بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟

الفضاء الإقليمي خائف من طموحات الكرملين... و«الأطلسي» يتمدد على الحدود

بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟
TT

بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟

بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟

مع انقضاء عام كامل على انطلاق العمليات العسكرية في أوكرانيا، تبدو التساؤلات المطروحة حول حجم إنجازات، أو خسائر الكرملين، على الصعيدين الإقليمي والدولي الأكثر صعوبة وحساسية. المواجهة الكبرى التي اشتعلت نيرانها منذ لحظة توغل الدبابات الروسية في أراضي البلد الجار قبل عام، حملت عنواناً بارزاً وعريضاً حول «اضطرار موسكو إلى الدفاع عن مصالحها وأمنها الاستراتيجي» في مواجهة التحديات التي طرحها تمدد حلف شمال الأطلسي على مقربة من أراضي روسيا، مع تفاقم «المخاوف» من تحول أوكرانيا إلى رأس حربة لتطويق روسيا عسكرياً وأمنياً.
هذا العنوان سيطر على تبريرات قرار الحرب، مع رزمة من الأهداف المباشرة، بينها الدفاع عن «أراضي روسيا التاريخية» و«إنقاذ» سكان دونباس من سيطرة «النازيين الجدد». لكن، مع مرور عام على المواجهة التي سرعان ما تحولت بحسب التعبير الروسي إلى «حرب عالمية تستهدف وجود روسيا»، يبدو المشهد أكثر غموضاً والتباساً على صعيد الوضع الإقليمي، وفي إطار البحث الدائم عن حلول لمتطلبات روسيا على صعيد ضمان الأمن الاستراتيجي.
بعبارة أخرى، يطرح السؤال: هل غدت روسيا أكثر أمناً بعد عام على المواجهة الكبرى؟
لقد اتضح من مجريات القتال حجم التعثر الميداني، وفشل خطط «الحرب الخاطفة»، ما دفع محللين غربيين إلى تأكيد أن حرب أوكرانيا أظهرت أن «روسيا أقل خطراً مما كان يعتقد الغرب».
زاد الأمر وضوحاً بعد اضطرار موسكو إلى التراجع في مناطق مهمة مثل خيرسون الاستراتيجية، الملاصقة لشبه جزيرة القرم، واتضاح أن القوات الروسية التي ذهبت إلى أوكرانيا لـ«تحرير دونباس» وتمتلك جيشاً مهماً من الانفصاليين الموالين لها في المنطقة، ما زالت بعيدة عن إخضاع إقليم دونيتسك، وفشلت في إخضاع زابوريجيا، وتواجه هجمات مضادة قوية منذ أشهر في لوغانسك، وهذه هي المناطق الأربع التي قامت روسيا بضمها رسمياً؛ ما يعني أنها انتقلت من موقع الهجوم إلى الدفاع عن «جزء من أراضيها»، وفقاً لتوصيف الرئيس فلاديمير بوتين.

تمدد الأطلسي
مع هذا التعثر، عكس تركيز الجهد العسكري لحلف شمال الأطلسي على مقربة من حدود روسيا، ونشر قوات بشكل غير مسبوق في أوروبا الشرقية، فضلاً عن مسار انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف ما يعني تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» لجهة السيطرة والانتشار، وتطويق الحضور الروسي الذي يغدو أكثر ضعفاً فيها. هنا برزت دلالات أخرى مهمة دفعت إلى زيادة التساؤلات عن مدى نجاح موسكو في تحقيق أهدافها، وخصوصاً في الشق المتعلق بـ«حماية» الجبهة الغربية من تقدم «الأطلسي».
لا يخفى أن انضمام فنلندا والسويد المحتمل للناتو يشكل إضافة مهمة للغاية للناتو؛ فكل منهما تملك قوات عسكرية محترفة، والقدرة على حشد أكثر من مليون جندي احتياط خلال أيام قليلة؛ إذ يفرض البلدان نظام الخدمة العسكرية الإلزامية، ويمتلكان صناعات عسكرية متقدمة، ويوفران قدرات دفاعية قيمة، بالإضافة لموقعهما الاستراتيجي. وتملك فنلندا حدوداً برية مع روسيا في الشمال الغربي على امتداد نحو 1300 كلم. كما أنهما تزيدان من مساحة سيطرة الناتو البحرية في بحر البلطيق.

