حافظ الأسد: اتّفاق لبنان مع إسرائيل «أسوأ بمائة مرّة من كامب ديفيد»

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب «جان عبيد... ستة عقود في الوطن»

جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)
جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)
TT

حافظ الأسد: اتّفاق لبنان مع إسرائيل «أسوأ بمائة مرّة من كامب ديفيد»

جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)
جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)

تنشر «الشرق الأوسط» فصولاً من كتاب «جان عبيد... ستة عقود في الوطن» للزميل نقولا ناصيف الذي يرصد مسيرة هذا السياسي اللبناني الذي كان عيّنه الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل موفداً رئاسياً له إلى دمشق؛ نظراً لقربه من قيادتها أيام حكم الرئيس السابق حافظ الأسد. تتناول هذه الحلقة قصة اللقاءات مع القيادة السورية عندما كان حكم الجميل يتفاوض مع إسرائيل لضمان انسحابها من لبنان عقب الاجتياح الذي قامت به عام 1982.

رفض السوريون بشدة أي اتفاق يبرمه لبنان مع إسرائيل، حسب ما أبلغ الرئيس حافظ الأسد الجانب اللبناني. عاد جان عبيد إلى بيروت ونقل للرئيس الجميل فحوى ما دار في سوريا بعبارة مبطّنة، هي تهديد أطلقه الرّئيس السّوريّ يُنذر بما يفترض أن يحدث فيما بعد: «الاتّفاق أسوأ بمائة مرّة من اتّفاق كامب ديفيد».

في نهاية المطاف، رضخ الجانب اللبناني للتهديد السوري، وألغى الاتفاق مع إسرائيل الذي عُرف بـ «اتفاق 17 أيار».

يصدر الكتاب في 29 مايو (أيار) الحالي عن «مؤسسة جان عبيد» و«دار النهار للنشر»... وهذه قصة اتصالات عبيد، موفد الجميل، مع حكم حافظ الأسد بخصوص الاتفاق مع إسرائيل.

غلاف الكتاب

سقوط حقبة

منذ زيارته دمشق، موفداً رئاسيّاً لأمين الجميّل للمرّة الأولى في 15 ديسمبر (كانون الأوّل) 1982، فُتِحَ الحوار المباشر بين الدّولتَيْن ورئيسَيْهما. احتفظت سوريا بِخَيْبَةٍ خلّفها فيها إلياس سركيس في الأشهر الأخيرة في ولايته بدعمه انتخاب بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة. مذذاك، انقطع تواصل الرّئيسَيْن. تلقّفت (سوريا) انتخاب أمين الجميّل بإيجابيّة قبل أن يُبادر إلى الاتّصال بنظيره السّوريّ. بمقدار ثقته بموفده إلى هناك، أثارت انتباه أمين الجميّل العلاقة الوطيدة التي تجمعه (عبيد) بأركان قيادتها على نحو لم يُخفِ، مرّة بعد أخرى، تحسّسه من أن تنطوي على أكثر ممّا يتوقّعه منه، أو ربّما تورّطه.

قصد الموفد الشّخصيّ دمشق وأطلعها على المراحل التي يقطعها التّفاوض مع الدّولة العبريّة بخطوط عريضة، من دون الخوض في التّفاصيل تبعاً لموقف اتّخذه الرّئيس وحكومة شفيق الوزّان هو «عدم إقحام السّوريّين فيه». سرعان ما تذمّرت سوريا من القليل القليل الّذي يصل إليها منه عن ذلك المسار. أفصح عن هذا الامتعاض وزير الخارجيّة عبد الحليم خدّام أمام نظيره اللبنانيّ إيلي سالم في 19 مارس (آذار) 1983 في لقائهما بلندن. حضّه على اطّلاعه خطّيّاً على ما يجري في المفاوضات، قائلاً: «جان عبيد لا يذكر لنا الآن إلّا ما ترفضونه في أثناء المفاوضات. هذا جيّد. لكنّنا نريد أن نعرف ماذا قبلتم به. جان عبيد يتكلّم ويخبرنا العموميّات، لكنّني أريد أن أعرف التّفاصيل خطّياً. نحن في لبنان لمساعدتكم. استعملونا وسيلة ضغط على الإسرائيليّين. حين تتوصّلون إلى اتّفاق خالٍ من التّنازلات مع إسرائيل، تعالوا إلى دمشق، وفي خلال نصف ساعة نتّفق على سحب قوّاتنا من لبنان. الأميركيّون يسألوننا دائماً متى ستنسحبون؟ ماذا يريدون منّي؟ هل يريدون أن أسجّل لهم شريطاً؟ طيّب، سأفعل ذلك وأقول فيه سننسحب، سننسحب، سننسحب».

في الشّهرَيْن التّاليَيْن، أوشك التّفاوض أن ينتهي إلى مسودّة، لمس إبّانها لبنان بداية تصلّب إسرائيليّ في الشّروط المدلاة في جلسات التّفاوض أو المُقترح إدخالها في المسودّة. على الرّغم من إطلاعه دمشق على المراحل السّارية، لبثت الشّكوك تُراود الحكم اللّبنانيّ حيال ما سيكون عليه موقف سوريا منها. إزاء استمرار حجب التّفاصيل عنها، كان على جان عبيد نقل المعلومات الّتي يُزوّده إيّاها رئيس الجمهوريّة لنقلها إلى عبد الحليم خدّام، من دون تخلّيه عن موقفه الخاصّ حيال ما يتولّى نقله. وهو أنّ اتّفاقاً لا يُرضي سوريا يسعها أن تحول دونه. في لبّ وجهة نظره عدم اقتناعه بجدوى التّفاوض مع دولة عدوّة تريد في نهاية المطاف فرض تنازلات موجعة على لبنان.

الجميل مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

ليس تقييمه وتوقّعه الشّخصيّان فحسب، بل استنتاجه ممّا كان يُصْغي إليه من محاوريه السّوريّين الّذين بعثوا فيه اعتقادهم بتشاؤمهم من مآل التّفاوض مع إسرائيل: «تقولون إنّ الأميركيّين سوف يعيدون إليكم الأرض عبر التّفاوض. نحن نشكّك في ذلك. على أيّ حال، إذا شئتم جرّبوا، إلّا أنّنا واثقون من أنّكم لن تنجحوا. لا بدّ من العودة إلى صيغة الهدنة».

ردّ جان عبيد: «امتحان النّيّات الأميركيّة في تأمين انسحاب غير مشروط»، قبل أن يأتيه الرّدّ على الردّ أنّ دمشق «توافق على أن يُعطى لبنان فرصة كاملة من دون أيّ ترحيب بذلك».

ليس لدى الموفد الرّئاسيّ سوى أن يؤكّد أنّ التّفاوض «لن يطول أكثر من أسابيع. لا عرض بديلاً منه الآن».

