د. ياسر عبد العزيز
TT

مشاجرة على الهواء!

استمع إلى المقالة

في الأسبوع الماضي، اندلع شجار حاد، تضمن اشتباكاً بالأيدي وتراشقاً بالألفاظ، بين سياسي وصحافي، على هواء إحدى الفضائيات اللبنانية، وبفضل هذا الشجار، أضحت قطاعات كبيرة من الجمهور العربي على علم بأسماء الضيفين المتحاربين، وباسم البرنامج الذي جمعهما، ومقدمه، والمحطة الفضائية التي بثت الواقعة، لكن كثيرين من المتابعين لم يهتموا بمعرفة السبب الموضوعي الذي يكمن وراء هذه المعركة، ولا السياق الذي اندلعت خلاله.

يظن كثيرون أن عصر «السوشيال ميديا» يفسر الكثير من أنماط السلوك العمومي الحاد، ويحفّز البعض على ابتغاء الشهرة عبر الممارسات المنفلتة، وهذه خلاصة تجد ذرائع قوية لجعلها مقبولة، لكن هذا الأمر لا ينفي أبداً أن إدراك الرواج عبر الممارسات التي تفتقد القيمة كان موجوداً وفعالاً في عصر الإعلام «التقليدي» أيضاً.

وستكون قصة الإذاعات الأهلية عنواناً رئيساً في مسار البرهنة على هذه الحقيقة؛ فتلك الإذاعات التي نشأت وازدهرت في العقدين الثاني والثالث من القرن الفائت كانت ميداناً مثالياً لتأكيد هذه الخلاصة؛ إذ انطوت على قدر كبير من البذاءة والانفلات والمشاجرات العبثية في عديد البلدان، والأخطر من ذلك أن علاقة طردية أُرسيت وترسخت بين بثها المأفون من جانب، وحجم العوائد والشهرة التي تجنيها من جانب آخر.

وفي مصر، حدثت قصة موحية في ذلك الصدد؛ فعندما أشرف العقد الخامس من القرن الماضي على الانتهاء، كان المونولوجست المصري محمود شكوكو في أوج شهرته، ضمن صناعة فنية ثرية ومزدهرة آنذاك، حتى إنه حظي بكونه الفنان الوحيد الذي صُنعت له دمية أيقونية، انتشرت في البيوت والشوارع تكريساً لشهرته وإعجاب الجمهور به. وبموازاة ذلك، كان الكاتب والمفكر عباس العقاد ينجز في صومعته أعمالاً فكرية وأدبية بدأب وغزارة، وستكون تلك الأعمال لاحقاً من علامات الفكر العربي المؤثرة والمُحتفى بها، لكن صحافياً نابهاً حاول مشاغبته أثناء إجراء حوار معه؛ فسأله: من منكما أكثر شهرة... أنت أم شكوكو؟

وكان رد العقاد على السؤال مقتضباً وبليغاً في آن: من شكوكو؟

سيعود الصحافي إلى الكوميدي الهزلي، ويخبره بردّ العقاد، وهنا سيطلب الأول إليه أن يقف العقاد على رصيف في ميدان التحرير، وأن يقف شكوكو على الرصيف المقابل، ويرى على أيهما سيتجمع الناس.

الفكرة واضحة... فالجمهور له حساباته الخاصة، وهذه الحسابات لا تمنح الشهرة والاهتمام عادة للجاد وذي القيمة، وهو الأمر الذي فطن إليه العقاد، لأنه عاد وأخبر الصحافي أن يطلب إلى شكوكو أن ينزل على رصيف الميدان، وأن تقف على الرصيف المقابل راقصة، ليعرف أن الجمهور سيكون أكثر اهتماماً واحتفاء بها.

لا يختلف هذا كثيراً عن بعض ما أتى به العالم المختص في علم النفس الاجتماعي جوستاف لوبون، في كتابه البديع «سيكولوجية الجماهير»، ومن بين خلاصاته أن الوعي فكرة فردية، وأن اللاوعي فكرة جماعية، لأن ديناميات الجماعة تعزز قابليتها للتأثر بالعواطف، والاندفاع وراء الغرائز من دون حساب أو تفكير. لم يُفلت «الإعلام التقليدي» هذا المعنى أو يقلل الاهتمام به، بل كرسّه واستثمره بكل نهم وشغف، وسيحدث هذا في العالم المتقدم كما سيحدث في الدول النامية، وسيسطع نجم المقدم التلفزيوني الأميركي جيري سبرينغر، الذي قدم آلاف الحلقات التليفزيونية «الناجحة» على مدى عقود، تحت اسم «جيري سبرينغر شو»، وهي حلقات لا تخرج عن «تيمات» أساسية: الجنس، والبذاءة، والجريمة الصادمة، والشجار العلني.

وفي التسعينات الفائتة، سيشهد الإعلام العربي فورةً واختراقاً، حين ستنطلق الفضائيات الإخبارية والمُنوعة العابرة للحدود، وفي تلك الفضائيات سيكون البرنامج الأشهر والأكثر رواجاً هو الأكثر اعتماداً على الشجار والتناحر، أو الأكثر غوصاً في وحل الممارسات الحادة، حتى لو كانت تناقض ميراثاً هائلاً من المحافظة الشكلية، التي لم تردع الجمهور عن مكافأة البذاءة والصراخ والتضارب. سيصوت الجمهور لصالح «الخناقة» أو الممارسة الحادة والمنفلتة في كل وقت، وسيمنح القائمين على صناعة الإعلام أسباباً وجيهة للاستثمار في القصص المأفونة، وسيعطي لكل متشاجرين جائزة، وسيُرسي القيم المضادة.

لم تؤسس «السوشيال ميديا» لهذا النهج، ولم تبتدعه، لكنها، عبر طاقتها الضخمة، منحته المزيد من الزخم والانتشار. وبينما كان الجمهور يكتفي بالاحتفاء بشكوكو، أو الالتفاف حول الراقصة، أو مشاهدة الوقائع الحادة على شاشات التلفاز، راح ينخرط في الصناعة، ويُنتج، ويُعدل، و«يشير»، ويُعلق، ويتفاعل.

سيمكن إيجاد بعض الأعذار لـ«السوشيال ميديا»، التي تُقابل انفلاتاتها عادة بعجز وتواطؤ، أما صناعة الإعلام «التقليدية»، فعليها أن تحاسب نفسها، وأن تحافظ على ميراث من المعايير وآليات الضبط، لأن ذلك تقريباً سيكون آخر ما سيتبقى لها أمام طوفان «السوشيال ميديا» وجحافلها، التي لا ينقطع نهمها للغريب والصادم.