وائل مهدي
صحافي سعودي متخصص في النفط وأسواق الطاقة، عمل في صحف سعودية وخليجية. انتقل للعمل مراسلاً لوكالة "بلومبرغ"، حيث عمل على تغطية اجتماعات "أوبك" وأسواق الطاقة. وهو مؤلف مشارك لكتاب "أوبك في عالم النفط الصخري: إلى أين؟".
TT

الموظف الخائف

استمع إلى المقالة

هناك العديد من القصص والدراسات التي اطلعت عليها والتي تثبت أن الموظفين يحفزهم الخوف من فقد الامتيازات والوظيفة أكثر من حرصهم على الحصول على امتيازات جديدة؛ أي بمعنى آخر نحن البشر يحفزنا الخوف من الفقد أكثر من المتعة بالاكتساب. ورغم أن هذا الاستنتاج منتشر في العديد من المقالات في علم الإدارة، فإنه كذلك حقيقة دينية نجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى: «يدعون ربهم خوفاً وطمعاً»؛ إذ قدم الله الخوف على الطمع.

وهناك قصة من واقع الشركات الكبرى توضح كيفية تعامل الموظفين مع فقد المميزات. ففي عام 1998 كان لدى مصرف «غولدمان ساكس» برنامج لتقديم الأطعمة الصحية والمشروبات للموظفين. وبعدها بعامين عندما انهارت أسهم شركات التكنولوجيا، قررت الشركة تطبيق بعض إجراءات لخفض التكاليف، فألغت تقديم الأطعمة، ولكنها أبقت على المشروبات، ثم بعدها بفترة ألغت كل هذا، وألغت حتى تقديم الشوك والملاعق البلاستيكية للموظفين.

كثير من الموظفين في «غولدمان ساكس»، أحسوا بمشاعر سلبية بعد إلغاء كل هذه الامتيازات التي هي في الأصل ليست أساساً يتم تقديمه في أي مكان، بل هي امتياز قابل للإلغاء في أي وقت.

ولهذا عندما نفكر في الموظف، أياً كان، ونراقب سلوكه، فسنرى أن الموظفين عقليتهم تتركز حول الخوف من الفقد والخسارة، وقد يفعل الإنسان أي شيء في لحظة الخوف، وقد يكذب الشخص ويخدع ويضحي بزميله وبرئيسه من أجل البقاء في عمله.

وعليه، يمكننا القول إن اختبار الخوف هو أصعب اختبار للإنسان، ومن هنا نجد في القرآن الكريم آية تقول: «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين».

وبسبب الخوف يتحمل الإنسان أموراً لا يطيقها، وهناك العديد من القصص التي نشاهدها كدليل على ذلك.

أحد الموظفين الذين تعينوا حديثاً في إحدى الشركات، لم يكن مرغوباً في مكان عمله، وقد يكون ذلك بسبب عدم كفاءته للمكان أو لعدم توافقه مع مديريه. بغض النظر عن الأسباب، أدى هذا الوضع لمتاعب نفسية لهذا الموظف، ومع هذا أصر على البقاء في مكان عمله الذي لا يطيقه؛ فقط لأنه خائف من فقدان الوظيفة.

غالبية الموظفين يحبون مناطق الراحة، ويفضلونها على التحول إلى مكان جديد، وهذا بسبب خوف الإنسان من المخاطرة؛ إذ إن القاعدة تقول إن الإنسان عدو ما جهل حتى لو كان القادم أجمل. والخوف هنا درجات بحسب مكان الشخص الوظيفي. أكثر الناس خوفاً هم الموظفون بلا مهارة، وهؤلاء هم السواد الأعظم من الموظفين، الذين لا يمتلكون سوى مهارة واحدة على الأقل، أو يفهمون مجالاً واحداً فقط، أو باختصار لا يمتلكون أي مهارات مهمة على الإطلاق.

هذه النوعية من الموظفين هم الأكثر حرصاً على عدم التعلم والتطور، ويزاولون الأعمال فقط دون تفكير. وبالتالي من السهل الاستغناء عنهم، ونجدهم بسبب حالة الخوف الدائم كثيري الشكوى على مؤسساتهم ومديريهم.

غالبية هؤلاء الموظفين يمكن الاستغناء عنهم بتطبيق إلكتروني أو عملية أتمتة أو أجهزة معينة؛ لأنهم يعملون ولكن لا يمتلكون مهارات أو قدرة عالية على التفكير.

يليهم في ترتيب الخوف الموظفون الذين يشغلون مناصب إدارية، وهؤلاء يمتلكون مهارات عالية بسبب قدرتهم على التشغيل وإدارة الأشخاص، ولهذا يستطيعون الانتقال إلى أماكن أخرى بسهولة ولا يجدون صعوبة في ذلك، لكن مع هذا كثير منهم متخصص في مجالات ضيقة لا تعمل بها سوى شركات محددة، أو وصلوا لأماكنهم بطريقة غير عادلة، وبالتالي نجدهم يخافون على فقدان المكتسبات ويسحقون كل فرص نجاح من تحتهم حتى لا يظهر منافس لهم.

وآخر مراتب الخوف هي للموظفين الذين يعملون في قمة الهرم الإداري. هؤلاء هم الأقل خوفاً؛ لأنهم سر نجاح أي مؤسسة، وهم القادة الذين يخططون للاستراتيجيات. هؤلاء تحتاجهم السوق ولديهم وضع مادي مريح يجعلهم في مأمن من الهزات، إلا أن بعضهم كذلك قد يصل إلى الأعلى بشكل غير عادل، وبالتالي سيتصرف بدافع الخوف.

وهنا نسأل: ما الذي يجعل الموظف يترك مكان الراحة في وظيفته الحالية، والشركة تتجاوز حاجز الخوف في التوظيف للموظفين الجدد؟! الإجابة هي التكلفة المناسبة. إذا تجاوزت تكلفة الانتقال تكلفة البقاء في منطقة الراحة، سيكون القرار سهلاً. ونفس الأمر للشركة؛ إذ هناك تكلفة الخسارة إذا لم يتم ضم هذا الموظف والفرص الضائعة.

إذاً، الخلاصة هي أن الخوف هو الأساس، ولكن هناك أدوات لمواجهة الخوف، وهي اكتساب المهارات والخبرات والترقي على أساس المهارة لا الواسطة أو المحسوبية أو التحزبات داخل المؤسسات. وبالتالي نصيحتي لكل الموظفين الخائفين، عليكم التحلي بالإيمان؛ لأن اختبار الفقد والخوف صعب. يجب أن نؤمن بعدالة الله، ونؤمن بقدراتنا، أو على الأقل يكون لدينا قدرات في الأصل لكي نؤمن بها، حينها الانتقال من مكان إلى آخر يصبح أمراً سهلاً، ولن تكون هناك مخاوف ترك أماكن الراحة.