إطلاع الأسد على صيغة الاتفاق مع إسرائيل

في طوّافة عسكريّة أقلّتهم من وزارة الدّفاع في اليرزة في 2 مايو (أيار) 1983، قصد إيلي سالم وجان عبيد، يرافقهما العميد عبّاس حمدان عضو الوفد المفاوض، دمشقَ لإطلاع الرّئيس السّوريّ على المراحل الأخيرة المنجزة، والصّوغ غير النّهائيّ للاتّفاق مع إسرائيل في انتظار إنجازه في الأيّام القليلة المقبلة. شرح الوفد لحافظ الأسد ما تمّ، وعقباته والشّروط المقبولة والمرفوضة كان قد تبادلها الطّرفان، وخصوصاً البنود المحوريّة: إنهاء حال الحرب بين لبنان وإسرائيل، التّرتيبات الأمنيّة، لجنة الاتّصال المشتركة بين البلدَيْن المشرفة على تنفيذ اتّفاق جلاء القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللّبنانيّة.

حافظ الأسد مستقبلاً الجميل في دمشق (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

عاد الوفد من هناك برفض قاطع للاتّفاق. اقتضب جان عبيد لرئيس الجمهوريّة فحوى ما دار في سوريا بعبارة مبطّنة، هي تهديد أطلقه الرّئيس السّوريّ يُنذر بما يفترض أن يحدث فيما بعد: «الاتّفاق أسوأ بمائة مرّة من اتّفاق كامب ديفيد».

في تقرير أعدّه للرّئيس عن محادثات دمشق، دوَّن الملاحظات الآتية:

«- كان الرّئيس الأسد لبقاً مهذّباً ودوداً في الألفاظ والشّكل تجاه عدد من القضايا والمواضيع الّتي طُرِحَتْ. لكنّه كان حاسماً وصارماً في الأفكار والمواقف أكثر من أيّ وقت أو لقاء مضى.

- كرّر رفضه القاطع أيّ اتّفاق يتجاوز اتّفاق الهدنة، ومعارضته إعطاء إسرائيل أيّ مكسب، مذكّراً بأنّ لبنان لم يكن في حال حرب عمليّة مع إسرائيل حتّى تأخذ منه ثمناً للحرب الّتي قال إنّها خاضتها ضدّ السّوريّين والفلسطينيّين.

- عارض التّطبيع وفتح الحدود وتبادل الأفراد والبضائع، وتساءل مَن يستطيع أن يحمي مثل هذا الإجراء وما ينتج منه؟ وقال إنّ شعب مصر المعروف بأنّه وديع وطيّع وغير شرس كما هي حال شعوب الشّرق الأدنى، لم يقبل ذلك ولم يتكيّف معه وأنهى (الرّئيس أنور) السّادات على النّحو الدّمويّ الّذي انتهى إليه.

- وافق الأسد الموقف اللّبنانيّ على رفضه النّقاط المختلف عليها مع الإسرائيليّين، لكنّه اعترض على بعض النّقاط التي قال الوزير سالم إنّ المفاوض اللّبنانيّ قَبِلَ بها في مشروع الاتّفاق. خصّ بالذّكر موافقة لبنان على تحديد تسلّحه بِنَوْع من الصّواريخ لا يتجاوز مداه خمسة عشر ألف قدم، وقال معلّقاً على بعض النّقاط في الاتّفاق، بينها مسألة الصّواريخ في المنطقة الأمنيّة أو خارجها، إنّها أسوأ مائة مرّة من اتّفاق كامب ديفيد الّذي لم يفرض على مصر هذا القدر من التّنازلات والقبول بالهيمنة الإسرائيليّة، كما قال وكرّر. وقال إنّه إذا كان يقبل بمثل اتّفاق كهذا، حريّ أن يعمل هو كامب ديفيد مباشرة ولا يعمله عبر كامب لبنان.

- هاجم فيليب حبيب وقال إنّه نقض اتّفاق الصّيف وشاركه الوزير سالم بِوَصْفِه فيليب حبيب بأنّه سيّئ، وقال إنّ الأخ جان عبيد أبلغ إليه سابقاً أنّه يعتقد أنّ حبيب يريد أن يُساعد لبنان كونه من أصل لبنانيّ، لكن قد لا يكون قادراً قدر رغبته في ذلك. تشدّد الأسد هنا ووافقه سالم على أنّ حبيب سيّئ جدّاً.

- أَوْحى بأنّ الخدّام نَقَلَ إليه انطباعاً إيجابيّاً عن شخصيّة (وزير الخارجيّة الأميركيّ جورج) شولتز وأنّه بسيط وصادق، كما قال الوزير سالم ذلك وأفاض في نَقْل إيجابيّة النّظرة عن شولتز تجاه سوريا والأسد.

- كرّر تشكيكه في صدقيّة أميركا وفاعليّتها في الضّغط على إسرائيل أو رغبتها في ذلك. قال إنّ الحرب والمواقف الإسرائيليّة النّاتجة عنها لا يمكن أن تكون من دون موافقة أميركا وقرارها.

- رفض الانسحاب المُتزامن مع إسرائيل، وكرّر في الوقت نفسه أنّه أبلغ إلى الرّئيس الجميّل شخصيّاً وعبر مبعوثيه حرصه على السّيادة المُطلقة للبنان على أراضيه، ورغبته في أن يوظّف لبنان هذا الموقف السّوريّ لتسريع الانسحاب الإسرائيليّ الشّامل بلا تنازلات ولا مكافأة أو ثمن لإسرائيل.

- قال إنّه سيسحب فَوْراً القوّات السّوريّة على هذا الأساس من لبنان فَوْر الانسحاب الإسرائيليّ.

- قال إنّه لا يريد شيئاً ولا أرضاً من لبنان، لكنّه كذلك لا يمكن أن يسحب قوّاته إذا أصرّت إسرائيل وقَبِلَ لبنان إعطاءها ثمناً وتنازلات.

- قال إنّ الانسحاب السّوريّ موضوع محلول بين لبنان وسوريا على هذا الأساس، وليس مسألة خاضعة للأخذ والرّدّ والشّروط مع إسرائيل.

- امتدح الرّئيس الأسد وطنيّة الرّئيس أمين الجميّل وتوجّهاته والمبادئ الّتي أرسى عليها سياسة لبنان، وقال إنّ بعض القوّات اللّبنانيّة هو الّذي يعرقل سياسة الرّئيس، وأضاف أنّه أبلغ إلى الرّئيس فرنجيّة والرّئيس كرامي ووليد جنبلاط ونبيه برّي وغيرهم ضرورة دعم الرّئيس الجميّل على أساس هذه السّياسة وتحقيق الوفاق الوطنيّ ورسم سياسة للمقاومة الوطنيّة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ.

- قال الرّئيس الأسد إنّه يَستغرب كيف يتشدّد بعض القوّات اللّبنانيّة مع العرب في مسائل السّيادة والكرامة، ويَتساهل مع إسرائيل كما يفعل الآن. هكذا قال الأسد».

قوات إسرائيلية على شاطئ صيدا خلال اجتياح لبنان عام 1982 (غيتي)

(...)

ما إن تلقّف معارضة دمشق اتّفاق 17 أيّار (مع إسرائيل)، أدرك جان عبيد مغزى الرّسالة: لن تسمح بتنفيذه وستستخدم كلّ ما يسعها أن تملك لإسقاطه، وهي تعرف سلفاً أنّ الرّئيس اللّبنانيّ محاصر بِحُلَفائها، خصومه وأعدائه. في اجتماع حضره غسّان تويني وجوزف الهاشم، قال (عبيد) للرّئيس: «الاتّفاق مَيْت، فلا يجوز أن نموت من أجل اتّفاق مَيْت. يتطلّب تنفيذه أمراً ليس مُتوافراً. أن تحتلّ إسرائيل لبنان من النّاقورة إلى النّهر الكبير. لكن أيّ متر تنسحب منه ستملأه سوريا. الاتّفاق يكون إمّا لكسب سوريا بأن يوافق عليه حافظ الأسد وهو ما لم يفعله قَبْلاً ولن يفعله الآن، أو لكسرها. أميركا ترضي سوريا بكسبها، وإسرائيل يمكنها كسرها بجرّها إلى حرب. أمّا أنت فلا تستطيع أن تفعل كِلا الأمرَيْن معاً في آن. باتّفاق كهذا لا نستطيع كسب سوريا ولا كسرها».

