قبل أن ينبثق فجر الثورة الصناعية، كان معظم الناس يعملون في الزراعة، والرعي، والصيد، والمهن البسيطة. قلةٌ مَن كانوا يعملون بالتجارة. لم تكن آنذاك المنظمات الكبرى قد تشكلت، ولا المصانع، وكان التعليم محدوداً. وبعد أن تصاعد هدير الآلات، انتقل الإنسان من العمل اليدوي إلى المكائن، وتزايدت مخرجات التعليم، وتنوعت التخصصات فزادت الحاجة إلى «فلترة» ملايين الناس والبشر ممن يتقاطرون إلى لجان التوظيف.
هنا جاءت فكرة تقييم تلك الأفواج المتقدمة للوظائف عبر «اختبارات توظيف Pre-Employment Tests» نستشفّ منها شيئاً من قدرات الموظف على أداء المهام المطلوبة، وما مواطن قوته وضعفه. فعندما يكون أمامك ثلاثة مرشحين محتملين، وتحتاج إلى واحد فقط، هنا قد تَرجح كفة الاختبارات نحو أفضلهم. وينسحب ذلك إلى اختبار قبول الجامعات والتوفل وغيرها.
هناك فريقان؛ الأول يعارض تلك الاختبارات بدعوى أن الموظف لا ينبغي أن نقيمه باختبارات. ذلك أن البعض لا يفلح في التعبير عن نفسه عبر الأوراق والأسئلة لكنه في ميادين العمل يتألق. والفريق الآخر يرى أن الاختبارات تتمتع بمصداقية وموثوقية علمية. وهي أنها بالفعل تقيس ما تهدف الأسئلة إلى قياسه بدقة لا يستهان بها. وإذا تكررت الاختبارات فإنها تنجح في قياس ما تريد قياسه. من هؤلاء الذين يقودون لواء الاختبارات العاملون في قطاع الموارد البشرية، وواضعو الاختبارات أنفسهم؛ فهم يرون أنها منوعة ومهمة، فمنها ما تسمى «اختبارات المعرفة الوظيفية Job Knowledge Tests» التي تقيس معلومات الفرد وخبرته. كأن تقيس أبجديات معلومات المحاسب أو المهندس أو الطبيب.
هناك «اختبارات الشخصية Personality Tests» الشهيرة التي تُبرز سمات الإنسان، ويمكن من خلالها معرفة مدى انسجام المرشح للوظيفة مع طبيعة سمات مديره أو فريق عمله. وهناك «اختبارات تقييم المهارات الفردية Skill Assessment Tests» التي تُظهر نتائجها عدداً من المهارات التي قد تتطابق مع الوظيفة.
ليس هذا فحسب، بل تمكّن العلماء من الوصول إلى مؤشرات لنزاهة المتقدم للوظيفة. فما أكثر مَن سقطوا في اختبارات «بدهيات النزاهة» وتعارض المصالح. وذلك عندما كانت إجاباتهم صادمة بتعارضها مع صريح القيم وسمو الأخلاق المهنية.
الاختبارات قد تكون جيدة لفلترة آلاف الموظفين الجدد. أذكر أنني قرأت عن تقدم 6 آلاف شخص لوظائف حكومية يتطلب تعيين 100 موظف فيها، وهنا كان من الطبيعي وضع اختبارات. غير أنني شخصياً لا أحبّذ أن يكون المعدل الوزني للاختبارات كبيراً مقارنةً بالمقابلات والمؤهلات والخبرات. أما القياديون وكبار المديرين فأرى أنه من الظلم أن نحدد مصيرهم بورقة اختبار أياً كان شكلها.
