لم يكن مؤتمر «بريتون وودز»، الذي عُقد عام 1944 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مجرد اجتماع تقني لتنظيم الشؤون المالية الدولية، بل كان لحظة تأسيسية فارقة في تاريخ النظام العالمي الحديث، فقد سعت القوى الكبرى آنذاك إلى بناء نظام اقتصادي دولي جديد يمنع تكرار الفوضى النقدية والكساد العظيم، ويؤسس لقواعد مشتركة تضمن الاستقرار، وتحد من الانزلاق نحو الصراع، وقد كان الافتراض الجوهري حينها أن الاقتصاد المنظّم والمؤسسات متعددة الأطراف يمكن أن يشكلا بديلاً عن منطق القوة والصدام، غير أن العالم الذي صُمم له هذا النظام لم يعد هو العالم الذي نعيشه اليوم، فهل يشهد العالم اليوم لحظة شبيهة بتلك التي مر عليها نحو ثمانية عقود؟
نشأت من رحم «بريتون وودز» مؤسسات شكّلت العمود الفقري للنظام الدولي لعقود طويلة، أبرزها صندوق النقد الدولي، الذي أُنيطت به مهمة الحفاظ على الاستقرار النقدي العالمي، والبنك الدولي الذي اضطلع بدور رئيسي في إعادة الإعمار، ثم تمويل التنمية، ولاحقاً، اكتملت الحلقة الاقتصادية عبر منظومة التجارة متعددة الأطراف التي بدأت بـالاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (غات)، وانتهت إلى تأسيس منظمة التجارة العالمية، هذه المؤسسات، رغم ما يُذكر عن اختلالات في التمثيل داخلها، فإنها وفّرت إطاراً تُدار من خلاله الخلافات الاقتصادية، وتُحتوى الأزمات، ويُفصل - إلى حد ما - بين الاقتصاد والسياسة.
وما يتضح اليوم أن العالم الذي وُجدت من أجله هذه المنظمات تختلف ملامحه عن عالم اليوم، فمنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت تتكشف تصدّعات عميقة في بنية النظام الدولي، فقد صعدت قوى جديدة، ولم يعد مستنكراً أن تُنتقد العولمة في المحافل الدولية، وعصفت بالعالم أزمات مالية متلاحقة، وصاحبت ذلك كله تحولات تقنية سريعة أعادت تعريف القوة والنفوذ، ومع كل أزمة بدت مؤسسات ما بعد «بريتون وودز» أقل قدرة على الفعل، وأكثر عرضة للتسييس، إلى أن دخل العالم «عصر التنافس»، وهو وصف أطلقه تقرير «مؤشر المخاطر العالمية» الصادر حديثاً عن منتدى الاقتصاد العالمي، وحدد هذا العصر بفترة ما بين عامي 2026 و2036.
ولم تكتفِ الدول بانتقاد النظام القائم، بل بدأت تتحداه صراحة، والمثال الأبرز على ذلك كان خلال الإدارة الأميركية، التي مثّلت نقطة انعطاف واضحة في السلوك الأميركي تجاه التعددية الدولية، فقد انسحبت الولايات المتحدة قبل أسابيع من 66 مجموعة دولية، ما يقرب من نصفها هيئات تابعة للأمم المتحدة، وصرّح البيت الأبيض بأن الانسحاب جاء لأن هذه الكيانات «لم تعد تخدم المصالح الأميركية، ويروج بعضها لأجندات غير فعالة أو معادية»، هذا التحول ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل إشارة صريحة إلى أن القواعد التي صاغتها الولايات المتحدة نفسها بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد مُلزِمة لها، وغنيّ عن الذكر أن العديد من هذه المنظمات تستند بشكل أو بآخر إلى التمويل المقدم من الولايات المتحدة، وعدم تلقيها هذا الدعم يشلّها عن أداء بعض مهامها، وهو ما حدث لمنظمة التجارة العالمية في السنوات القليلة الماضية.
انسحاب الدول المحورية من الإطار متعدد الأطراف ينشئ فراغاً مؤسسياً لا يمكن ملؤه بالإصلاح بقدر ما يُملأ بممارسات أحادية، وهنا يبرز أحد المخاطر التي وصفها تقرير منتدى الاقتصاد العالمي، وهو أن المؤسسات التي نشأت بعد «بريتون وودز» تواجه اليوم اختباراً وجودياً، هذا الاختبار لا يتعلق بكفاءتها الفنية، فهي لا تزال ملأى بالمتخصصين والخبراء، بل هو متعلق بقدرتها السياسية على ضبط سلوك الدول، ومنع تحول الخلافات الاقتصادية إلى أدوات صراع مفتوح.
وفي هذا الفراغ المؤسسي، تتصاعد التحديات الجيواقتصادية بوصفها الخطر الأشد على المدى القريب، حسب التقرير، فمع تراجع التعددية، لم يعد الاقتصاد مجالاً للتعاون بقدر ما أصبح أداة للضغط السياسي، فالعقوبات، والقيود التجارية، والتحكم في سلاسل الإمداد، حتى الوصول إلى التقنية، تحولت جميعها إلى وسائل نفوذ، وقدّمت الإدارة الأميركية مثالاً واضحاً على هذا التحول في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي؛ حيث خرجت الرسوم الجمركية عن مسارها، وذلك بالتهديد بفرض رسوم جمركية 10 في المائة -إضافية- على 8 دول أوروبية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لبيع «غرينلاند» للولايات المتحدة، وقد تزيد هذه النسبة إلى 25 في المائة منتصف العام.
إن مرحلة ما بعد «بريتون وودز» لا تُمثل انهياراً كاملاً للنظام الدولي، ولكنها لحظة انتقالية غير محسومة، فالنظام القديم لم يعد قادراً على أداء وظائفه كما كان، في حين لم يتشكل بعد نظام بديل مستقر، وبين هذين الحدّين ترتفع المخاطر وتتعمق الانقسامات، وكما يحذّر مؤشر المخاطر العالمية، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى مؤسسات دولية؟ بل أصبح: هل تستطيع هذه المؤسسات التكيف مع عالم متعدد الأقطاب ومُسيّس اقتصادياً، أم أن العالم يتجه نحو فراغ مؤسسي باهظ التكلفة، لا سيما على الدول الأقل قدرة على احتمال هذه التكلفة؟
