستويين الإقليمي والدولي، مترافق مع دعم غير مسبوق لإعادة ترتيب أوضاعها السياسية والاقتصادية والأمنية، وهي في مقدمة ضرورات إعادة بناء سوريا، وتطبيع حياة سكانها، واستعادة علاقاتها ودورها في الخريطة الإقليمية والدولية كقوة سلام من جهة، وقوة مشاركة في محاربة الإرهاب والتطرف. وقد بذلت الحكومة جهوداً كبيرة مما ساعد في استعادة علاقاتها الخارجية، ورفع العقوبات الدولية عنها، لكن مع تركة ثقيلة من تحديات داخلية عميقة صار بعضها على طريق الحل، ومنها تحدي استعادة وحدة الكيان، وفرض سيطرة الدولة على كامل أراضيها. وتمثل «الإدارة الذاتية» وجناحها العسكري قوات «قسد» الطرف الثاني في الصراع، وقد استطاعت في سنوات العقد الماضي بناء قوة عسكرية منظمة، صارت نواة «قسد»، واستخدمتها في فرض وجودها وحماية نفسها في شمال شرقي سوريا، وفي الانضمام إلى التحالف الدولي للحرب على «داعش»، وإلحاق هزيمة كبيرة به في معارك الباغوز 2019، واستطاعت «الإدارة الذاتية» نتيجة عوامل متعددة فرض سيطرتها على الطيف الكردي رغم الاختلافات القائمة والمستمرة منذ نحو عقدين بين التكوينات الكردية، وأبرزها المجلس الوطني الكردي، وتجمعات المستقلين من الناشطين السياسيين والمدنيين، وبذلت جهوداً مماثلة في تعزيز العلاقات مع التنوع السكاني من العرب والآشوريين السريان وغيرهم في مناطق سيطرتها، لكن النتائج كانت محدودة، والسبب الرئيس في ذلك تباعدات آيديولوجية وسياسية.
إن حساسيات دول الجوار إزاء ما يحصل في سوريا تنعكس بصورة مختلفة على طرفَي الصراع، فتجعل حكومة دمشق أكثر توازناً في سياساتها وسلوكها حيال كثير من الملفات، ومنها الملف الكردي الذي تضمن سياق التعامل معه إصدار المرسوم الرئاسي 13، وفيه خطوات تدعم مطالب الكرد باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، ووصف ما يجري من صراع بأنه صراع عسكري بين الحكومة و«قسد» باعتبارها جماعة مسلحة، وليس صراعاً مع الكرد، وكله يترافق مع ضجيج إعلامي وتعبوي واسع في مستوى شعبي. وبخلاف ما ظهر في سياسة الحكومة في تعاملها مع بعض الملفات، فإن تشوشاً وارتباكاً ميزا سياسات وسلوكيات «الإدارة الذاتية» وقوات «قسد»، وهو أمر طبيعي، بسبب الاختلافات المتعددة الأوجه والمستويات بين الطرفين، لكن الوضع من جانب آخر يعكس فشلاً في إدارة ملفات مهمة، منها العلاقة مع التنوعات السكانية والسياسية في المنطقة، والعلاقة المرتبكة مع المجلس الوطني الكردي. وقد سجلت الفترة الأخيرة تغييرات في علاقة شمال شرقي الفرات مع حليفه الأميركي، الذي بدا أقرب إلى مواقف حكومة دمشق ويعول عليها، وسط مؤشرات غير إيجابية في العلاقات مع إقليم كردستان العراق، الذي دعا زعيمه مسعود بارزاني إلى مغادرة عناصر حزب «العمال» (PKK) سوريا، وترك الكرد السوريين يعالجون شؤونهم وفق إرادتهم.
