د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

ثقافة التقليل من الاستهلاك

استمع إلى المقالة

الاستهلاك عمود الاقتصاد الحديث، وهو الطلب الذي يحرك عجلة الإنتاج، ويغذي الاستثمار، ويمنح الزخم للنمو الاقتصادي... فكل زيادة في إنفاق الأسر تنعكس توسعاً في الأعمال، وفرص العمل، والدخل. هذه الأهمية جعلت «الاستهلاك» في قلب السياسات المالية والنقدية، وأدت تدريجاً إلى تحميله أدواراً تتجاوز «وظيفته الاقتصادية»، ليصبح «أداة للهوية والمكانة والانتماء الاجتماعي». وقد ظهر توتر بين منطق النمو القائم على الشراء، وتجربة الأفراد اليومية في عالم اليوم الذي يتّسم بالأزمات الاقتصادية والتضخم، وبرزت من ذلك ثقافة معاكسة لِـ«نَهَم الشراء»، هي «ثقافة التقليل من الاستهلاك (Underconsumption Core)» التي عكست نظرة الجيل الجديد إلى معنى الطلب.

هناك أنماط عدة من الاستهلاك أسهمت في تشكيل المجتمعات الحديثة؛ فـ«الاستهلاك النفعي» يركّز على تلبية الاحتياجات بأقل تكلفة، بينما يرتبط «الاستهلاك التقليدي» بالعادات الاجتماعية والمناسبات، ويسعى «الاستهلاك المقلِّد» إلى محاكاة أنماط استهلاكية يُنظر إليها على أنها أرقى، ويأتي «الاستهلاك المستدام» ليربط قرار الشراء بالأثر البيئي أو الاجتماعي، وأخيراً هناك «الاستهلاك الاستعراضي» الذي يُستخدم لإظهار التفوق الاجتماعي بعيداً عن الحاجة أو المنفعة.

وقد وجّه الاقتصادي الأميركي ثورستين فيبلن انتقاده إلى النوع الأخير من خلال كتابه «نظرية الطبقة المترفة»، الذي ألّفه عام 1899، مُعبّراً عن أن هذا النمط ليس مجرد ذوق فردي، بل آلية اجتماعية تُهدر الموارد وتعيد إنتاج التفاوت، وتدفع بالاقتصادات إلى سباقات شكلية بدل توجيهها نحو المنفعة العامة. وقد جاء عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو ليوضح أن المسألة لا تتعلق بما يشتريه المستهلك فقط، بل بذوقه وكيفية تشكيله، وأن الذوق هو نتاج رأسمالٍ ثقافي وعادات اجتماعية، وليس اختياراً بكل حال، ويظهر أن هذا النمط موجود منذ عشرات أو مئات السنين، وما فعلته وسائل التواصل الاجتماعي أنها غذّته ليستهدف فئة أوسع، لتصبح هذه الأذواق مرئية وقابلة للمقارنة؛ مما عمّق الضغط الاستهلاكي وجعل الاستهلاك اليومي جزءاً من الهوية.وفي هذا السياق المشحون، ظهرت «ثقافة التقليل من الاستهلاك» بوصفها إحدى هَبّات وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسم «Underconsumption Core»، وبصفتها رد فعل من الجيل الشاب الذي يعيش في حال مختلفة اقتصادياً عن الأجيال السابقة؛ فالتضخم مُزداد، وتكاليف العيش متصاعدة، والوظائف شحيحة وغير مستقرة، والأفق المالي ضبابي في أفضل الأحوال... ومع هذا الضغط الاجتماعي الذي تقابله موجات من التشجيع على الاستهلاك في وسائل التواصل، أصبح «التقليل من الاستهلاك» أكثر من موقف أخلاقي، ليكون استجابة عقلانية لواقع اقتصادي.

وقد أوضحت صحيفة «نيويورك تايمز» أن هذه الظاهرة تعبّر عن إرهاق اجتماعي من «ثقافة الإفراط»، وأن هَبّة «تقليل الاستهلاك» أصبحت تحتفي بما يُحتفظ به، لا بما يُشترى؛ من الهاتف القديم الذي لا يزال يعمل، إلى خزانة الملابس الصغيرة التي تُستخدم لسنوات، والملابس التي تفي بالحاجة دون ابتذال تقصير... هذا التحول يعكس رغبة لدى الشباب في استعادة السيطرة على قراراتهم الاستهلاكية، بعد سنوات من الشعور بأن الطلب لم يعد نابعاً من الحاجة؛ بل من الخوارزميات والتوقعات الاجتماعية.

ويسعى هذا التوجّه الجديد إلى نزع «البعد الرمزي المفرط عن الشراء»، وإعادته إلى «حدوده الوظيفية والمعنوية»، وإعادة تعريف «الذوق»، لا عبر «التراكم المادي»، بل عبر «الوعي والقدرة على الاكتفاء». وهذا يتوافق مع توجهات الجيل الشاب ووعيه بالقضايا البيئية، فتقليل الاستهلاك، وإطالة عمر المنتجات، وإعادة الاستخدام... كلها ممارسات تقلل الاستهلاك وتعزز الاستدامة؛ لا بوصفها خطاباً سياسياً، بل بصفتها ممارسة يومية ذات بعد أخلاقي وفائدة اقتصادية.

ولعل كلمة السر في هذه الثقافة هي الوعي؛ الوعي بأن معظم ما يُنشر عن المنتجات عبر وسائل التواصل هو محتوى إعلاني مدفوع على الأغلب، وقد سعت دول مثل السعودية إلى توعية المستهلكين بذلك؛ من خلال الإلزام بالإفصاح عن الإعلانات المدفوعة... كذلك الوعي بأن «المنتجات لا تزيد من المكانة الاجتماعية»، وأن الركض خلف ما يتوقعه المجتمع لا يأتي بفائدة، فالمنتجات المميزة اليوم قد تصبح نكتة متداولة بعد وقت قصير...

وأخيراً الوعي بـ«محدودية موارد الفرد»، وبأنه لا يستطيع شراء كل شيء، وبأنه سيتوقف عن الشراء عند انتهاء موارده وأمواله، ومن الأفضل أن يكون هذا التوقف بمحض الإرادة، لا بحسرة العجز.