أضاف: «قال لي الرّئيس السّوريّ إنّه مستعدّ لِخَوْض خمس حروب ولا يوافق عليه».

في الأوّل من يونيو (حزيران)، ترأّس رئيس الجمهوريّة اجتماعاً حضره إيلي سالم، وغسّان تويني، ووديع حدّاد، وجان عبيد والعميد حبيب فارس المستشار العسكريّ للرّئيس، ناقش طوال ساعتَيْن تداعيات الشّروط الإسرائيليّة المستجدّة الّتي تسبّبت بتجميد إبرام الاتّفاق.

أمام فريق عمله، المتداخل فيه المعنيّون بملفَّي المفاوضات والعلاقة مع الولايات المتّحدة، كما بملفّ العلاقة مع سوريا، سأل الرّئيس عن خطّة مواجهة الأحداث الأخيرة والتّحرّك الّتي يمكن أن تُقْدِم عليها سوريا. في سياق مداولات الاجتماع، ظهر تبايُن جدّيّ في الرّأي: إيلي سالم وغسّان تويني مع إبرام الاتّفاق اللّبنانيّ - الإسرائيليّ، بينما عارضه جان عبيد. بينهما ارتأى وديع حدّاد استعجال مجلس النّوّاب المصادقة عليه وإبقاء الإبرام ورقة في يَدِ رئيس الجمهوريّة الّذي مالَ إلى وجهة النّظر هذه، مُضيفاً إليها تمسّكه به على أنّه نهائيّ.

ملاحظات عن تفاصيل لقاءات عقدها مسؤولون لبنانيون بينهم عبيد مع القيادة السورية عام 1983 (محفوظات الرئيس أمين الجميل)

أثار إيلي سالم فكرتَيْن: «إيجاد فريق عمل يختصّ بالتّعامل مع سوريا يُمسك الملفّ بكلّيّته، واتّصالات مباشرة مع سوريا والسّعودية بالتّزامن مع السّير في إبرام الاتّفاق من خلال عمل متواصل مع الولايات المتّحدة».

تعقيب غسّان تويني أن «لا معلومات عن التّخطيط السّوريّ ونحن نتفاجأ بتحرّكهم»، ملاحظاً أنّ المواجهة الّتي بدأها السّوريّون والفلسطينيّون تؤثّر في تطبيق الاتّفاق، كما أنّ لبنان يجهل المنهجيّة الأميركيّة و«تحديداً إلى أيّ نقطة يمكننا الوصول مع سوريا».

تطرّق وديع حدّاد إلى أنّ افتقار لبنان إلى المعلومات يحمله على التّخمين بين احتمالَيْن: «أوّل أنّ الرّفض السّوريّ حقيقيّ وآيديولوجيّ لا عودة عنه لأنّ سوريا رفضت دائماً الاتّفاقات الثّنائيّة مع إسرائيل، وثانٍ أنّ موقفها المتصلّب وضعها في موقع القوّة قبل دخولها في التّفاوض مع لبنان. الثّمن المطلوب من سوريا للانسحاب من لبنان عودة الجولان والسّيطرة على القضيّة الفلسطينيّة واتّفاق أمنيّ واقتصاديّ مع لبنان».

تعليق جان عبيد كان: «موضوع سوريا ليس مُنفرداً ويجب أن يُعالَج ضمن إطار عامّ. في حال عدم وجود قوّة لفرض الانسحابات، علينا اللّجوء إلى المفاوضات، ونحن قلنا إنّ لا بديل من المفاوضات. كان الأسد متأكّداً من أنّ المفاوضات مع إسرائيل لن تعطي نتيجة، وقد برهنتم عكس ذلك فخامة الرّئيس. كلام الأسد القاسي علينا يجب ألا نُفاجأ به كونه ردّد في لقاءاتنا أنّه ضدّ التّوقيع على الاتّفاق. الاتّفاق يعني متابعة المراهنة على الخيار الأميركيّ، والغاية هي استعادة السّيادة. ربط الانسحاب الإسرائيليّ بالانسحاب السّوريّ أبطل الاتّفاق قبل أن يُبرَم. فيليب حبيب حتّى، وجّه الانتقاد إليه وقال إنّه مات قبل أن يُولد. تنفيذه يمكن أن يتمّ بأحد حلَّيْن: أن تضرب إسرائيل السّوريّ والفلسطينيّ لإخراجهما، أو أن تنسحب إسرائيل في معزل عن سوريا في حدود 40 كيلومتراً ويتطلّب هذا الحلّ مساعدة أميركيّة. إذا رفضت سوريا الانسحاب عِنْدَئِذٍ يمكن تبرير ضربها في لبنان أو في الدّاخل».

جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)

ردّ الرّئيس أنّ «الانسحاب من طرف واحد غير وارد حاليّاً»، فعقّب جان عبيد: «أنا ميّال إلى الأفضليّة الثّانية الّتي عرضها الدّكتور حدّاد. في حال عدم وجود مجال للانسحاب من طرف واحد، أنا ضدّ إبرام الاتّفاق حاليّاً بعكس رأي الوزير سالم».

أضاف: «يجب استعمال الإبرام كورقة ضغط:

1ـ على الأميركيّ لأنّه في حاجة إليه لإدخال (العاهل الأردني الملك) الحسين في المفاوضات.

2ـ على الإسرائيليّ الّذي لن يقبل بحرب الاستنزاف، وسيدفع إلى الحلّ العسكريّ.

3ـ على السّوريّ لدفعه إلى المفاوضة.

الظّروف ستحتّم الحلّ العسكريّ، وعدم الإبرام يجبر الجميع على التّحرّك. الإبرام سيغلق الأبواب أمامنا (السّعوديّة وسوريا). إذا تمكنّا من تقريب وليد جنبلاط من القوّات اللّبنانيّة وتمّت المصالحة مع الرّئيس فرنجيّة تتلاشى أوراق عدّة سوريّة. الإسرائيليّ لم يعد يُساند الدّرزيّ. إذا وُجِدَتْ ضمانات أميركيّة أكيدة بالضّغط، العسكريّ حتّى، يمكن آنذاك إبرام الاتّفاق. أقترح متابعة الاتّصال بالسّعوديّة وإرسال الرّئيس (صائب) سلام بعد زيارة الوزير سالم، الاتّصال بالسّوفيات رسميّاً أو شبه رسميّ، الطّلب من (وزير الخارجيّة الفرنسيّ كلود) شيسون زيارة المنطقة، الطّلب من أميركا إيفاد شولتز من جديد إلى المنطقة».