تكلفة باهظة
أيضاً، يؤدي قبول الناتو انضمام الدولتين الإسكندنافيتين إلى تطويق عسكري على روسيا من جهة الشمال الغربي. وسيزيد بشكل ملموس القدرات العسكرية للناتو في المنطقة، خاصة في مجالي جمع المعلومات الاستخباراتية والاستطلاعية، ويعزز مواقع القوات الجوية وكذلك البحرية للناتو.
وفي مواجهة هذا التطور، بدأت روسيا تطبيق خطط لنشر قواتها المسلحة مع نقل مجموعات كبيرة منها إلى الجناح الشمالي الغربي. ومن المتوقع في هذا السياق أن تنشر القيادة الروسية في شمال غربي البلاد مجموعات إضافية من القوات البرية والقوات الجوية الفضائية ونظام الدفاع الجوي والأسلحة الصاروخية، إضافة إلى تعزيز أسطول البلطيق. وفي هذا الصدد، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في مايو (أيار) الماضي، عن اتخاذ إجراءات عسكرية روسية جديدة على الحدود الغربية؛ رداً على التحديات الأمنية الجديدة. بينها تحسين تشكيلات القوات المسلحة في المنطقة وإنشاء 12 وحدة عسكرية جديدة فيها. يعني هذا التوجه زيادة تكلفة المواجهة عسكرياً واقتصادياً على روسيا.
أيضاً، يعزز قرار ضم فنلندا والسويد التوجه العام نحو تآكل مجموعة الدول المحايدة في أوروبا، وحصرها في 3 بلدان هي النمسا وسويسرا وآيرلندا، وفي حال استمرار الوتيرة الحالية لتغيرات الأوضاع الأمنية في المنطقة، لا يستبعد أن تتخلى هذه الدول عن وضعها المحايد.
العنصر الآخر اللافت في الحصيلة الروسية خلال حرب أوكرانيا، يكمن في الوضع المستجد في الفضاء السوفياتي السابق. وقد أظهرت الحرب هشاشة التحالفات التي أقامتها موسكو في محيطها الإقليمي، على المستويات العسكرية والسياسية والأمنية، بل الأسوأ من ذلك، أنها أظهرت تراجع مواقع موسكو ونفوذها الإقليمي على خلفية تعاظم المخاوف في المنطقة من طموحات الكرملين السياسية والعسكرية.

الفضاء الإقليمي خائف
خلال عام 2022، تم عقد قمتين لرابطة الدول المستقلة، وقمتين لمنظمة الأمن الجماعي، واجتماعين للاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وقمة واحدة لمجموعة «منظمة شانغهاي للتعاون»، برز خلال كل تلك اللقاءات الجهد الروسي المكثف والموجه إلى حشد التأييد لسياسات موسكو أو في حالات أخرى لتجاوز ملفات خلافية برزت بقوة بسبب حرب أوكرانيا، مع بلدان ظلت حليفة لروسيا على مدى العقود الثلاث السابقة مثل كازاخستان وطاجكستان وقيرغيزستان. لكن المحصلة كانت محدودة للغاية، وباستثناء بعض الإجراءات الاقتصادية والتجارية المشتركة، وبعض الاتفاقيات على مواجهة مخاطر مشتركة مثل التهديد الإرهابي المحتمل من أفغانستان، أو التحول في حالات محدودة للتعامل بالعملات الوطنية، فقد فشلت هذه القمم في تبني مواقف واضحة تدعم المواقف الروسية.
لقد سعت غالبية بلدان الفضاء السوفياتي السابق إلى النأي بنفسها عن تأثيرات الحرب الروسية على أوكرانيا، وتبنت كلها (باستثناء بيلاروسيا) مواقف تتحفظ على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، وإن كان بعض هذه البلدان لم يذهب بعيداً لتوجيه إدانة علنية واضحة لكن مواقفها اشتركت في عدم دعم موسكو، كما ظهر أكثر من مرة في تصويتات الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرارات أدانت موسكو.
وبدا أن النخب الحاكمة في المنطقة واجهت صعوبات في تحديد المخاطر والفرص، والموازنة بينها. فجميع هذه البلدان خرجت من العباءة السوفياتية في ذات الفترة التي استقلت فيها أوكرانيا، ولدى بعضها مشكلات مع الأقليات الروسية التي تحمل جنسيتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعظمها مرتبط بعلاقات شراكة اقتصادية وتجارية مع روسيا، وجزء منها عضو في تحالفات اقتصادية وعسكرية مع موسكو. وإضافة إلى مخاوف من تكرار سيناريو دونباس أو القرم، فإن الأوضاع الاقتصادية تشكل أحد أخطر التحديات المباشرة، إضافة إلى تحديات المحافظة على تماسك المجتمعات الهشة في معظم هذه البلدان. لقد راقبت البلدان «الحليفة» الأساسية لموسكو كيف بدت موسكو معزولة دولياً من دون أن تسعى إلى إبداء أي قدر من الدعم السياسي لها.
والأكثر من ذلك، أن بعضها، مثل كازاخستان التي كانت دائماً الحليف الأقرب للكرملين، ذهب إلى اتخاذ مواقف علنية صريحة ضد ضم المناطق الأوكرانية وضد العملية العسكرية الروسية، ما أسفر عن توتر في العلاقات سعت موسكو إلى التغلب عليه لاحقاً وكسر الجمود من بوابة التعاون الاقتصادي التجاري، وهو الملف الملحّ بالنسبة إلى آستانة.

