تقليل هذا المكوّن في غذاء الطفل يعزّز صحة قلبه مستقبلاً

أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين خضعوا لتقنين السكر عاشوا فترة أطول خالية من مشكلات القلب (بكساباي)
أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين خضعوا لتقنين السكر عاشوا فترة أطول خالية من مشكلات القلب (بكساباي)
TT

تقليل هذا المكوّن في غذاء الطفل يعزّز صحة قلبه مستقبلاً

أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين خضعوا لتقنين السكر عاشوا فترة أطول خالية من مشكلات القلب (بكساباي)
أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين خضعوا لتقنين السكر عاشوا فترة أطول خالية من مشكلات القلب (بكساباي)

تشير أبحاث جديدة إلى أن تقليل استهلاك السكر خلال أول عامين من الحياة قد يحقق فوائد طويلة الأمد لصحة القلب في مرحلة البلوغ.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «إندبندنت» البريطانية، أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين استهلكوا كميات منخفضة من السكر في طفولتهم المبكرة، وكانت أمهاتهم أيضاً يستهلكن القليل من السكر أثناء الحمل، كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب مثل النوبات القلبية، وفشل القلب، والسكتة الدماغية.

وجاءت هذه النتائج في دراسة نُشرت في دورية «BMJ» الطبية البريطانية، اعتمد فيها الباحثون على بيانات من فترة تقنين السكر خلال الحرب في المملكة المتحدة.

فحص فريق البحث بيانات 63433 شخصاً من قاعدة بيانات «UK Biobank» في المملكة المتحدة، وُلدوا بين أكتوبر (تشرين الأول) 1951 ومارس (آذار) 1956، ولم يكن لديهم سجل مرضي سابق لأمراض القلب.

شملت الدراسة 40063 شخصاً كانوا قد عاشوا خلال فترة تقنين السكر التي امتدت من عام 1940 إلى 1953، إضافة إلى 23370 شخصاً لم يتأثروا بهذا التقنين.

جرى فحص السجلات الصحية للمشاركين في الدراسة لرصد حالات أمراض القلب والنوبات القلبية وفشل القلب واضطراب نبضات القلب والسكتات الدماغية والوفيات الناتجة عنها. وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين خضعوا لتقنين استهلاك السكر خلال فترة الحمل وأول عامين من حياتهم كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب بنسبة 20 في المائة، والنوبات القلبية بنسبة 25 في المائة، وفشل القلب بنسبة 26 في المائة، والرجفان الأذيني بنسبة 24 في المائة، والسكتة الدماغية بنسبة 31 في المائة، والوفاة الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 27 في المائة، مقارنةً بمن لم يتعرضوا لأي تقنين. كما تبيّن أنه كلما طالت فترة التقنين، انخفض خطر الإصابة بأمراض القلب تدريجياً، ويُعزى ذلك جزئياً إلى انخفاض معدلات السكري وضغط الدم.

كما أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين خضعوا لتقنين السكر عاشوا فترة أطول خالية من مشكلات القلب - تصل إلى عامين ونصف - مقارنة بمن لم يختبروا التقنين. وخلال تلك الفترة، كان استهلاك السكر اليومي محدوداً بأقل من 40 غراماً للشخص الواحد، بما في ذلك النساء الحوامل والأطفال، بينما لم يُسمح بإضافة السكر للأطفال دون سن العامين.

خلص فريق البحث، الذي يضم علماء من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا وكلية الطب في بوسطن بالولايات المتحدة، إلى أن «الألف يوم الأولى بعد الحمل تشكّل نافذة حاسمة تؤثر فيها التغذية على مخاطر القلب والأيض طوال الحياة».

قال الباحثون إن «العديد من الرضّع والأطفال الصغار يستهلكون كميات زائدة من السكر المضاف من خلال النظام الغذائي للأم أو الحليب الصناعي أو الأطعمة الصلبة المبكرة»، مؤكدين أن «تقليل استهلاك السكر في المراحل المبكرة من الحياة ارتبط بانخفاض مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية، وفشل القلب، والرجفان الأذيني، والسكتة الدماغية، والوفيات الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية».