الهدف السّوريّ إسقاط الاتّفاق، والهدف اللّبنانيّ الانسحاب الإسرائيليّ والسّوريّ والفلسطينيّ

عارض غسّان تويني وجهة نظر جان عبيد قائلاً إنّه «مع الانسحاب من طرف واحد، وعمليّة سلام الجليل لم تنفّذ لأنّ السّوريّ على الأرض اللّبنانيّة. على الإسرائيليّ أن يأخذ ضماناته الأمنيّة وينسحب، ونعود بعد ذلك إلى مقرّرات فاس لطلب الانسحاب السّوريّ. هذه الطّريقة تسمح بحلحلة (unlock) الوضع الرّاهن وكسر الجمود. في حال عدم الاستجابة علينا العودة إلى الأمم المتّحدة. أنا مع استعمال الإبرام كوسيلة ضغط، ويجب استطلاع رأي أميركا ومعرفة خلفيّة تحرّكاتها قدر المستطاع».

قال أمين الجميّل إنّ «عدم مصادقة مجلس النّوّاب على الاتّفاق يُضعف الموقف اللّبنانيّ ويُقوّي سوريا الّتي يمكنها أن تدّعي أنّها تمكّنت من منع التّصويت. الإبرام يتمّ بعد المصادقة بإصدار مرسوم وتسليم الوثائق إلى إسرائيل. يمكننا استعمال الفترة هذه وتوظيفها».

بعدما أكّد غسّان تويني أنّ «الهدف السّوريّ هو إسقاط الاتّفاق، والهدف اللّبنانيّ تنفيذ الانسحاب الإسرائيليّ والسّوريّ والفلسطينيّ»، جزم الرّئيس أنّ الاتّفاق «نهائيّ نتمسّك به إلّا إذا وُجِدَ حلّ أفضل له. علينا وضع استراتيجيا تطبيقه. المصادقة عليه في مجلس النّوّاب ضمن المهل العاديّة وإبقاء الإبرام في يَدِ رئيس الجمهوريّة كورقة ضغط في ضوء المقتضيات».

عقّب جان عبيد: «صدقيّتنا لم تعد موضوع بحث، وقد أعطينا أكثر من دليل، وعدم الإبرام يُبقي الباب مفتوحاً مع السّعوديّة وسوريا. على الجبهة الدّاخليّة الإسراع في مصالحة جنبلاط مع القوّات اللّبنانيّة واستعماله كورقة ضاغطة على سوريا (...)».

التقط جان عبيد باكراً الإشارة السّلبيّة السّوريّة الموحِيَة بما يتجاوز رفض الاتّفاق مع إسرائيل إلى تقويضه. لم يكن حُلَفاء دمشق اللّبنانيّون كوليد جنبلاط ونبيه برّي وعاصم قانصو، بعيدين من توجيه الانتباه إلى استعدادهم الانخراط في مغامرة إسقاطه أيّاً تكن الأثمان. في المقابل ـ بالإضافة إلى امتناعه عن إبرامه بعد توقيعه في 17 أيّار 1983 ـ ظلّ أمين الجميّل متمسّكاً به من دون وضعه موضع التّنفيذ إلّا تبعاً للبنود المتّفق عليها. أبقاه ورقة في يَدِهِ، وفي قرارة نفسه الدّفاع عنه إلى الدّقيقة الأخيرة من دون إيصاد الأبواب أمام العودة إلى النّصّ الأصليّ أو الذّهاب إلى خيارات بديلة.

حافظ الأسد متوسطاً الرئيس أمين الجميل (يسار) ورئيس الحكومة اللبنانية شفيق الوزان (أرشيف أمين الجميل)

مأزق الاتفاق مع إسرائيل

كتب إليه جان عبيد في 4 يونيو (حزيران) 1983 مقدّماً له تصوّراً للخروج من مأزق الاتّفاق، من غير أن يفقد لبنان سَعْيَهُ إلى انسحاب الجيوش الأجنبيّة من أراضيه. تقرير أعدّه لعرض اقتراحات حيال التّحرّكَيْن الخارجيّ والدّاخليّ، في صفحات ثلاث ختمها بعبارة فرنسيّة أوردها بخطّه ثلاث مرّات: «Distance, Distance, Distance».

من ثمّ كتب: «إنّ إبقاء شيء من المسافة من قبلنا تجاه الاتّفاق يفيد في رفع ثمنه، وربّما العمل مع الأميركيّين ليجري تنفيذه من طرف واحد. العمل لتنفيذه من طرف واحد في معزل عن شرط الانسحاب السّوريّ ـ الفلسطينيّ فكرة يمكن طرحها وجرّ الأميركيّين إليها بموقف فيه بعض المسافة. كما أنّ الوجه الآخر لهذه الفكرة الّتي اقترحتها، فكرة الـ«Distance»، هو ما عبّرتم عنه جيّداً في قولكم إنّ هذا الاتّفاق لا نتخلّى عنه إلّا بما هو أفضل منه. أقترح أن يكون الـ«Thème» الأساسيّ مع العرب، وربّما مع السّوريّين في المستقبل، على هذا النّحو. هذا يعني القول لهم إنّ لبنان على استعداد لتمزيق الاتّفاق واعتباره منتهياً إذا أمّنتم الآن انسحاباً سوريّاً وفلسطينيّاً شاملاً. هذه الورقة مهمّة. التّوقيع، رغم التّحفّظات، يمكن هنا أن يتحوّل في يَدِنا إلى ورقة مع السّعوديّين والسّوريّين للمساومة، والحصول على الهدف من التّوقيع: الانسحاب. أقترح أن نعتمد هذا الاتّجاه كـ«Thème» و«Distance»، خاصّة الفكرة الّتي أطلقتموها في الاجتماع أنّ إمكاناً كبيراً للمساومة يكمن هنا».

(...)

صورة أرشيفية للرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)

رفعت الأسد: فوهات المدافع السورية ستمطر الجميل حتى يأتي إلينا

أذنت القمّة اللّبنانيّة ـ السّوريّة الأولى بمصالحة الرّئيسَيْن والدّولتَيْن، إلّا أنّها توخّت كذلك تكريس التّحوّل من حقبة إلى أخرى. حتّى عشيّة حصولها، لم يتردّد رفعت الأسد في القَوْل لميشال سماحة إنّ فوهات المدافع السّوريّة ستظلّ تمطر قذائفها إلى أن يصعد أمين الجميّل في الطّائرة ويهبط في مطار دمشق. كان جان عبيد أوّل مَن علم بموعد القمّة في ضوء رسائل تبادلها وعبد الحليم خدّام ونقلها بينهما سائقه جورج عوض. آخرها في 26 فبراير (شباط) قبل ثلاثة أيّام من انعقادها. تأخّر تعيينها إلى ما بعد حصول دمشق منه على إيضاحات تتّصل بمواقف الرّئيس من إلغاء اتّفاق 17 أيّار كضمان مسبق، وتوجيهه ـ بتكليف منه ـ رسائل بذلك.

