قدم رئيس هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ريتشارد شارب استقالته يوم الجمعة، بعد أن خلص التحقيق إلى أنَّه لم يكشف عن مشاركته في ترتيب قرض لبوريس جونسون بقيمة مليون دولار تقريباً، عندما كان رئيساً للوزراء، وذلك في إطار تعميق الاضطرابات السياسية التي اجتاحت محطة الإذاعة العامة في بريطانيا.
قال شارب، وهو مصرفي سابق في بنك «غولدمان ساكس» ومتبرع بارز لحزب جونسون المحافظ، في بيان مصور قبل إصدار التقرير، إنَّ هذا الإغفال «غير مقصود وليس جوهرياً»، لكنَّه قرر التنحي عن مجلس إدارة الإذاعة «لمنح الأولوية لمصالح هيئة الإذاعة البريطانية».
ويكثف رحيل شارب من الضغوط على هيئة الإذاعة البريطانية، المؤسسة الموقرة التي كانت تمد أجهزة الإعلام في بريطانيا بكيفية تمويلها العام من دافعي الضرائب، والجديرة بالثقة والتزام الصحافة المحايدة، لكن يبدو أنها الآن تترنح من أزمة إلى أخرى.
في عصر السياسة المستقطبة وحرية مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت الإذاعة نفسها في مرمى نيران اليسار واليمين، سواء في تغطيتها للأخبار، التي يقول المحافظون إنها تنتهك عقيدة الحياد السياسي، وفي قراراتها الداخلية الأخيرة، التي يقول البعض في اليسار إنها تتأثر بعدم الرغبة في الإساءة إلى المشرعين المحافظين في السلطة.
في الشهر الماضي، أشعلت هيئة الإذاعة البريطانية عاصفة نارية وطنية عندما أوقفت غاري لينكر، نجم كرة القدم السابق وأبرز المذيعين لديها، بعد أن أذاع على «تويتر» تشبيهاً لسياسة الهجرة الحكومية البريطانية بسياسة ألمانيا في ثلاثينات القرن العشرين. إذ تسبب إيقافه ذلك في انسحاب قسم كبير من العاملين الرياضيين في هيئة الإذاعة البريطانية تضامناً مع لينكر، وأجبرها على بث برنامج «مباراة اليوم»، وهو البرنامج الأسبوعي الرائد لكرة القدم، من دون تعليق.
حسمت هيئة الإذاعة البريطانية الخلاف بتعهدها بمراجعة سياساتها التي تحكم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل مذيعيها على الهواء. لكن هذه الواقعة سلطت الضوء على شارب لأنَّه رفض التنحي عن منصبه، رغم أنه كان يخضع للتحقيق بشأن دوره في القرض الذي قدمه لجونسون.
كما أن موقفه الضعيف يعني أنه لا يستطيع الدفاع عن هيئة الإذاعة البريطانية في الوقت الذي كانت تتعرض فيه إلى انتقادات شديدة - سواء بسبب التطبيق العشوائي لإرشادات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بها وللتسوية مع لينكر، التي سخر منها الكثير من المحافظين ووصفوها بأنها استسلام.
لعب شارب، (67 عاماً)، دوراً في دعم الموارد المالية الشخصية لرئيس الوزراء، كما أضاف إلى مفهوم تضارب المصالح في إدارة أهم مؤسسة إعلامية في بريطانيا.
في التقرير المؤلف من 25 صفحة، حدد المحامي آدم هيبينستال حالتين، قال إنهما «أثارتا» صراعات محتملة متصورة. وقال إن شارب أبلغ جونسون بخطته لتقديم طلب لشغل منصب رئيس هيئة الإذاعة البريطانية قبل تقديمه طلباً رسمياً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.
في حالة أخرى أكثر خطورة، قال شارب لجونسون إنه يعتزم تقديم رجل أعمال كندي ثري، يُدعى سام بلايث إلى مسؤول حكومي كبير، يمكنه المساعدة في ترتيب قرض لجونسون. وكان بلايث، وهو ابن عم لجونسون من بعيد، قد تطوع للعمل بصفته ضامناً لقرض قدره 800 ألف جنيه إسترليني (996 ألف دولار أميركي) لرئيس الوزراء، الذي كانت أمواله تعاني من الضغوط بسبب الطلاق مؤخراً وتكوين أسرة جديدة.