بيلاروسيا... الحليف الوحيد للكرملين
وفي حالات أخرى، لم تنجح حتى محاولات موسكو لترتيب آليات تجارية مشتركة، مثل تنفيذ الاتفاقات الموقعة سابقاً على التعامل بالعملات الوطنية، أو إطلاق عمل بنظام بطاقات الدفع المباشر «مير» الروسي، الذي سرعان ما تراجعت عنه بعض البلدان مثل طاجكستان وأذربيجان. من بين جميع بلدان رابطة الدول المستقلة، فقط بيلاروسيا دعمت الموقف الروسي بشكل علني وواضح. والأكيد أن الظروف السياسية والاجتماعية ساهمت في تبلور هذا الموقف الذي كان يمكن أن يكون مغايراً، لولا مواجهة مينسك تطورات داخلية على خلفية الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد وكادت تطيح بحكم الرئيس ألكسندر لوكاشينكو؛ إذ فقد الرئيس لوكاشينكو عملياً قدرته على المناورة بعد أن كاد يتم الإطاحة بنظامه في مرحلة الاحتجاجات الواسعة في خريف عام 2020، واتهمت مينسك الغرب بتأجيج محاولات «الثورة الملونة» في البلاد. في المقابل أظهر لوكاشينكو استعداداً حازماً للقتال من أجل الحفاظ على سلطته ولعب الدعم الروسي دوراً كبيراً في ذلك. كان هذا هو العامل الرئيسي الذي دفع لوكاشينكو المحاصر باتهامات غربية واسعة بانتهاكات لحقوق الإنسان، وبنية اجتماعية هشة بسبب القمع العنيف للاحتجاجات، إلى إبداء الدعم الواضح لروسيا، والذي وصل إلى درجة السماح بشن العملية العسكرية من أراضي بلاده، وتشكيل مجموعة مشتركة من القوات مع روسيا على طول الحدود الغربية وإنشاء مظلة دفاع جوي مشتركة شمال أوكرانيا.

