د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

ترمب وسد إثيوبيا... وساطة من أجل صفقة

استمع إلى المقالة

عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب في رسالة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي القيام بوساطة للوصول إلى اتفاق بشأن تدفقات مياه نهر النيل عبر سد إثيوبيا الكبير، باعتبار ألا ينبغي لأي دولة التحكم في النيل بشكل يضر بجيرانها، مع إمكانية أن يحدث تبادل منافع بين إثيوبيا ودولتي المصب عبر بيع الكهرباء الناتجة من السد مقابل أن تضمن دولتا المصب كميات من المياه محددة سلفاً في سنوات الجفاف. ومن قبيل الضمانات الجادة، ستقوم أميركا بدور رقابي والتنسيق في ضمان تنفيذ الاتفاق.

جاء العرض مُغلفاً بأمرين؛ أولهما حرص الرئيس ترمب على منع الحروب، في إشارة إلى احتمال أن تتورط مصر وإثيوبيا في صراع عسكري، والآخر تأكيد أن حل مشكلة السد الأثيوبي هو من أولويات ترمب شخصياً.

عرض الوساطة الأميركي الراهن بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، ليس جديداً كمبدأ، فقد كانت هناك محاولة أولى نهاية 2020، وقبل فترة وجيزة من تسليم ترمب السلطة لخلفه جو بايدن، حيث قدم ترمب تصوراً لحل أزمة السد، ودعا ممثلي الدول الثلاث للتوقيع عليها في واشنطن، حيث حضر ممثلا مصر والسودان، وغاب عمداً ممثل إثيوبيا. وقد بدا آنذاك أن عرض الوساطة هو من قبيل العلاقات العامة وليس جهداً يقبل المتابعة، وتقديم الضمانات، والإسهام في طرح حلول عملية. وهي أمور تبدو متوافرة نظرياً في عرض الوساطة الأخير، فما زال هناك مدى زمني لإدارة الرئيس ترمب يمتد ثلاث سنوات، يمكن خلاله القيام بجهد حقيقي حال ثبتت إرادة الرئيس ترمب، مع تقديم ضمانات للأطراف الثلاثة، مقرونة بمحفزات قابلة للتطبيق منها الاقتصادي ومنها المالي، لا سيما للجانب الإثيوبي، بل والقيام بدور رقابي أميركي فني وتقني، من قبيل مراقبة كميات المياه العابرة للسد في اتجاه دولتي المصب، في حال تم الاتفاق على كميات محددة سواء في الفترات العادية، أو في فترات الجفاف التي تمتد عادة إلى سبع سنين.

إرادة الرئيس ترمب تُعدّ عنصراً حاكماً في حال التقدم نحو جمع الدول الثلاث وصولاً إلى توقيع اتفاق ملزم يتعلق بتشغيل السد من دون أن يسبب ضرراً لدولتي المصب، وفي الآن نفسه يحقق عوائد اقتصادية مهمة للجانب الإثيوبي يتمثل في بيع الكهرباء، وهنا نلاحظ أن مبدأ البيع هو لناتج تشغيل السد، وليس للمياه، أي الكهرباء في حالة إنتاج كمية أكثر مما تستهلكه إثيوبيا ذاتها، وصار لديها فائض يمكن تسويقه شرط توافر الإمكانات الفنية لذلك، وهذا البُعد تحديداً محل شك كبير، ويتطلب استثمارات كبيرة تبدو متعثرة في الوقت الراهن، ولكن يمكن توقعها في حال استقرت أمور السد وتشغيله مقرونة برضاء دولتي المصب بعد التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، أما قبل ذلك فسيظل الأمر عسيراً. ومن ثم، فإن طرح الفكرة يُعد من قبيل تحفيز أديس أبابا لكي تقبل توقيع اتفاق قانوني ملزم يخص تشغيل السد بضمانات ورقابة أميركية، تحقق عدم الإضرار بدولتي المصب.

في عمق عرض الوساطة الأميركي يتبلور بُعدان مُهمان، أولهما أن العقبة تتعلق بتشغيل السد كأمر فني وتقني، ومن ثم يسهل الوصول إلى اتفاق تراقبه الولايات المتحدة، ولها في ذلك خبرات وإمكانات مشهودة. وهنا نلاحظ نوعاً من التبسيط، فموقف مصر والسودان يتعلق أساساً بالحقوق المائية التي لا تنازل عنها، وتنظيم تشغيل السد وتبادل المعلومات الشفافة بشأن تدفقات المياه في كل الأوقات يمثل مطلباً مصرياً وسودانياً يضمن هذه الحقوق، ويؤكد أن النيل هو نهر دولي تحكمه مبادئ القانون الدولي الخاصة بالأنهار العابرة للحدود، وليس نهراً محلياً لدولة تتحكم فيه وفق أهوائها، من دون أدنى مراعاة لحقوقهما المائية التاريخية المثبتة في اتفاقات دولية. وبالتالي، فالمطلوب ليس تقاسم المياه كما ورد في رسالة الرئيس ترمب، بل بحفظ الحقوق.

والآخر، أن إشارة الرئيس ترمب إلى صفقة تبادل تتنازل فيها إثيوبيا عن سياسة التحكم في النهر، وتضمن منافع لكل الأطراف وفقاً لرؤيته، أو أن يكون البديل هو صراع عسكري، تعدّ إشارة ذات مغزى تتعلق بالتغيرات الجارية في القرن الأفريقي، وتحديداً بالتحركات المصرية الأخيرة تجاه دول جنوب البحر الأحمر، لا سيما الصومال وإريتريا وجيبوتي، والتي توصف بكونها عملية تطويق هادئة للطموحات الإثيوبية الإقليمية الساعية إلى ترسيخ تقسيم الصومال والحصول على منفذ بحري في إقليم الصومال المنشق، مع استمرار التعنت ورفض توقيع أي وثيقة قانونية تضمن حقوق مصر والسودان المائية. ويلاحظ هنا أن التحركات المصرية لحماية وحوكمة البحر الأحمر، ذات صلة بمبدأ الجمع بين النهر والبحر، أي التأثير في كليهما معاً من دون ضجيج، وهي تحركات ليست منفردة؛ إذ تتم بتنسيق على أعلى مستوى مع الدول الرئيسة كالمملكة العربية السعودية، وتساندها تحركات أخرى مع كل من تركيا وباكستان، وفي المجموع تتبلور عملية ذات مدى استراتيجي تستهدف ضبط تحركات إسرائيل وإثيوبيا، والساعيتين لخلق بؤر توتر تؤثر على أمن الإقليم ككل، وعلى مصالح الدول المشاطئة للبحر الأحمر خصوصاً.

التحركات المصرية والعربية والإقليمية لضمان المصالح الذاتية ومصالح الأشقاء والأصدقاء، ورفض العبث بها، تمثل ولا شك أحد محفزات إدارة الرئيس ترمب لعرض الوساطة، كخطوة تحُول دون اندلاع صراع عسكري من وجهة نظره، من المؤكد في حال حدوثه أن تصل تأثيراته إلى أبعد كثيراً من أطرافه المباشرين.