مقالات ذات صلة

فحص العين قد يكشف عن خطر السكتة الدماغية قبل سنوات من حدوثها

صحتك فحص العين قد يساعد الأطباء على اكتشاف خطر الإصابة بالسكتة الدماغية (أرشيفية - رويترز)

فحص العين قد يكشف عن خطر السكتة الدماغية قبل سنوات من حدوثها

قد لا يكون فحص العين مجرد وسيلة للاطمئنان على قوة الإبصار، بل يمكن أن يساعد على اكتشاف أحد اضطرابات القلب المرتبطة بارتفاع خطر الإصابة بالسكتة الدماغية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك اختيار صعود الدرج بدلاً من استخدام المصعد قد يرتبط بانخفاض كبير في خطر الوفاة بسبب أمراض القلب (بكساباي)

عادة يومية بسيطة قد تقلل خطر الوفاة بأمراض القلب بنسبة 39 %

كشفت دراسة جديدة عن أن اختيار صعود الدرج بدلاً من استخدام المصعد، قد يرتبط بانخفاض كبير في خطر الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)

اختتام «صحة آسيا 2026»… رقعة ذكية تراقب القلب لأسابيع وتتجه للتحقق السريري في السعودية

تقرير عن أبرز ما شهدته الدورة الـ23 من معرض ومؤتمر «صحة آسيا 2026»، حيث اطلعت «الشرق الأوسط» على تقنية تعتمد على رقعة إلكترونية تراقب القلب لأسابيع.

د. عميد خالد عبد الحميد (كراتشي)
صحتك التعرض حتى لقدر ضئيل من الضوء خلال النوم قد يؤدي إلى تغيرات في شكل عضلة القلب (بيكسلز)

النوم في ضوء خافت... خطر خفي قد يهدد صحة قلبك

دراسة جديدة تشير إلى أن القدر الضئيل من الإضاءة قد لا يكون بريئاً تماماً؛ إذ يمكن أن يؤثر التعرض للضوء خلال النوم في شكل عضلة القلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تسهم مضادات الأكسدة الموجودة بالشاي في خفض خطر الإصابة بالأمراض (بكساباي)

5 فوائد صحية لشرب الشاي بانتظام

يمكن أن يكون شرب الشاي بانتظام عادة بسيطة تدعم الصحة على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ليس عدد الساعات فقط... طريقة نومك قد تحدد مخاطر إصابتك بالأمراض

الحصول على قسط من النوم يتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً يقلل خطر الإصابة بالعديد من المشكلات الصحية (بيكسلز)
الحصول على قسط من النوم يتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً يقلل خطر الإصابة بالعديد من المشكلات الصحية (بيكسلز)
TT

ليس عدد الساعات فقط... طريقة نومك قد تحدد مخاطر إصابتك بالأمراض

الحصول على قسط من النوم يتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً يقلل خطر الإصابة بالعديد من المشكلات الصحية (بيكسلز)
الحصول على قسط من النوم يتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً يقلل خطر الإصابة بالعديد من المشكلات الصحية (بيكسلز)

لا يتعلق النوم الصحي بعدد الساعات التي تقضيها في الفراش فحسب، بل قد تكون كيفية نومك نفسها، بما في ذلك مراحله وانتظامه وعدد مرات الاستيقاظ خلال الليل، مرتبطة بصحتك على المدى البعيد. فقد كشفت دراسة واسعة النطاق، شملت ما يقرب من 100 ألف شخص، أن طبيعة النوم، وليس مدته فقط، قد تؤثر في احتمالية الإصابة بالعشرات من الأمراض في مراحل لاحقة من الحياة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقد أثبتت أبحاث سابقة أن الحصول على قسط من النوم يتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً يقلل من خطر الإصابة بالعديد من المشكلات الصحية، بما في ذلك مرض السكري وأمراض القلب.

غير أن العلاقة بين مراحل نوم محددة وأنماط النوم الفعلية في الحياة اليومية، وبين النتائج الصحية، لا تزال غير واضحة إلى حد كبير. ويُعزى ذلك في المقام الأول إلى اعتماد معظم الدراسات على مقاييس للنوم تستند إلى الإبلاغ الذاتي، وهي مقاييس غالباً ما تُظهر ارتباطاً ضعيفاً بالتقييمات الموضوعية، مما يجعل من الصعب رصد أنماط النوم الواقعية بدقة.