بانتهاء أعمالها بين 29 فبراير (شباط) والأوّل من مارس (آذار)، عاد الرّئيس ومرافقوه إلى بيروت صباح 2 مارس بعدما أمضوا ليلةً في رودس. في اليوم نفسه، اجتمع بوديع حدّاد مُطلعاً إيّاه على محادثات القمّة قبل أن يخلص إلى الطّلب منه اقتراح آليّة إلغاء الاتّفاق مع إسرائيل. لم يكن ثمّة محضر وثّق قمّة دمشق يستخرج منه وديع حدّاد ـ المُستبعد عنها ـ الآليّة المطلوبة. لأنّهما ممّن شاركوا فيها، إيلي سالم وجان عبيد، اجتمع بهما مستشار الرّئيس ليستعيدوا الوقائع، فيدّونها في محضر رسميّ. من غير المعتاد أو المألوف في اجتماعات الرّئيس السّوريّ تدوين الأحاديث في محاضر ما لم يأذن هو بذلك أو يطلبه. انتهى المطاف بإحالة القمّة الشّفويّة مستنداً خطّيّاً أخذ علماً به أمين الجميّل وطلب إرسال نسخة منه إلى دمشق للحصول على موافقتها. خلال ساعات، تلقّى إيلي سالم جواباً فاتراً: يحتاج المحضر إلى تعديل. أُعيد إرساله إلى بيروت معدّلاً بخطّ عبد الحليم خدّام كي يحظى بتوافق سوريّ ـ لبنانيّ على محتواه، رمى إلى أن يكون مرجعيّة قرار إلغاء اتّفاق 17 أيار.

غداة العودة في 3 مارس، ترأّس اجتماعاً شارك فيه إيلي سالم ووديع حدّاد وجان عبيد وسيمون قسّيس. أخرج ورقة وقرأها على الحاضرين على أنّها صيغة إلغاء اتّفاق 17 أيار كان أعدّها، بتكليف من إيلي سالم، نائب بيروت الواسع الثّقافة الدّستوريّة نصري المعلوف، قائلاً للحاضرين إنّها الّتي سيقرّها لاحقاً مجلس الوُزَراء.

وَجَدَ جان عبيد النّصّ غامضاً. يُلغي الاتّفاق من دون أن يُلغيه بالفعل ويعلّقه على التّفاهم مع إسرائيل على ترتيبات أمنيّة في الجنوب. للفَوْر، أكّد له أنّ سوريا لن ترضى به وقد تبادر إلى استخدام العنف مجدّداً. قال ـ هو العالم بمداولات القمّة الثّنائيّة ـ إنّ المتّفق عليه هناك لا يُعبِّر عنه النّصّ المطروح. عِنْدَئِذٍ، أُثير اطّلاعها عليه تفادياً للأسوأ. كُلّف إيلي سالم وجان عبيد التّوجّه إلى دمشق في اليوم التّالي، في 4 مارس، مزوّدَيْن نصّ نصري المعلوف الّذي طواه عبد الحليم خدّام بعدما قرأه سريعاً ووضعه جانباً من دون إيلائه الاهتمام اللّازم. ليس ما فعل إلّا واحداً ممّا اعتاد أصدقاؤه اللّبنانيّون إبصاره فيه عندما يرفض أو يعترض قبل أن يفاجئهم بمناوراته وردود فعله. أدخل مدير مكتبه مصطفى الحاج علي وباشروا مناقشة النّصّ المُقنع لسوريا في ما يقتضي أن يكون عليه قرار إلغاء الاتّفاق اللّبنانيّ ـ الإسرائيليّ، المستمدّ ممّا قيل في قمّة دمشق، قبل أن يختم: «هذا هو القرار، وهذا ما ينبغي أن يَصدر عن مجلس الوُزَراء».

عاد الموفدان إلى بيروت بالصّيغة الجديدة المختلفة، كتبها بخطّه مصطفى الحاج علي. أضحى النّصّ النّهائيّ المطروح على حكومة شفيق الوزّان الّتي لن يسعها إلّا التّسليم به، والخروج بقرار هو حرفيّة ما أُعِدّ في مكتب عبد الحليم خدّام. في الغداة، في 5 مارس، دُعيت إلى جلسة استثنائيّة بعد تَراجع رئيسها عن استقالته، وأقرّت بالإجماع إلغاء القرار الّذي كان اتّخذه مجلس الوُزَراء نفسه في 14 مايو 1983 بالموافقة على الاتّفاق مع إسرائيل و«إلغاء الاتّفاق واعتباره باطلاً كأنّه لم يكن، وإلغاء كلّ ما يمكن أن يكون ترتّب عليه من آثار، وإبلاغ هذا القرار إلى الأفرقاء الموقّعين على الاتّفاق (لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة الأميركيّة بصفتها شاهدة)، وقيام الحكومة اللّبنانيّة بالخطوات اللّازمة الّتي تؤدّي إلى وضعها ترتيبات وتدابير أمنيّة تؤمّن السّيادة والأمن والاستقرار في جنوب لبنان، وتمنع التّسلّل عبر الحدود الجنوبيّة، وتحقّق انسحاب القوّات الإسرائيليّة من كلّ الأراضي اللّبنانيّة».

آرييل شارون مع قواته في جنوب لبنان خلال الاجتياح عام 1982 (غيتي)

بين 13 فبراير و28 أبريل 1984، دوَّن جان عبيد في مفكّرته يوميّات سقوط اتّفاق 17 أيّار والمرحلة التّالية. على مرّ أيّام الشّهرَيْن، سيصعد إلى مسرح يوميّاته هذه اللّاعبون اللّبنانيّون والسّوريّون جميعاً، سواء كان من حَوْلهم أو كانوا من حَوْله. شَهْرا التّحوّل في خيارات لبنان لا يلبث أن يظهر فيهما الممثّلون الرّئيسيّون والثّانويّون والمشاهد المتوالية من التّطوّرات يوردها بتفاصيلها الدّقيقة وساعاتها ومناقشاتها: التّفاهمات والخلافات، الإطراءات والشّتائم، الألاعيب والمناورات والصّدقيّة، المكر والتّحايل كما المواجهة المباشرة، المُقال وغير المُقال. فيها ما دار في الغُرَفِ المغلقة في القصور، لكن أيضاً في المكاتب والفنادق والبيوت والمآدب والصّالونات والمكالمات الهاتفيّة، وداخل الحكم والأحزاب في لبنان، وكذلك داخل سوريا الّتي مرّت وقتذاك في مرحلة خطيرة هي مرض رئيسها وتوقّع رحيله والتّفكير في خلافته وملامح بداية صراع عليها قبل أن يستعيد حافظ الأسد القبضة.

في اليوميّات تلك، كلّ لبنان على مسرحها، صباحاً أو ظهراً أو مساءً، يجتمع بهم أن يُخابرهم أو يسافر إليهم من أجل اكتمال الأحداث: أمين الجميّل وكميل شمعون وسليمان فرنجيّة وصائب سلام ورشيد كرامي وتقيّ الدّين الصّلح وكامل الأسعد وبيار الجميّل وجوزف سكاف ووليد جنبلاط ونبيه برّي وغسّان تويني وإيلي سالم ووديع حدّاد وسيمون القسّيس وإبراهيم طنّوس وجوزف الهاشم وكاظم الخليل ومحسن دلّول وخالد جنبلاط ورينه معوّض ومروان حمادة وميشال سماحة وإلياس حبيقة وميشال المرّ ورشيد الصّلح وسميح الصّلح ورفيق الحريري وعاصم قانصوه وعبد الله الرّاسي وجوني عبده وسامي الخطيب وميشال أبو جودة وفادي أفرام وفكتور موسى.

كذلك، حافظ الأسد ورفعت الأسد ومصطفى طلاس وعبد الحليم خدّام وسليم حسن ورجا صيداويّ.


