إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

باريس... زحام على الشعلة الأولمبية

استمع إلى المقالة

إنَّه إعلانٌ شديدُ الإغراء، تقرؤه منشوراً في الصحف أو معلقاً على جدران المباني الرسمية. هل تريد أنْ تحملَ الشعلةَ الأولمبية؟ لا يهم عمرُك أو لونُك أو جنسُك. وحتى لو كنت من ذوي الاحتياجات الخاصة فإنَّ من حقك التقدم بطلب للمشاركة في حمل الشعلة الموقدة بمناسبة الألعاب الأولمبية التي تقام في باريس، الصيف المقبل. تستعد العاصمةُ الفرنسية بكل مرافقها ومعالمِها الحضارية لاستقبال الحدث، وعلى ساكنيها أن يستعدوا من الآن، أي أن يكونوا مُضيفين جيّدين، أو أن «يهجّوا» إلى مكان آخر طوال فترة المعمعة.

تقام مراسمُ إيقادِ الشعلة في أثينا في الربيع المقبل، قبل 79 يوماً من افتتاح الدورة. ومن مرفأ «بيريه» في اليونان تتَّجه بحراً نحو فرنسا تشيّعُها 3 سفن من ذوات الصواري. سيعبر ناقلو الشعلة 400 مدينة وقرية، ويتناوب على حملها 10 آلاف رجلٍ وامرأة، قبل الوصول بها إلى برج إيفل. والإعلان المذكور أعلاه يدعوك لأن تكونَ أحدَهم. يقول لك إنَّ حملَ الشعلة فرصتُك الفريدةُ للتعريف بمنطقتك وتراثها ومناسبة لتعزيز مكانةِ الرياضة في المجتمع. يتحمَّسُ الشبابُ للدعوة ويتصوَّر كلٌ منهم أنَّه سيدخل التاريخ.

تجري القرعةُ على أسماءِ المتقدمين وتتولَّى اللجنةُ الأولمبية فحصَ بياناتهم. هناك من ينجح ومن يفشل. معنى هذا أنَّ تقديم الترشيح لا يعني أنَّك وضعت بطاقة المشاركة في جيبك. فإذا كنت سعيدَ الحظ ووقع الاختيارُ عليك بين حاملي الشعلة، فإنَّك ستكون واحداً ممن تلاحقه الكاميرات وهو يمرّ بقوس النصر والشانزليزيه واللوفر وجسر ألكسندر الثالث وكاتدرائية نوتردام وغيرها من المعالم الشهيرة، قبل بلوغ البرج. وإذا لم يحالفك الحظ يمكنك التعويضُ بحمل شمسيةِ صديقتك والجري وراءها في صيف قائظ آخر.

استعداداً للمناسبة، يجري كِراءُ نهرِ السين وتنظيفه من الشوائب ليكون صالحاً للمسابقات المائية. غاصَ الغواصون وأخرجوا آلاف الزجاجات وأكياس القمامة. عثروا على دراجات هوائية وعربات تسوق وأيضاً وجدوا سيارة. كانت مجاري المياه الثقيلة ومخلفات المصانع تصبُّ في النهر الذي يشقّ باريس إلى ضفتين، يمنى ويسرى. بقيت السباحة ممنوعة فيه حتى تطهّر بفضل الدورة الأولمبية.

كثيرٌ من أهل العاصمة مصابون بهوس تأجير بيوتهم وشققهم للزوار الأجانب الذين سيتابعون الدورة. لكنَّ غيرهم يفكر بالفرار من زحام الصيف المقبل. شوارع مغلقة وسيارات ممنوعة من المرور. وهناك رجل أعمال وعد بتسيير «طائرات أجرة» للتنقل في فضاء العاصمة بدل سيارات الأجرة. لكن الفرارَ سيحرمك من أن ترى رؤية العين، على الطبيعة وليس على الشاشة مع مليار متفرج، مراسم افتتاح يخططون لكي يكون مبهراً.

يحاول القائمون على احتفالية باريس 2024، أن يحتفظوا بأسرار مهرجان الافتتاح. يقولون، من طرف اللسان، إنَّ المراسم ستكون ساحرة. لكن لا خفايا في زمن وسائل التواصل. وبات مؤكداً أنَّ الحفلَ لن يكون محصوراً في ملعب، بل في فضاء مفتوح. سيكون نهرُ السين حضناً له على امتداد 6 كيلومترات تنتهي عند منطقة البرج. تخيَّلوا المئات من أبطال الرياضة يتجمعون أمام مبنى المكتبة الوطنية الجديدة، شرق باريس، ثم يهبطون من مرافئ محددة ليركبوا 116 سفينة عائمة. لن يكونوا راجلين، بل سارحين على صفحة النهر بأزيائهم الموحدة، حاملين الرايات حسب البلدان. وسيكون بينهم، هذه المرة، فريق يمثل الرياضيين اللاجئين من كل الجنسيات.

حتى الصروح الشهيرة والجسور التاريخية التي تربط ضفتي النهر فصّلوا لها أزياء جديدة ترتديها في الحفل. ما الذي ستلبسه المسلّة المصرية في ساحة الكونكورد، يا ترى؟