وللتغلب على هذه المشكلة، حلل باحثون في جامعة بكين بالصين البيانات الصحية لـ95 ألفاً و559 شخصاً من «البنك الحيوي في المملكة المتحدة» (UK Biobank)، وهو مورد بحثي يخزن معلومات بيولوجية وجينية ومعلومات تتعلق بنمط الحياة لنحو 500 ألف مشارك متطوع في المملكة المتحدة.

وقد ارتدى المشاركون في الدراسة أجهزة لقياس التسارع والحركة على معاصمهم لمدة سبعة أيام وليالٍ متتالية، ما أتاح للباحثين الحصول على بيانات موضوعية عن أنماط نومهم الفعلية.

وحلل الباحثون مدة كل مرحلة من مراحل النوم، بما في ذلك نوم حركة العين السريعة (REM)، والنوم العميق، والنوم الخفيف، بالإضافة إلى إجمالي مدة النوم، وفترة اليقظة بعد بدء النوم، ومدى عدم انتظام النوم من ليلة إلى أخرى.

وتابع الباحثون الحالة الصحية لكل مشارك لمدة تسع سنوات في المتوسط، وفحصوا سجلاتهم الصحية بحثاً عن روابط محتملة بين أنماط النوم وأكثر من ألف حالة مرضية.

ووجد الباحثون أن زيادة فترات النوم المصحوب بحركة العين السريعة (REM) ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بـ83 مرضاً، بما في ذلك قصور القلب والخرف ومرض باركنسون.

كما ارتبطت زيادة مدة النوم العميق بانخفاض خطر الإصابة بسبع حالات صحية، من بينها داء السكري من النوع الثاني والاكتئاب السريري.

من ناحية أخرى، ارتبط ازدياد عدم انتظام النوم وكثرة الاستيقاظ بعد الخلود إليه بارتفاع خطر الإصابة بحالات صحية، مثل القلق واضطرابات تعاطي المواد.

وأشار الباحثون إلى أن المشاركين في الدراسة الذين كانوا ينامون بانتظام لمدة تتراوح بين ست وثماني ساعات سجلوا أدنى مستويات الخطر للإصابة بأمراض متعددة. وفي المقابل، واجه المشاركون الذين ناموا أقل من خمس ساعات أعلى مستويات القابلية للإصابة بمشكلات صحية، إذ ارتبطت فترات النوم هذه بزيادة احتمالية الإصابة بـ37 حالة صحية. غير أن المشاركين الذين ناموا لأكثر من ثماني ساعات كانوا عرضة للمخاطر أيضاً.

وكتب الباحثون: «تركزت المدة المرتبطة بأدنى مستوى من المخاطر، بالنسبة إلى غالبية هذه الحالات، بدقة ضمن النطاق الزمني الممتد من 6 إلى 8 ساعات».


طقطقة الركبة... 4 أسباب شائعة

تصدر الركبة أصوات طقطقة أو فرقعة لدى كثير من الأشخاص من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة صحية (بيكسلز)
تصدر الركبة أصوات طقطقة أو فرقعة لدى كثير من الأشخاص من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة صحية (بيكسلز)
TT

طقطقة الركبة... 4 أسباب شائعة

تصدر الركبة أصوات طقطقة أو فرقعة لدى كثير من الأشخاص من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة صحية (بيكسلز)
تصدر الركبة أصوات طقطقة أو فرقعة لدى كثير من الأشخاص من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة صحية (بيكسلز)

تُعد أصوات الطقطقة أو الفرقعة أو الاحتكاك في الركبة شائعة، ولا تعني بالضرورة وجود مشكلة صحية، خصوصاً إذا لم تترافق مع ألم أو تورم أو عدم استقرار.

وتحدث هذه الأصوات غالباً في المفصل الرضفي الفخذي، حيث تتحرك صابونة الركبة داخل الأخدود الموجود في نهاية عظم الفخذ. وحدد تقرير لموقع «فيري ويل هيلث» الصحي أربعة أسباب شائعة لهذه الظاهرة.

