سلمان الدوسري
كاتب وصحافي سعودي. ترأس سابقاً تحرير صحيفة «الاقتصادية»، ومجلة «المجلة»، وهو رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط». عضو مجالس إدارات عدد من المؤسسات والشركات والهيئات الإعلامية.
TT

أم المفاجآت في السعودية

كانت مفاجأة ويا لها من مفاجأة. في المرة الأولى التي تترشح وتنتخب المرأة في الانتخابات البلدية السعودية، تحقق انتصارًا لافتًا بوصول 20 سيدة. لا شك أنها أم المفاجآت بكل تأكيد. من يصدق، هذا الذي يطلقون عليه مجتمعًا ذكوريًا ويصادر حقوق المرأة، يبادر إلى إيصالها وتفضيلها على مرشحين من الرجال من أول تجربة تمر عليه؟ صحيح أنها ليست التجربة الأولى للمرأة السعودية مع الانتخابات، فقد سبق ذلك تجربة انتخابات الغرف التجارية والتي لا يمكن منحها نفس أهمية الانتخابات البلدية، باعتبار أن الأولى خاصة بشريحة معينة هن سيدات الأعمال، بعكس الانتخابات البلدية المتاحة للجميع، إلا أن كل التوقعات والأمنيات لم تصل للدرجة التي يثبت بها المجتمع السعودي، بذكوره وإناثه، أن قطار المشاركة النسائية ماضٍ في طريقه ولم يستطع أحد إيقافه، حتى لو علا صوت من يريدون إيقاف عجلة حق المرأة في ممارسة حقوقها.
وعندما نقول إنها أم المفاجآت، نذكّر بالتجربة الأولى للمرأة الكويتية في انتخابات المجلس البلدي عام 2006، والتي كانت التجربة الأولى للمرأة في الكويت كمرشحة، حيث عادت خالية الوفاض من الفوز بأي مقعد وحقق الرجال الدرجة كاملة، مع أن المجتمع الكويتي يراه كثيرون أكثر انفتاحًا من نظيره السعودي، غير أن الانتخابات السعودية سجلت تاريخًا يعتد به مستقبلاً، فما قبل هذه الانتخابات يختلف عما بعدها، فالناخبون السعوديون حطموا تابوهًا كثيرًا ما استند إليه تيار يحاول زرع فكرة غير حقيقية تعتمد على أن أي مشاركة للمرأة هي في أساسها مخالفة لتعليمات الشريعة الإسلامية، وهو ما كذبته مشاركة المرأة بفعالية في مجلس الشورى ووفق الضوابط الشرعية، ولم يخالف هذا الحضور والمشاركة تلك الضوابط.
في النهاية كانت انتخابات الدورة الحالية بمثابة بالون اختبار حقيقي من خلاله تم قياس درجة تقبل المجتمع السعودي، بكافة شرائحه، لمنح المرأة حقوقها، وهو ما حققت من خلاله نجاحًا لافتًا، لا شك أنه سيغير من خريطة الحراك الاجتماعي والسياسي في الساحة المحلية، خصوصًا أن هذه المشاركة النسائية التاريخية حظيت بدعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ليؤكد دورها الرئيسي إلى جانب الرجل لبناء الوطن وتنميته.
وبعيدًا عن صلاحيات المجالس البلدية وقدرة أعضائها على الوصول للمطلوب منهم كممثلين للمواطنين، على الرغم من تطوير السلطات لعمل المجالس البلدية ورفع إمكانياتها وصلاحياتها، فإن في انتصار المرأة السعودية في هذه الجولة الانتخابية انتخابًا وترشحًا، تأكيدًا على أنها ماضية في مسار مساواتها بالرجل، وتقوية مشاركتها كعنصر رئيسي في الحياة العامة، فمنافسة 979 امرأة سعودية مرشحة لزملائها الرجال على مقاعد المجالس البلدية من أصل 7200 مرشح ومرشحة، يعد منعطفًا مهمًا في تاريخ حقوق المرأة السعودية، والتي وبمشاركتها بفعالية في المجالس البلدية وإثبات جدارتها يمكن لها أن تنال مزيدًا من الحقوق التي تستحقها.
نجاح 20 سيدة سعودية في أول انتخابات عامة يشاركن فيها لا يسجل كإنجاز تاريخي لهن فحسب، ولا للنساء السعوديات اللاتي صوتن لهن، بل أيضًا، وهو المثير، إنجاز لأولئك الرجال الذين اختاروهن مقتنعين بحقهن ومشاركتهن وأنها لم يعد مقبولاً بعد اليوم أن تبقى هامشية.