جمال الكشكي
رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي». عضو مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. عضو مجلس أمناء الحوار الوطني. عضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية. عمل مذيعاً وقدم برامج في عدة قنوات تليفزيونية.
TT

زيارة للتاريخ السوداني

استمع إلى المقالة

تتزاحم الأفكار حول الأزمة في السودان. الأحداث متلاحقة وضاغطة، قراءة المستقبل تستوجب تأمل الماضي، سودان ما بعد الاستقلال حافل بالتحولات والمراحل، يشبه القابض على الجمر، وأحياناً يرسم لنا صورة شخص سائر على زجاج مطحون، تشابكات الصراع السوداني تفرض ضرورات الفهم قبل الحكم. الماضي جزء منه، الزيارة إلى التاريخ ضرورة في هذا التوقيت.

قفز أمامي عنوان كتاب «زيارة جديدة للتاريخ» للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، إذ قال في المقدمة: «إن التاريخ ليس علم الماضي وحده، إنما هو - عن طريق استقراء قوانينه - علم الحاضر والمستقبل، أي إنه علم ما هو كان، وما هو كائن، وما سوف يكون».

ترويض الأزمة السودانية يحتاج إلى زيارة جديدة للتاريخ السوداني، فهذا البلد أسير لمنعطفات لا يزال يدفع ثمنها المستقبل. نتحدث عن بلد حضاري وثقافي عميق، أنجب ساسة وكتاباً وشعراء ومثقفين ومبدعين، ليس مقبولاً أن يصبح مهدداً بالتقسيم والتمزيق، يطارد الفقر نصف سكانه، ويستيقظ العالم على أخباره المؤلمة.

آن الأوان أن نغلق نوافذ الخطر حتى لا يصبح السودان ساحة لصراعات دولية، وسباقاً للنفوذ، وفرض الإرادات.

ثلاثة أشهر يعيشها السودان على وقع أحداث البنادق، والأخطار، والبحث عن مخارج النجاة.

منذ فجر 15 أبريل (نيسان) الماضي، تزداد التقلبات والتشققات في التربة السياسية. ملفات الحلحلة تنقصها أوراق عديدة. تحركات عربية وأفريقية وإقليمية ودولية لوقف إطلاق النار، وهُدَن لحقن الدماء. كلما اقترب ضوء في الأفق، قفزت الأوضاع إلى أنفاق مجهولة، ليس خافياً على أحد تلك الأعداد المزدادة للقتلى، والنازحين في الداخل، والفارين إلى الخارج، وليس سراً تلك الانهيارات الاقتصادية والإنسانية التي تسابق الزمن.

المشهد السوداني يحمل في طياته أخطاراً، لا تتعلق بالدولة السودانية التي يجري على أراضيها الصراع فقط، بل هناك أخطار تهدد مستقبل الاستقرار في القرن الأفريقي والساحل والصحراء والبحر الأحمر.

أول هذه الأخطار يتعلق بالداخل السوداني، فعدم استجابة طرفي الصراع للوصول إلى حلول سلمية، أمر بات من شأنه توسيع تمديد دائرة الحرب، والانتقال بها من مناطق الخرطوم الثلاث إلى ولايات أخرى مثل الأنجسنة، وكردفان، وولاية البحر الأحمر، وجبال النوبة السودانية، وهذه هي المساحات المتوقع امتداد الصراع إليها بعد إقليم دارفور، الذي شهد الأيام الماضية أعداداً كبيرة من القتلى والنازحين. لا سيما أننا أمام بلد تكوينه عشائري وقبلي وعرقي، متعدد اللغات والثقافات والانتماءات، ويضم أكثر من 400 قبيلة، لها امتداداتها في دول الجوار والإقليم.

ومن ثم فإن تصاعد الأزمة ربما يقود السودان إلى مشهد يشبه إشعال النار في فأر، وإطلاقه في حقول القمح، وفي هذه الحالة لن تفلح قوات الإطفاء في القيام بواجب الإنقاذ، وستأتي ألسنة اللهب على الجسد الاقتصادي السوداني، والنسيج المجتمعي، هذا ربما يقود إلى سيناريوهات التقسيم والتمزيق والتشظي، لغة خشنة للخطاب السياسي والإعلامي، تشي بمستوى آخر من الخطورة يحمل في طياته دعوات للتقسيم والانفصال، مشهد لا يتمناه أحد من المحبين والعاشقين للوطن السوداني.

هذه الأخطار الداخلية لها تداعياتها الخارجية، إذ إن طول أمد الصراع سيعمل على تحويل الحدود الدولية السودانية إلى حدود آمنة للتنظيمات الإرهابية، والمجموعات الإجرامية، وتجار البشر والمخدرات، الذين يجدون في هذه الأزمة فرصة لتوسيع أنشطتهم ووجودهم ونفوذهم، لا سيما أن البيئة الأمنية المحيطة بمنطقة الساحل والصحراء تحاول استغلال هذا التوقيت، لحشد أنصار جدد وجمع تمويلات للتنظيمات الإرهابية.

المخاوف ذاتها قائمة في منطقة القرن الأفريقي، فهي تعاني من تفاقم أنشطة الحركات الإرهابية، في مقدمتها حركة الشباب، وتتوسع منذ اندلاع الحرب السودانية.

تداعيات أخرى لا تقل خطورة تخشاها الدول المطلة على البحر الأحمر، فعدم استقرار الداخل السوداني، سيفجر مسارات جديدة لإثارة القلاقل، وعدم الاستقرار، لا سيما في حركة التجارة، وأعمال التهريب.

أما القضية التي باتت تشكل خطورة عابرة للحدود، فتلك المتعلقة بالفارين من جحيم الحرب إلى البلدان المجاورة أو الدول الأوروبية، الأمر الذي يزيد من التبعات الاقتصادية لهذه الدول.

وسط هذه الأخطار، جاءت قمة دول الجوار التي استضافتها القاهرة يوم الخميس 13 يوليو (تموز) الحالي، من أجل تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية في مقدمتها: صياغة رؤية موحدة لكل دول الجوار، في كيفية التعامل مع كل هذه الأخطار الحالية والمتوقعة، ودعم الجهد الإنساني الإقليمي والدولي في التخفيف من معاناة أبناء السودان، والحرص الشديد على تكامل رؤى دول الجوار مع كل المبادرات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها مبادرة جدة التي تبنتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية.

إذن، نحن أمام سيناريوهات عديدة وأخطار متلاحقة، التعامل معها يضعنا أمام ضرورة الفهم الحقيقي لما يجري في سودان بعد عام 1956، فكتابة الدواء الصحيح لأمراض سياسية ظلت تلاحق عافية وقوة الدولة السودانية الوطنية، تتطلب الآن - أكثر من أي وقت مضى - معرفة التاريخ المرضي حتى لا يتسبب الدواء الخاطئ في انتكاسة، ربما تعود بها إلى المجهول.