مقالات ذات صلة

بيئة «حزب الله» مستاءة من تعويضات «لا تكفي إيجار ستة أشهر»

المشرق العربي جندي لبناني يتفقد الدمار في مدينة النبطية الناتج عن الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان يوم 21 يونيو 2026 (رويترز)

بيئة «حزب الله» مستاءة من تعويضات «لا تكفي إيجار ستة أشهر»

أشعلت المبالغ المالية التي أعلن «حزب الله» عن استعداده لصرفها للنازحين من جنوب لبنان وضاحية بيروت، أزمة داخلية ضمن البيئة الجنوبية، باعتبار تلك المبالغ «زهيدة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون قرب نهر الليطاني في جنوب لبنان (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

هل توسّع إسرائيل حزامها الأمني في جنوب لبنان؟

رفعت إسرائيل سقف تهديداتها بتوسيع احتلالها في جنوب لبنان، مع تلويح وزير دفاعها، يسرائيل كاتس، بإضافة منطقتَي النبطية والليطاني إلى ما وصفها بـ«المنطقة الأمنية».

صبحي أمهز
المشرق العربي مبنى «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (المصرف)

لبنان يلغي الترخيص المحلي لبنك «صادرات إيران»

ألغى «مصرف لبنان» هذا الأسبوع الترخيص المحلي لبنك «صادرات»؛ أحد أكبر البنوك الإيرانية، وسط ضغوط الولايات المتحدة...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)

مساعد عراقجي في بيروت يستطلع هواجس «الثنائي الشيعي»

توقفت الأوساط السياسية على اختلاف مشاربها أمام الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بالرئيس جوزيف عون، والذي تلازم مع وصول مساعده إلى بيروت.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي فعالية دينية سابقة في بلدة بعبدات في جبل لبنان (مواقع تواصل)

ملف شراء متموّل شيعي لعقارات في جبل لبنان ينتقل إلى القضاء

انتقلت المعلومات عن شراء متمول شيعي لعقارات واسعة في جبل لبنان، من التراشق الإعلامي إلى القضاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إسرائيل تواصل التدمير وتوسع نطاق عمليات سيطرتها داخل غزة

فلسطينيون يبحثون عن ناجين تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي ليلاً في «مخيم المغازي» (أ.ب)
فلسطينيون يبحثون عن ناجين تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي ليلاً في «مخيم المغازي» (أ.ب)
TT

إسرائيل تواصل التدمير وتوسع نطاق عمليات سيطرتها داخل غزة

فلسطينيون يبحثون عن ناجين تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي ليلاً في «مخيم المغازي» (أ.ب)
فلسطينيون يبحثون عن ناجين تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي ليلاً في «مخيم المغازي» (أ.ب)

واصل الجيش الإسرائيلي هجماته الجوية في قطاع غزة، مخلفاً مزيداً من الضحايا، تزامناً مع توسيع نطاق عملياته براً واستمراره بنسف ما تبقى من منازل وبنايات داخل «الخط الأصفر»، وهي المنطقة التي يواصل توسيعها لبسط سيطرته عليها بعد أن وصلت إلى أكثر من 66 في المائة من مساحة القطاع.

عائلة وضعت خيمتها فوق أنقاض منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية في مدينة غزّة (أ.ب)

وأعلن عن وفاة شاب فلسطيني، صباح الجمعة، متأثراً بجروح حرجة أصيب بها إثر غارة استهدفته قبل منتصف الليل أثناء سيره على الأقدام في «حي الشيخ رضوان» شمال مدينة غزة، فيما أصيب 6 فلسطينيين بينهم أطفال ونساء نتيجة غارة ليلية أيضاً استهدفت شقة سكنية في «حي النصر» شمال غربي المدينة.

كما أصيب قبل ظهر الجمعة 3 فلسطينيين بإطلاق نار من آليات ومسيرات إسرائيلية عند مناطق قريبة من «الخط الأصفر» شمال قطاع غزة، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قضى الخميس، على محمد خلة، أحد قادة ركن التصنيع العسكري في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» بغارة استهدفته في «منطقة الصفطاوي»، بينما تم القضاء على أحمد دحلان من نشطاء «الجهاد الإسلامي» بغارة في خان يونس.

جانب آخر من الدمار في «مخيم المغازي» (أ.ب)

ومساء الخميس، قصفت طائرات حربية إسرائيلية منزلين في «مخيم المغازي» وسط القطاع، تزامناً مع قصف بناية وأرض يوجد بها خيام للنازحين في وسط وغرب مدينة غزة، بعد طلب إخلائها قبل قصفها.

وبفعل هذه الغارات التي تكررت في الأيام الأخيرة، فقد الآلاف من سكان قطاع غزة، منازلهم التي كان بعضها لا يزال سليماً، أو متضرراً جزئياً، لينضموا إلى أكثر من مليون ونصف مليون نازح، يعيش غالبيتهم في خيام بالية.

ولم يصدر الجيش الإسرائيلي بياناً حول تلك الاستهدافات، إلا أنه في أحداث سابقة، زعم أن الغارات تستهدف تدمير مخازن أسلحة لحركتي «حماس»، و«الجهاد الإسلامي».

عائلة فلسطينية تطل على دمار الغارات الليلية في مدينة غزة (رويترز)

وأتت تلك الغارات الجوية تزامناً مع تسيير الجيش الإسرائيلي لعربات عسكرية قديمة مفخخة بأطنان من المتفجرات، إلى مناطق شرق مدينة غزة، وتحديداً حيي «التفاح» و«الشجاعية»، ما تسبب في سلسلة انفجارات عنيفة.

ورصد مراسل «الشرق الأوسط» 7 عمليات نسف على الأقل خلال ساعات الليل والصباح الباكر، وكل عملية منها كانت أشدّ من الأخرى، وكان يسمع دويها في مناطق واسعة من القطاع، ما تسبب في حالات هلع في أوساط الأطفال والنساء خاصة... كما سمع دويها لدى سكان المستوطنات والبلدات الإسرائيلية المحاذية والذين يتلقون عادة إشعارات مسبقة من الجيش بنيته تنفيذ هجمات واسعة.

وعقب عمليات النسف تلك، قامت آليات هندسية إسرائيلية، بتغيير موقع المكعبات الصفراء التي تشير إلى «الخط الأصفر»، عشرات أو مئات الأمتار، داخل مناطق جديدة في القطاع.

وقال ضباط في الجيش الإسرائيلي، إنهم يعملون «على كشف المزيد من الأنفاق داخل منطقة الخط الأصفر بهدف تدميرها».

وأعلن ناطق عسكري في بيان له، الخميس، عن تدمير نفق يبلغ طوله نحو 1.5 كيلو متر داخل منطقة ذلك الخط جنوباً، فيما أنهت «الفرقة 99» عملياتها شمالاً بعد 4 أشهر، دمرت خلالها نحو 8 كيلو مترات من الأنفاق.

نازحة فلسطينية من بيت حانون تتقاسم مع أطفالها طعاماً حصلت عليه من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويأتي التصعيد الميداني، تزامناً مع تفاقم الوضع الإنساني والصحي لسكان قطاع غزة، مع استمرار فرض القيود الإسرائيلية على حركة السفر والبضائع والتحكم بدخولها.