احتمال اتساع جبهة الحرب
قد تكون مولدافيا أفقر بلدان أوروبا، أحد أكثر الأطراف المحيطة بروسيا ترجيحاً للانخراط المباشر في الحرب، خصوصاً مع تصاعد لهجة المطالبة أخيراً بانسحاب روسيا من هذا البلد. ظروف هذا البلد مطابقة تماماً لظروف أوكرانيا، لجهة التوجه نحو الغرب ومحاولات الاندماج مع أوروبا، والسعي إلى إنقاذ البلاد من تقسيم يبدو محتوماً إلى شطرين؛ أحدهما موالٍ لموسكو في إقليم بريدنوستروفيه الانفصالي الذي تحتفظ فيه روسيا بقوات حفظ سلام هي عملياً قوات للتثبت من عدم قدرة كيشينيوف على استعادة السيطرة عليه عبر استخدام القوة، فضلاً عن عناصر متطابقة في ملف منح الجنسية الروسية للمقيمين فيه لتبرير أي عملية محتملة لـ«الدفاع عن مواطنين روس».
والأهم من ذلك، أقدار الموقع الجغرافي لمولدافيا بالقرب من أوكرانيا، ومنذ بداية الحرب برزت مخاوف من التقدم الروسي نحو أوديسا في جنوب غربي أوكرانيا، والسيطرة على هذا الميناء المهم على البحر الأسود، ما يعني أن الهدف اللاحق للكرملين هو مد نفوذه وبسط سيطرة مطلقة على الإقليم المجاور وهو بريدنوستروفيه. تزايدت المخاوف المولدافية، بعد صدور تصريحات عن النخب العسكرية الروسية بأن مكسب السيطرة الروسية على الشواطئ الجنوبية لأوكرانيا على البحر الأسود لن يكتمل على الصعيد الاستراتيجي إلا بضم مناطق شرق مولدافيا؛ لإحكام النفوذ الروسي على المنطقة. وبالتأكيد فإن مولدافيا باتت تشعر أن مصيرها كدولة مستقلة يبدو معلقاً حالياً بمصير العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان
مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة
كيف أساءت روسيا تقدير موقف ألمانيا؟
أوروبا... تساؤلات حول مآلات الدعم لأوكرانيا
الأزمة... والدور «المشلول» لمجلس الأمن
الكرملين أمام انتصار بعيد... وهزيمة مستحيلة
بوتين «معزول» عالمياً وأمام «طريق مسدود» ... وروسيا خسرت أوكرانيا «إلى الأبد»
زيلينسكي... الممثل الهزلي لعب أدواراً كوميدية بحضور بوتين
هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟


مقالات ذات صلة

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أوروبا موقع تشرنوبل (أرشيفية - صفحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس»)

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبيل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مبانٍ سكنية دون كهرباء خلال انقطاع التيار بعد استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز) play-circle 00:31

هجوم روسي يقطع الكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف المنازل في كييف

رئيس بلدية كييف يقول إن قوات روسية شنت هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ ‌على ‌العاصمة ‌الأوكرانية ⁠في ​وقت ‌مبكر اليوم، مما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة عسكرية في أنكوريج بولاية ألاسكا الأميركية 15 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

هل فوّت بوتين فرصة الشراكة مع ترمب؟

منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ساد في موسكو انطباع بأن مرحلة جديدة قد بدأت في العلاقات مع واشنطن. لكن هل فوّت بوتين هذا العام الفرص لشراكة مع نظيره الأميركي؟

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشبكة «إن بي سي» بأن على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا مبنى متضرر في أعقاب غارة جوية على أوديسا (أ.ف.ب)

هجوم روسي يخلّف أضراراً في بنية تحتية للطاقة والغاز بأوديسا

قال أوليه كبير، حاكم منطقة ‌أوديسا ‌بجنوب ‌أوكرانيا، ⁠إن هجوماً ‌شنَّته روسيا بطائرات مُسيَّرة خلال الليل ⁠ألحق ‌أضراراً ‍ببنية ‍تحتية ‍للطاقة والغاز.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».


أستراليا: مجلس النواب يقر مشروع قانون للحد من الأسلحة عقب «هجوم بونداي»

لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
TT

أستراليا: مجلس النواب يقر مشروع قانون للحد من الأسلحة عقب «هجوم بونداي»

لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)

تستعد أستراليا لإقرار قوانين جديدة تتيح تنفيذ برنامج وطني لإعادة شراء الأسلحة النارية وتشديد ​إجراءات التدقيق الأمني لمنح تراخيص السلاح، وذلك رداً على أسوأ واقعة إطلاق نار جماعي تشهدها البلاد منذ عقود خلال مهرجان يهودي الشهر الماضي.

وأقرّ مجلس النواب مشروع القانون، اليوم (الثلاثاء)، بأغلبية 96 صوتاً مقابل 45، رغم ‌معارضة مشرّعين ‌محافظين له. وسينتقل ‌المشروع الآن ⁠إلى ​مجلس الشيوخ، ‌حيث يُتوقع إقراره بدعم من حزب الخضر.

وقال وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، لدى تقديمه القوانين الجديدة، إن هجوم 14 ديسمبر (كانون الأول) على شاطئ بونداي، الذي أودى بحياة 15 شخصاً، نفّذه ⁠أشخاص كانت لديهم «كراهية في قلوبهم وبنادق في أيديهم».