حركة طبيعية للمفصل

عند ثني الركبة ومدّها، تتحرك الصابونة داخل أخدود عظم الفخذ، ويمكن لتغيّر الضغط داخل سائل المفصل أن يسبب أصوات فرقعة أو طقطقة، خصوصاً بعد بقاء الركبة في الوضعية نفسها فترة طويلة.

ووجدت مراجعة منهجية نُشرت عام 2025 وشملت أكثر من 36 ألف شخص أن نحو 41 في المائة من الناس يعانون أصواتاً مماثلة في الركبة.

متلازمة الألم الرضفي الفخذي

تنجم هذه الحالة، المعروفة أيضاً باسم «ركبة العدّاء»، عن الإجهاد المتكرر، وتسبب ألماً في مقدمة الركبة حول الصابونة. وقد يؤدي تهيج المنطقة إلى إعاقة الحركة السلسة للصابونة، مسبباً الطقطقة أو الاحتكاك.

ويمكن أن يساعد تجنب الأنشطة المسببة للألم وتمارين تقوية العضلات والعلاج الطبيعي في تخفيف الأعراض.

قد تستدعي طقطقة الركبة استشارة الطبيب إذا رافقها ألم أو تورم أو شعور بعدم استقرار المفصل (بيكسلز)

خشونة المفاصل

تحدث خشونة الركبة نتيجة تآكل الغضروف مع مرور الوقت. وعندما يتضرر الغضروف خلف الصابونة، تصبح حركتها أقل سلاسة، ما قد يسبب إحساساً بالطقطقة أو الاحتكاك أثناء ثني الركبة ومدّها.

ويساعد النشاط البدني وتمارين الحركة وتقوية العضلات في الحفاظ على مرونة الركبة وتقليل التيبس.

فرط حركة المفصل

قد تكون الأربطة الداعمة للركبة أكثر ارتخاءً من الطبيعي، لأسباب وراثية أو نتيجة إصابة أو إجهاد متكرر، ما يسمح للصابونة بالحركة بصورة غير منتظمة ويسبب الطقطقة.

ولا تستدعي الطقطقة وحدها القلق عادةً، لكن يُنصح بمراجعة الطبيب إذا رافقها ألم أو تورم أو احمرار أو سخونة، أو صعوبة في تحمّل الوزن وتحريك الركبة، أو شعور بعدم الاستقرار أو انغلاق المفصل.


«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات
TT

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) من أكثر الاضطرابات النمائية العصبية حضوراً في النقاش العام، وربما من أكثرها عرضة لسوء الفهم؛ فبين من يرى كثرة الحركة أو التشتت دليلاً سريعاً على الاضطراب، ومن يشكك في وجوده أصلاً ويراه تسمية طبية لسلوك طبيعي، تضيع أحياناً القضية الأهم: التشخيص الدقيق لمن يحتاج إليه، وتجنب التشخيص لمن لا تنطبق عليه معاييره.

ويزداد النقاش حساسية عندما يصل إلى العلاج: فهل أصبح الدواء أحياناً طريقاً أسرع من البحث المتأني عن أسباب الصعوبات؟ وما دور الأسرة والمدرسة والبيئة؟ والأهم: كيف نفرق بين الاختلاف الطبيعي في الحركة والانتباه وبين اضطراب يؤثر فعلاً في التعلم والعلاقات والحياة اليومية؟

الإجابة لا تحتاج إلى موقف مع «ADHD» أو ضده، وإنما إلى العودة إلى العلم: ما الذي نعرفه عن الاضطراب؟ وكيف يُشخّص؟ وأين يمكن أن يحدث الخطأ؟

اضطراب حقيقي أم وهمي؟

• جدل بدأ من عنوان. وفي هذا السياق، التقت «صحتك» الدكتور وائل عبد الخالق الدكروري، رئيس قسم اضطرابات التواصل في شركة «عوين الطبية» بالرياض، والأستاذ المشارك بكلية الطب بجامعة الفيصل بالرياض، الأكاديمي والباحث والمستشار لعدد من الهيئات، فبدأ إجابته لافتاً إلى الجدل الذي أثاره أخيراً الفيلم الوثائقي البريطاني «The Great ADHD Myth»، بعد أن تابعه ووقف على ما يطرحه من أسئلة حول تشخيص الاضطراب وعلاجه.