ونشرت وزارة الصحة في غزة بياناً بمناسبة «يوم الغذاء العالمي»، أكدت فيه أن معدلات سوء التغذية والتجويع في القطاع «بلغت مستويات كارثية تفتك بالأطفال وكبار السن والفئات الهشة، مشيرةً إلى أنه تم تسجيل 466 حالة وفاة منذ عام 2024، بينها 157 طفلاً (ثلث إجمالي الوفيات بفعل التجويع).

وبينت «أن هناك توقعات بأن يواجه أكثر من 1.4 مليون فلسطيني (67 في المائة من السكان) مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ حتى نهاية عام 2026، استمراراً لإعلان المجاعة رسمياً في محافظة غزة في أغسطس (آب) 2025».

وأشارت إلى أنه تم تسجيل 158,001 حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون الخامسة منذ 2024 حتى أغسطس 2026 (منها 28,716 حالة شديدة تهدد الحياة). لافتةً إلى ارتفاع معدل وفيات الأطفال دون الخامسة من 13.6 إلى 33.4 لكل ألف مولود حي بين عامي 2022 و2025، ويعاني 12.2 في المائة من الأطفال من التقزم.

فلسطينية تحصل على وجبة طعام ساخنة من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

وتوقعت حاجة 74,200 طفل إلى علاج سوء التغذية الحاد حتى أبريل (نيسان) 2027، فيما ترتفع نسبة فقر الدم بين الحوامل إلى 61 في المائة في عام 2026 (بعد أن كانت 41 في المائة قبل الحرب)، وتم تسجيل قرابة 4,000 حالة فقدان حمل في النصف الأول من عام 2026 (أكثر من 3 أضعاف الأشهر الستة السابقة)، مبينةً أنه تم تصنيف حالة حمل من كل ثلاث على أنها «عالية الخطورة».

كما أشارت إلى أن كبار السن يشكلون النسبة الأعلى من وفيات سوء التغذية بواقع 189 مسناً (40.5 في المائة من إجمالي الوفيات)، مبينةً أن هناك مسنين «لا يتناولون أي وجبة خلال يوم كامل»، و48 في المائة قلصوا حصصهم لصالح أسرهم، فيما أوقف أو خفض 68 في المائة منهم، جرعات أدويتهم بسبب نفادها.


مجلس الشعب السوري... تحدي الانتقال من الإجراءات التنظيمية إلى الدور التشريعي

جلسة لمجلس الشعب السوري (أرشيفية - حسابه على «فيسبوك»)
جلسة لمجلس الشعب السوري (أرشيفية - حسابه على «فيسبوك»)
TT

مجلس الشعب السوري... تحدي الانتقال من الإجراءات التنظيمية إلى الدور التشريعي

جلسة لمجلس الشعب السوري (أرشيفية - حسابه على «فيسبوك»)
جلسة لمجلس الشعب السوري (أرشيفية - حسابه على «فيسبوك»)

يترقب الشارع السوري باهتمام كبير الجلسة المقبلة لمجلس الشعب يوم الأحد المقبل، وسط تطلعات ببدء مسار العمل البرلماني، بما يُسهم في تلبية متطلبات المرحلة الحالية، وإقرار القوانين والتشريعات المؤجلة التي يرجعها كثيرون إلى الإيقاع البطيء المسيطر على المناقشات، ما يضع المجلس أمام مسؤولية الانتقال السريع من الإجراءات التنظيمية إلى الدور التشريعي الفعلي.

وأكدت مصادر برلمانية وأعضاء في حديث لـ«الشرق الأوسط»، عقد الجلسة المقبلة لمجلس الشعب يوم الأحد؛ حيث يفترض أن تخصص مساحة واسعة منها لعمليات التصويت والإقرار وتشريع حزمة من القوانين المدرجة على جدول الأعمال «لتحريك عجلة الإصلاحات القانونية المقررة».

أعضاء مجلس الشعب السوري خلال التصويت على النظام الداخلي يوليو الماضي (المجلس)

وتكتسب الجلسة أهمية استثنائية، بالنظر إلى طبيعة القوانين التي يفترض مناقشتها وإقرارها، والتي تُعد مؤشراً على ملامح «الاستراتيجية التشريعية» للمجلس في المرحلة المقبلة، خاصة أن مصادر برلمانية أكدت أن «جدول الأعمال لن يقتصر على مناقشة الجوانب الإجرائية المعتادة، بل سيمتد ليشمل حزمة من مشروعات القوانين والمراسيم المؤجلة التي تتطلب قراءات قانونية معمقة، وإقراراً عاجلاً لتحديث بعض البنى الإدارية والتنظيمية».

وتأتي على رأس أولويات هذه الجلسة مراجعة الأطر القانونية المنظمة لقطاعات حيوية، وفي مقدمتها مشروع قانون الخدمة المدنية، إلى جانب بحث الآليات التشريعية الكفيلة بتسوية ملف عودة الموظفين المفصولين بسبب انحيازهم إلى الثورة السورية والمنشقين إلى رأس عملهم، وسط نقاشات برلمانية مستفيضة داخل اللجان المختصة التي عكفت على صياغة التعديلات المقترحة.

وفي سياق متصل، تشير المصادر البرلمانية إلى أن النقاشات لن تقتصر على المقترحات النيابية فحسب، بل ستتركز بشكل رئيسي حول مشروعات القوانين المحالة رسمياً من رئاسة الجمهورية، والمتعلقة بالملفات الإدارية والوظيفية نفسها.

مبنى مجلس الشعب وسط دمشق (رويترز)

وتكتسب هذه القوانين الرئاسية أهمية بالغة، كونها تضع أطراً تشريعية حاسمة لإعادة هيكلة الوظيفة العامة عبر بوابة الخدمة المدنية، وتوفر غطاءً قانونياً متكاملاً يسهل إجراءات إعادة المفصولين إلى تسوياتهم الوظيفية بشكل منظم وسريع.

وتتضمن هذه القوانين تعديلات على القرار رقم «148» لعام 1949، المتضمن فرض عقوبة السجن أو غرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة لكل من ترك العمل أو انقطع عنه من العاملين في القطاع العام أو المشترك قبل صدور الصك القاضي بقبول استقالته، بالإضافة إلى مقترحات قانونية تخص إلغاء بعض القوانين الصادرة بعد الثورة السورية، والمتعلقة بآليات التوظيف والشواغر الوظيفية.

وإلى جانب القوانين الناظمة للوظيفة العامة، تُطرح تحت قبة البرلمان حزمة من الرؤى المتعلقة بالضوابط القانونية لبعض الاستخدامات والحيازات العقارية المرتبطة بالجهات العامة، وذلك من بوابة المراجعة التشريعية لبعض الصلاحيات الممنوحة لقطاعات حكومية محددة خارج نطاق التطوير العقاري أو التنظيم الحضري، بهدف حصر قنوات الإشراف العقاري وفق المقتضيات التنموية الجديدة.

كما يُتوقع أن تتقاطع المداولات في المرحلة المقبلة مع قراءات قانونية لبعض التشريعات الخاصة بالمناطق ذات الخصوصية الجغرافية والحدودية، ممثلة في القانون رقم «41» لعام 2004، بناءً على مقترحات وأوراق عمل جرى تداولها من قبل بعض الأعضاء لإعادة تقييم الأطر التنظيمية الحاكمة لتلك المساحات.

المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق يوم 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

قطار التشريع

وتُشير القراءات الأولية للمسار العام داخل مجلس الشعب إلى أن التباطؤ النسبي في انطلاق قطار التشريع يعود إلى اعتبارات مؤسسية وهيكلية فرضتها مرحلة التأسيس الحالية، التي استهلكت جهداً مكثفاً تَركَّز حول حتمية صياغة وإقرار مسودة النظام الداخلي؛ حيث جرى تشكيل اللجان، وبدأت التعرف على مساحات عملها في نطاق اختصاصاتها وتثبيت اللوائح القانونية الحاكمة لعمل الأعضاء، وهي خطوة ضرورية لضمان حوكمة الأداء التشريعي، وتفادي العمل والطروحات العشوائية، حسب عضو مجلس الشعب رفاعة عكرمة.

وأكد عكرمة أن الدور التشريعي سيبدأ خلال جلسة يوم الأحد، بعد انتهاء الدور الاستثنائي الذي شهد انتخاب مكتب المجلس، واعتماد نظامه الداخلي، وتشكيل اللجان، وإلغاء قانون محكمة الإرهاب ومفاعيله، إلى جانب عقد جلستي استماع لوزيرَي الطاقة والتربية، ومناقشة عدد من المقترحات التي تقدم بها النواب.

وفي الوقت ذاته، يشير رفاعة عكرمة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى «أن جدول أعمال الجلسة المقبلة لم يوزع بعد على الأعضاء، وبالتالي لا يمكن الجزم بنوعية الملفات المفترض طرحها».


رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
TT

رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)

دعا القاضي فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق البرلمانَ إلى مراجعة أحكام الدستور وإجراء التعديلات اللازمة «بما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب»، ما فسره خبراء في القانون على أنه دعوة لتشكيل لجنة تأسيسية تقود إلى «عقد اجتماعي جديد للبلاد».

وقال رئيس القضاء الأعلى في بيان صحافي مساء الخميس، بمناسبة الذكرى الـ21 للاستفتاء على الدستور عام 2005، إن البرلمان «أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة وفق الآليات التي رسمها الدستور، وبما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب».

ودعا زيدان إلى «تحديث التشريعات بما يواكب متطلبات الدولة وتطور تجربتها الديمقراطية، ويعزز سيادة الدولة والقانون، ويقوي مؤسساتها، ويصون حقوق المجتمع وحريات الأفراد في ظل النظام الديمقراطي التعددي الذي نطمح إليه جميعاً».

وأضاف أن «احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة».

وذكر زيدان أن «التجربة كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)، وغيرها من الفقرات الجدلية».

وكان زيدان قد كتب في مارس (آذار) الماضي مقالاً في «الشرق الأوسط»، محذراً من «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور». وأشار حينها إلى أن «الاجتهاد الخاطئ في تفسير النص الدستوري، خصوصاً إذا وافق مصالح سلطة معينة، يُنظر إليه على أنه انحياز سياسي، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في استقلال القضاء الدستوري ونزاهته».

رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)

«عقد اجتماعي جديد»

وبشأن الدعوة إلى إعادة النظر في الدستور، قال الخبير القانوني سيف السعدي إن «القاضي فائق زيدان يجهز الرأي العام لتعديل جراحي وليس تجميلياً للدستور».

وأشار السعدي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى «الفرق بين ما تعمل عليه الكتل السياسية في تعديل فقرة أو فقرات بعينها وفق مصالح سياسية، وبين مقاصد القاضي زيدان في قوله (إعادة النظر في الدستور) الذي يعني لجنة تأسيسية جديدة تعد عقداً اجتماعياً جديداً».

من جهته، رأى صلاح العرباوي رئيس حركة «وعي»، أنه «من الطبيعي الدعوة إلى إعادة النظر في دستور مضى عليه أكثر من عقدين، لا سيما النصوص الإشكالية»، داعياً في حديث مع «الشرق الأوسط» البرلمان العراقي إلى «تفعيل لجان تعديل الدستور مرة أخرى؛ لإنجاز التعديلات الممكنة وعرضها على الشعب للاستفتاء عليها».

أما باسل حسين، رئيس «مركز كلواذا للدراسات»، فقد اعتبر «دعوة رئيس مجلس القضاء إلى فتح باب المراجعة الدستورية استكمالاً لما طرحه سابقاً في هذا الصدد، لكنه هذه المرة يتوسع في تشخيص الإشكالات التي كشفها التطبيق، ويضعها في مقدمة الحاجة إلى تعديل الدستور، لا سيما ما يتعلق بتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)، والأغلبيات المطلوبة داخل مجلس النواب، وآلية انتخاب رئيس الجمهورية».

وقال حسين، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «غموض بعض النصوص في الدستور أدى إلى اجتهادات متضاربة عطّلت استحقاقات دستورية وأخّرت تشكيل السلطات، ما يجعل معالجة هذه الثغرات ضرورة تتجاوز حدود التفسير إلى مراجعة النصوص نفسها».

قضاة من بغداد وأربيل خلال ندوة عن الدستور العراقي (أرشيفية - إعلام حكومي)

تاريخ من الخلاف والتعطيل

منذ إقرار دستور عام 2005، برزت خلافات بشأن تفسير عدد من مواده، ولا سيما «المادة 76» المتعلقة بتكليف مرشح الكتلة النيابية «الأكثر عدداً» بتشكيل الحكومة، و«المادة 70» الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية. وأسهم التباين في تفسير هذه الأحكام في تعقيد المفاوضات بين القوى السياسية، خصوصاً في ظل عدم امتلاك أي طرف القدرة على حسم الاستحقاقات منفرداً.

ويتمثل أحد أبرز أوجه الخلاف في تحديد مفهوم «الكتلة النيابية الأكثر عدداً»، وما إذا كانت تعني القائمة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، أم تحالفاً يتشكل داخل مجلس النواب بعد إعلان النتائج. وقد أتاح تفسير المحكمة الاتحادية العليا الصادر عام 2010 اعتماد المفهومين، ما جعل تشكيل التحالفات بعد الانتخابات عاملاً مؤثراً في تحديد الجهة التي تتولى تشكيل الحكومة.

ولم تقتصر الانعكاسات على تشكيل السلطة التنفيذية؛ إذ أدى الخلاف على شروط انعقاد جلسات انتخاب رئيس الجمهورية والنصاب المطلوب له إلى تعطيل هذا الاستحقاق في مراحل مختلفة. ففي عام 2022، أخفق البرلمان مراراً في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وسط انقسامات بين القوى السياسية ومقاطعة جلسات التصويت، قبل أن تنتهي الأزمة بانتخاب عبد اللطيف رشيد في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بعد نحو عام على الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2021.

وأظهر ذلك أن المهل الدستورية، رغم تحديدها مواعيد لإنجاز الاستحقاقات، لم تكن كافية وحدها لضمان انتقال سلس للسلطة في ظل غياب التوافق السياسي. كما أسهم تداخل الخلافات القانونية مع حسابات التحالفات الحزبية في إطالة أمد المفاوضات، وتأخير تشكيل الحكومات، وإبقاء المؤسسات في حالة انتظار إلى حين التوصل إلى تسويات بين الأطراف المعنية.