د. محمد النغيمش
كاتب كويتي
TT

«فوبيا» تولي المسؤولية

استمع إلى المقالة

تُرفَض ملايين المناصب والمهمات منذ فجر التاريخ لأسباب خفية... في مقدمتها رهاب المسؤولية. فهناك بالفعل من يهاب المنصب الجديد، وهو أمر بديهي في الفطرة البشرية، ودليل على أن المرء يفكر قبل أن يخطو إلى الأمام. غير أن ما هو غير طبيعي، أن يتحول ذلك إلى «فوبيا» أو خوف مبالغ فيه من المسؤوليات عموماً.

ولو تتبع المرء «لحظات» هروبه من مسؤولية منصب، أو تولي أمر لجنة مهمة، أو تسلم مبالغ نقدية أو التوقيع على شيكات، وشعر بخوف يلازمه فهو على الأرجح يعاني من اضطراب فوبيا المسؤولية. هذا الرهاب يمارسه الناس لكن معظمهم لا يشعرون به! وعندما تتبع أحد أبرز الباحثين في مجال علم النفس التنموي من جامعة هارفارد «جيروم كاغان» الهروب من المسؤولية وجد أن خمس الأشخاص (20 في المائة) «يولدون بخصائص كيميائية عصبية تجعلهم أكثر حساسية للتوتر والأشياء الجديدة»، حسبما ذكرت ريجين فرانكل لمجلة «هارفارد» HBR. فهم يرثون تلك المساحة «اللوزية» ذات التفاعل الشديد مع الجزء المسؤول عن الخوف وإدارته في الدماغ. وهذا ما يفسر الهلع الذي ينتاب البعض عند حدوث حالة طارئة، وهم حساسون للتعرض لآراء الناس عقب تلك التجربة فتتفاقم لديهم مشاعر القلق.

إذن رهاب المسؤولية هو أعراض بشرية قديمة جداً، وجدها باحثون في أوائل القرن الماضي، عندما سُئل المشاركون عن أسباب مخاوفهم، فتعددت الأسباب التي كتبوها، وجاء في مقدمتها «الخشية من المسؤولية».

ولحسن الحظ فإن تحمل المسؤولية هو عتبة التأهل للدخول إلى عالم القياديين والمديرين. فلا يدخل هذا «النادي» إلا وهو يحمل «نياشين تحمل» المسؤولية.

وقد تعود أسباب الخوف من تحمل المسؤوليات إلى عقدة الطفولة، أو المبالغة في ترهيبه من أي تدنٍ في درجاته التعليمية، أو أي خطأ عفوي يرتكبه عندما يكلف بمسؤوليات روتينية. مع مرور الوقت تتراكم مخاوف المرء فينفر من كل مسؤولية.

ولحسن الحظ فإن بعض المخاوف وهمية، خصوصاً تلك التي تصاحب المنصب الجديد، من هنا يلجأ النظام الإداري إلى التكليف المؤقت ريثما يعتاد المرء على مسؤولياته الجديدة، ويتقبله من حوله بعد رؤية جديته ومدى التزامه. لهذا كان من حلول تخفيف تداعيات رهاب المسؤولية المنح التدريجي للسلطات، والدعم النفسي والإرشادي، والإكثار من الإشادات في البدايات حتى ينطلق المركب إلى بر الأمان. وهي مسألة مهمة لأن كثيراً من هواجس ذلك الرهاب تعود إلى الخشية من عدم تقدير الآخرين.

وما أكثر من قبلوا بالمناصب ثم تراجعوا لصالح من هم أصغر منهم خبرة وعمراً. التراجع عن تولي زمام المسؤولية قد يعتبر نقيصة أمام زملاء العمل. غير أن التذرع بالتراجع لغياب البيئة الداعمة لمتخذ القرار والكوادر البشرية، والصلاحيات المالية والإدارية قد تعتبر أسباباً وجيهة.

وهذا لا ينفي حقيقة أن قدرات القيادي الفذ تتفتق في هذه المواقف ليجد طريقاً نحو الإنجاز في ظل الموارد والصلاحيات المحدودة. ويحدث ذلك على صعيد الدول والشركات والمنظمات الحكومية. هؤلاء هم القادة الذين يستحق أن يشار إليهم بالبنان.