وربما كان عنوان الوثائقي وحده كافياً لإشعال الجدل: «خرافة اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة الكبرى»؛ فالبرنامج لا يناقش فقط احتمال الإفراط في التشخيص أو استخدام الأدوية، وإنما يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل نحن أمام اضطراب نمائي عصبي حقيقي؟ أم أمام سلوك إنساني طبيعي حوّله المجتمع الحديث إلى مرض؟

ويرى الدكتور وائل أن السؤال جذاب تلفزيونياً، لكنه يحتاج علمياً إلى مزيد من الدقة؛ فالوثائقي يثير أسئلة حول ارتفاع الإحالات للتقييم، واحتمال التشخيص الزائد، وتأثير متطلبات المدرسة والحياة الحديثة في نظرتنا إلى بعض السلوكيات الطبيعية، واللجوء إلى الدواء قبل النظر في البيئة التعليمية ونمط الحياة.

هذه أسئلة مشروعة؛ بل وضرورية. لكن هل وجود مشكلة محتملة في طريقة التشخيص والعلاج يعني أن وجود الاضطراب نفسه أصبح موضع شك؟

• ارتفاع حالات التشخيص، ماذا يعني فعلاً؟ يوضح الدكتور وائل أن ارتفاع الإحالات لتقييم «ADHD» خلال السنوات الأخيرة، وهي ظاهرة تظهر في بريطانيا وكذلك في كندا والولايات المتحدة، يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالمقارنات الرقمية قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة إذا لم تراعَ اختلافات الفئات العمرية والأنظمة الصحية وطرق الإحالة والتقييم.

ويشدد على ضرورة التمييز بين زيادة عدد الأشخاص الذين يطلبون التقييم، وزيادة عدد من يحصلون على التشخيص، والزيادة الحقيقية في انتشار الاضطراب؛ فارتفاع الوعي وتحسن التعرف إلى «ADHD» لدى البالغين، الذين كان الاضطراب يُغفل لديهم سابقاً، قد يرفعان أعداد طالبي التقييم.

وفي المقابل، فليس كل تشخيص يعدّ صحيحاً بالضرورة؛ فقد يحدث تشخيص متسرع أو غير دقيق، خصوصاً عندما يعتمد التقييم على استبيانات وقوائم أعراض من دون تاريخ نمائي شامل، أو معلومات من أكثر من بيئة، أو دراسة الحالات الأخرى التي قد تفسر الأعراض أو تصاحب الاضطراب.

ومن ثم، يمكن أن يوجد نقص في التشخيص لدى بعض الفئات، وتشخيص خاطئ أو زائد لدى فئات أخرى في الوقت نفسه. ويضيف الدكتور وائل أن عدم دقة بعض عمليات التقييم لا يعني أن «ADHD» غير موجود؛ فالخطأ في تشخيص مرض لا يلغي وجود المرض، كما أن وصف دواء لشخص لا يحتاج إليه لا يعني أن الدواء غير مفيد لمن يحتاج إليه فعلاً.

وهنا تصبح المشكلة في جودة الممارسة التشخيصية، لا في وجود الاضطراب ذاته.

الدكتور وائل عبد الخالق الدكروري

موقف العلم

• ماذا يقول العلم عن «دماغ المصاب بالاضطراب»؟ من القضايا التي تثير كثيراً من الالتباس في النقاش حول «ADHD»، عدم وجود صورة محددة للدماغ يمكن من خلالها تشخيص الاضطراب. ويوضح الدكتور وائل أن هذه المعلومة صحيحة، لكنها تصبح مضللة إذا استُخدمت للاستنتاج بأنه لا يوجد أساس عصبي للاضطراب.

فلا يوجد حالياً فحص دم أو تصوير للدماغ يشخّص «ADHD» لدى شخص بعينه؛ إذ يظل التشخيص سريرياً، ويعتمد على التاريخ النمائي، وطبيعة الأعراض واستمرارها وظهورها في أكثر من سياق، ومدى تأثيرها في حياة الشخص، إلى جانب البحث عن الحالات المصاحبة أو الأخرى التي قد تفسر بعض الأعراض.