وأضاف بيرك: «الأحداث المأساوية في بونداي تتطلّب استجابة شاملة من ‍الحكومة... وانطلاقاً من دورنا الحكومي، يجب أن نفعل كل ما في وسعنا للتصدي للدافع (وراء الهجوم) والطريقة التي نُفّذ بها».

ومن شأن التشريعات الجديدة أن تؤدي إلى إطلاق ​أكبر برنامج وطني لإعادة شراء الأسلحة منذ البرنامج الذي طُبّق عقب مذبحة ⁠عام 1996 في بورت آرثر بولاية تسمانيا، حيث أدى هجوم شنه شخص مسلح إلى مقتل 35 شخصاً.

وقالت الحكومة، أول من أمس، إن عدد الأسلحة النارية في أستراليا بلغ مستوى قياسياً عند 4.1 مليون سلاح خلال العام الماضي، من بينها أكثر من 1.1 مليون في ولاية نيو ساوث ويلز، أكثر الولايات ‌اكتظاظاً بالسكان في أستراليا التي وقع بها الهجوم على شاطئ بونداي.

وقُتل ساجد أكرم وابنه نافيد 15 شخصاً في عملية إطلاق نار جماعي استهدفت احتفالاً يهودياً بـ«عيد حانوكا» على الشاطئ الشهير في منتصف ديسمبر الماضي. ووصفت السلطات الهجوم بأنه عمل إرهابي معادٍ للسامية.


ترمب: لا مجال للتراجع بشأن غرينلاند

صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو
صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو
TT

ترمب: لا مجال للتراجع بشأن غرينلاند

صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو
صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الثلاثاء)، أنه أجرى مكالمة هاتفية «جيدة للغاية» مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، بشأن غرينلاند، مجدداً التأكيد على أهمية الجزيرة للأمن القومي لبلاده.

وأشار ترمب، في حسابه على منصة «إكس»، إلى الاتفاق على عقد اجتماع للأطراف المعنية بقضية غرينلاند في مدينة دافوس السويسرية التي تستضيف حالياً المنتدى الاقتصادي العالمي.

وقال: «كما أكدت للجميع بوضوح شديد، فإن غرينلاند بالغة الأهمية للأمن القومي والعالمي، ولا مجال للتراجع عن ذلك».

وعدّ الرئيس الأميركي الولايات المتحدة «هي القوة الوحيدة القادرة على ضمان السلام في جميع أنحاء العالم، وذلك يتحقق ببساطة من خلال القوة».

ويرغب ترمب في انتزاع السيادة على جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي من الدنمارك، بدعوى عدم قدرتها على الدفاع عن الجزيرة في مواجهة روسيا والصين، وهدّد بفرض رسوم جمركية بدءاً من أول فبراير (شباط) على 8 من أعضاء حلف الناتو إلى أن يتم السماح للولايات المتحدة بشراء الجزيرة.

وكان ترمب قد قال للصحافيين في فلوريدا، في وقت متأخر أمس الاثنين: «إن الولايات المتحدة ستبحث مسألة ضم ‌غرينلاند ‌خلال ‌منتدى ⁠دافوس ​الاقتصادي ‌العالمي هذا الأسبوع»، مشيراً إلى أن الدنمارك لا تستطيع حماية ⁠الجزيرة.

وأضاف ترمب: ‌«يجب أن نحصل عليها. ​يجب أن يتم ذلك. لا تستطيع ⁠الدنمارك حمايتها. إنهم أناس رائعون... أنا أعرف القادة، وهم أناس طيبون جداً، لكنهم لا يذهبون إلى ‌هناك».

وأبدى ترمب اعتقاده أن القادة الأوروبيين لن «يتصدوا بشدة» لمحاولته شراء غرينلاند. وقال رداً على مراسل صحافي سأله عما ينوي قوله للقادة الأوروبيين المعارضين لخططه: «لا أعتقد أنهم سيتصدّون بشدة. يجب أن نحصل عليها. يجب أن يتم هذا الأمر».

وقال الرئيس الأميركي إنه ‌وجّه ‌دعوة ⁠إلى ​نظيره ‌الروسي فلاديمير بوتين ليكون عضواً في ⁠مبادرة «مجلس السلام» التي تهدف إلى حل النزاعات العالمية. وأكد ​ترمب للصحافيين: «لقد تلقى (بوتين) دعوة».