لم يمتد تورط شارب إلى أبعد من ذلك. بيد أن هيبينستال خلص إلى أن هناك خطراً يتمثل في اعتبار اختياره لمنصب رئيس هيئة الإذاعة البريطانية أنه مكافأة على مساعدته لجونسون. كما أشار هيبينستال إلى مخاطر عدم اعتبار شارب مستقلاً «محايداً» بمجرد حيازته لمنصبه الجديد.
لم تُقدّر التحقيقات التي أجراها مدى أهلية جونسون لطلب القرض أثناء توليه منصبه الرسمي.
كانت الأحوال المالية لجونسون تخضع للفحص بصفة متكررة خلال السنوات الثلاث المضطربة التي قضاها في مقر الحكومة. فقد سدد التكاليف الباهظة لتجديد شقته الرسمية بأموال من متبرع حزبي آخر، الأمر الذي أثار غضباً عاماً دفعه إلى سداد التكاليف الباهظة بنفسه.
في مقابلة أجرتها معه شبكة «سكاي نيوز» في يناير (كانون الثاني)، قال جونسون إن شارب «لا يعرف على الإطلاق أي شيء عن شؤوني المالية الشخصية». والواقع أن جونسون، الذي سخر لفترة طويلة من هيئة الإذاعة البريطانية بسبب صوابها السياسي، رفض هذه المسألة باعتبارها «مجرد مثال آخر لغض هيئة الإذاعة البريطانية الطرف عن مبادئها».
مع ذلك، فإنَّ التقارير التي تحدثت عن تورط شارب في القرض دفعت حزب العمال المعارض إلى المطالبة باستقالته. فقد نأى رئيس الوزراء الحالي ريشي سوناك بنفسه عن شارب، رغم أنهما عملا معاً ذات يوم في بنك «غولدمان ساكس»، إذ كان سوناك مصرفياً شاباً قبل خوضه المعترك السياسي.
يوم الجمعة، قال متحدث باسم مقر الحكومة البريطانية إن قرار شارب الاستقالة «أمر يرجع إليه وإلى هيئة الإذاعة البريطانية».
وأعرب شارب في بيانه عن سروره، لأن التقرير أكد الطبيعة المحدودة لضلوعه في القرض. غير أنه أعرب عن أسفه لعدم رفعه إلى لجنة التعيينات قبل توليه منصب رئيس الإذاعة.
قال شارب: «كنت أتمنى لو أنني فكرت في ذكر هذا التضارب المحتمل في المصالح، إذا ما وضعته في الاعتبار قبل فوات الأوان. أود مرة أخرى الاعتذار عن هذا السهو - رغم أنه كان غير متعمد - وعن التشتت الذي سببته هذه الأحداث إلى هيئة الإذاعة البريطانية».
بالنسبة إلى الهيئة، تأتي الاستقالة الأخيرة ضمن سلسلة من الحلقات التي تثير، اعتماداً على وجهة النظر السياسية، تساؤلات حول حياديتها أو تصميمها على عدم استعداء الحكومة المعادية بالأساس.
أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية، في 2020، أنها سوف تحذف كلمات من أغنيتين وطنيتين شهيرتين خلال حفل تلفزيوني سنوي، ما أثار غضب جونسون. وقال البعض إن كلمات الأغاني تستحضر الماضي الاستعماري البريطاني، وكانت على خلاف مع حركة «حياة السود مهمة» التي اجتاحت البلدان الغربية. إلا أن هيئة الإذاعة البريطانية تراجعت عن القرار في وقت لاحق.
وفي عام 2021، هاجمت الحكومة هيئة الإذاعة البريطانية بعد أن سخر أحد مذيعيها من وزير في مجلس الوزراء لظهوره في مقابلة مع علم المملكة المتحدة الكبير من خلفه. وبعد بضعة أيام، أصدرت الحكومة مرسوماً يقضي برفع العلم فوق جميع المباني العامة كل يوم من أيام السنة، بدلاً من أن يكون ذلك في أيام محددة فقط.
* خدمة «نيويورك تايمز»
12:7 دقيقه
TT
«بي بي سي» في مرمى نيران اليسار واليمين
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