ويلفت الدكتور وائل إلى أهمية الاضطرابات المصاحبة؛ ومنها اضطرابات النطق واللغة وصعوبات التعلم وغيرها؛ فكثيراً ما يترافق «ADHD» مع اضطرابات أو صعوبات أخرى، ما يعزز أهمية التقييم الشامل بدلاً من اختزال التشخيص في مجموعة من الأعراض الظاهرة.

وفي المقابل، تشير الدراسات الجينية والعصبية والنمائية إلى مساهمة وراثية قوية، وإلى اختلافات على مستوى المجموعات في نمو ووظائف بعض الشبكات الدماغية المرتبطة بالانتباه والتنظيم والوظائف التنفيذية. لكن هذه الاختلافات لا توفر حتى الآن «بصمة دماغية» يمكن استخدامها لتأكيد التشخيص أو نفيه لدى فرد بعينه.

كما تصنف المراجع التشخيصية الدولية المعتمدة «ADHD» ضمن الاضطرابات النمائية العصبية، ومنها الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR) الصادر عن الجمعية الأميركية للطب النفسي، والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) الصادر عن «منظمة الصحة العالمية».

ومن هنا، يبقى النقاش مشروعاً حول دقة التشخيص وطريقة تطبيق معاييره، لكنه يختلف عن اختزال «ADHD» في مجرد «صناعة اجتماعية».

• دور المدرسة. وماذا لو كانت المدرسة جزءاً من المشكلة؟ يرى الدكتور وائل أن دور البيئة التعليمية من القضايا المهمة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش؛ فمن المشروع أن نسأل عما إذا كانت هناك بيئات تعليمية تضع أحياناً حدوداً ضيقة لما تعدّه سلوكاً «طبيعياً»؛ فليس كل طفل قادراً على الجلوس لفترات طويلة أو المحافظة على المستوى نفسه من الانتباه، والاختلاف في الحركة والانتباه جزء من التنوع الطبيعي بين الأطفال.

وقد يستفيد بعض الأطفال من تعديلات بسيطة في البيئة التعليمية؛ مثل تقليل المشتتات، وتقسيم المهام إلى فترات أقصر، وإتاحة استراحات حركية، وتقديم تعليمات أكثر وضوحاً، وتغيير مكان الجلوس.

لكن الدكتور وائل يؤكد أن هذه التعديلات ليست بديلاً لبرامج التدخل في «ADHD»، بل هي جزء منها؛ إذ تؤكد الإرشادات المعتمدة أهمية التعديلات البيئية والتعليمية إلى جانب التدخلات الأخرى التي تُختار وفق عمر الطفل واحتياجاته، ومدى تأثير الأعراض في حياته.

فالبيئة قد تؤثر في طريقة ظهور صعوبات «ADHD» وشدتها وتأثيرها الوظيفي، لكن تحسن الطفل بعد تعديل البيئة لا يعني أن الاضطراب غير موجود. ومن ثم، فإن السؤال ليس: هل المشكلة في الطفل أم في المدرسة؟ وإنما: ما الذي يحتاج إليه هذا الطفل؟ وما الذي يمكن تعديله في بيئته لمساعدته؟

بداية الاضطراب... والعلاج

• أين يبدأ الاضطراب؟ يشير الدكتور وائل إلى أن معظم السلوكيات المرتبطة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) موجودة بدرجات متفاوتة لدى الجميع؛ فكلنا نتشتت أحياناً، وقد نتصرف باندفاع، والأطفال بطبيعتهم أكثر حركة من البالغين. لكن وجود هذه السلوكيات وحده لا يعني وجود اضطراب.

إن الفارق لا يتعلق بوجود العرض فقط، وإنما بشدته واستمراره، ومدى ملاءمته للمرحلة العمرية، وظهوره في أكثر من سياق، وتأثيره الحقيقي في التعلم والعلاقات والحياة اليومية. كما أن صعوبات الانتباه أو الأداء المدرسي لا تقود بالضرورة إلى تشخيص واحد؛ فقد تكون وراءها صعوبات في اللغة أو التعلم، أو القلق، أو حالات أخرى قد تتداخل أعراضها مع «ADHD»، كما قد يجتمع بعض هذه الحالات مع الاضطراب نفسه.

ولهذا، يؤكد الدكتور وائل أن التشخيص الجيد لا يبدأ فقط من السؤال: «كم عَرَضاً من أعراض (ADHD) لدى هذا الطفل؟»، وإنما من سؤال أوسع وأكثر أهمية: «لماذا يواجه هذا الطفل هذه الصعوبات؟».

فالمطلوب هو النظر إلى الطفل ككل: تاريخه النمائي، وأداؤه في المدرسة والمنزل، وطبيعة الصعوبات وتأثيرها في حياته، والعوامل أو الحالات الأخرى التي قد تفسرها أو تسهم فيها؛ فالهدف ليس البحث عن ملصق تشخيصي، وإنما الوصول إلى التفسير الأدق للصعوبات التي يعيشها الطفل حتى يحصل على التدخل الذي يحتاج إليه.

• الدواء... هل أصبح الطريق الأقصر؟ من أكثر القضايا حساسية في الجدل حول «ADHD» استخدام الأدوية، وما إذا كان اللجوء إليها قد أصبح أسرع مما ينبغي في بعض الحالات. ويرى الدكتور وائل أن هذا التساؤل مشروع، لكن العلاج الجيد يبدأ بالتشخيص الجيد، ثم باختيار التدخل الأنسب لكل حالة.

ولا يعني تشخيص «ADHD» أن الدواء هو الخيار الوحيد أو التلقائي؛ فقد تشمل الخطة التعديلات البيئية والتعليمية، ودعم الأسرة، والتدخلات النفسية والسلوكية، إلى جانب العلاج الدوائي عندما يكون مناسباً، وتحت إشراف مختص مؤهل، مع متابعة الاستجابة والآثار الجانبية.

فالسؤال ليس مع الدواء أو ضده، وإنما متى يكون العلاج الدوائي مناسباً، ولمن، وكيف نتابع فائدته وسلامته.

إذن... ما السؤال الصحيح؟ في ختام الحديث، طرحت «صحتك» على الدكتور وائل سؤالاً مباشراً: ما السؤال الصحيح الذي ينبغي أن نطرحه وسط هذا الجدل؟ فأجاب أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان «ADHD» خرافة، وإنما: هل نشخّص اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ونعالجه بالطريقة الصحيحة؟

ويقول الدكتور وائل: «نحن بحاجة فعلاً إلى مقاومة التشخيصات السريعة، والتأكد من عدم تحويل الاختلاف الطبيعي بين الأطفال إلى مرض، وإعطاء الأسرة والمدرسة والبيئة دوراً أكبر، واستخدام الدواء فقط عندما تكون فائدته واضحة، ومن خلال أصحاب الاختصاص، مع المتابعة الدقيقة لآثاره. لكن الانتقال من هذه الأسئلة المشروعة إلى التساؤل عما إذا كان (ADHD) نفسه (خرافة) هو قفزة لا تدعمها الأدلة العلمية الحالية».

ويضيف أن «ADHD» اضطراب نمائي عصبي تدعمه الأدلة العلمية، لكنه لا يمكن فهمه بعيداً عن البيئة والتعليم والأسرة ونمط الحياة. وقد يحصل بعض الأشخاص على تشخيص غير دقيق، بينما يعيش آخرون مع الاضطراب سنوات من دون أن يتعرف أحد إلى معاناتهم.

ومن هنا، فإن حماية الأطفال لا تكون بإنكار الاضطراب، ولا بوضع التشخيص أمام كل طفل كثير الحركة أو قليل التركيز؛ فالحماية تبدأ بالتقييم الجيد على أيدي المختصين، وبفهم الطفل وصعوباته قبل البحث عن اسم يطلق عليها.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نختم به: كيف نضمن أن يحصل الطفل الذي يعاني فعلاً من «ADHD» على التشخيص والتدخل اللذين يحتاج إليهما، وفي الوقت نفسه ألّا نحول الاختلاف الطبيعي في السلوك الإنساني إلى اضطراب يحتاج إلى علاج؟

تساؤلات حول وجود اضطراب نمائي عصبي حقيقي... أو سلوك إنساني طبيعي حوّله المجتمع الحديث إلى مرض