هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟

هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟
TT

هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟

هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟

قبل عامين من بدء الحرب في أوكرانيا وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حلف شمال الأطلسي بأنه «ميت دماغياً»، وقبله سعى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب للانسحاب حتى من التحالف الذي لم يوفر انتقادات له.
ولكن اليوم يبدو حلف الناتو النقطة المحورية التي تدور حولها الدول الداعمة لأوكرانيا، وتُنسَّق عبرها المساعدات العسكرية، وبات أيضاً مرجعاً أمنياً للدول التي تشعر بتهديد من روسيا بعد غزوها أوكرانيا. وعوضاً عن الحديث عن أن الناتو بات «ميتاً» ولم يعد يؤدي دوره، يبدو التحالف الأمني على الطريق للتوسع مرة أخرى، فهل أعادت الحرب في أوكرانيا فعلاً الحياة إلى الناتو، أم أن «يقظته» هذه «مرحلية» وستمر بعد انتهاء الحرب؟
ليست هذه المخاوف بعيدة عن تفكير دول شرق أوروبا القلقة اليوم أكثر من أي وقت مضى من أن تكون هي محطة روسيا «التوسعية» التالية بعد أوكرانيا. وقد حذرت رئيسة حكومة إستونيا، الدولة البلطيقية الصغيرة المجاورة لروسيا، من تردد بعض الدول داخل حلف الناتو في تعزيز قدراتها العسكرية. وقالت كايا كالاس في مؤتمر ميونيخ للأمن قبل أيام، إن بعض الدول «تأمل أن تنتهي الحرب ولا تضطر معها» لزيادة إنفاقها العسكري.
هذا الدور المحوري الذي يلعبه الناتو اليوم يعود بسبب أساسي لموقف الولايات المتحدة التي تقود جهود دعم أوكرانيا منذ البداية. ويعي الأوروبيون ذلك جيدا، وأكثر من ذلك يعرفون أن وجود الرئيس جو بايدن تحديداً في البيت الأبيض، هو سبب هذا الزخم المتجدد للحلف. فقد تساءل مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل علناً قبل أيام «هل تعتقدون أنه لو لم يكن بايدن في البيت الأبيض لكان الدعم لأوكرانيا بالشكل نفسه؟ بالتأكيد لا». وكان بوريل يقارن بين عهد بايدن وعهد ترمب الذي كان هدد حتى بوقف الدعم لأوكرانيا عندما كان رئيساً.
وفي وارسو، وكما كان متوقعاً، سلط بايدن في خطابه من حدائق القلعة الملكية في وارسو الضوء على التزام الولايات المتحدة وبولندا والحلفاء الآخرين حيال أوكرانيا، مذكراً بخطابه في مارس (آذار) الماضي من المكان ذاته. وقال: «عندما غزت روسيا، لم تكن أوكرانيا وحدها موضع الاختبار. واجه العالم كله اختباراً»، مؤكداً أن «مصلحة أميركا القومية ومصلحة أوروبا تتطلب منع روسيا من الحصول على مكافأة لغزوها دولة ذات سيادة». وهاجم نظيره الروسي الذي «كان يعتقد أننا سنتراجع»، مضيفاً أن بوتين «كان يعتقد أن المستبدين من أمثاله أقوياء وأن الأميركيين ناعمون». ولكنه، أي زعيم الكرملين، «يواجه شيئاً اليوم لم يكن يعتقد أنه ممكن قبل عام: عزيمة فولاذية لدى الولايات المتحدة»، موضحاً بلهجة تهكمية أن بوتين حصل على «انضمام فنلندا لحلف شمال الأطلسي» بدلاً من تفكك الحلف الغربي القوي، وقال إن «دعمنا لأوكرانيا لن يتراجع ولن ينقسم الناتو ولن نتعب»، مشدداً على أن «شهوة الرئيس بوتين الجبانة للأرض والسلطة ستفشل».

وتربط الصحافية والمحللة في معهد كارنيغي جودي دمبسي مستقبل الناتو القريب، بمن سيشغل البيت الأبيض في الانتخابات المقبلة. وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الدور الذي سيلعبه الناتو في السنوات المقبلة «يعتمد على من سيصبح الرئيس الأميركي المقبل، وما إذا كان بايدن سيترشح مجددا أو ما إذا كان الديمقراطيون سيفوزون بالانتخابات». ولكنها مع ذلك تقول إن القواعد الجديدة للناتو في شمال القارة الأوروبية «ستبقى من دون شك».
وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا فعلاً مدى اعتماد الناتو على الولايات المتحدة. ويقول جايمي شاي الذي شغل منصب نائب الأمين العام المساعد للتحديات الأمنية الناشئة في الناتو حتى تقاعده عام 2018 إن الحرب في أوكرانيا «أظهرت أن التحالف بحاجة إلى الأميركيين كي يكون فعالاً، ولتوحيد الصفوف داخل الحلف». ويرى شاي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب الأوكرانية لم تغير الناتو، «بل أعادته إلى مهمته الأصلية»، وهي الحماية الجماعية للدول الأعضاء «ليس ضد الاتحاد السوفياتي، بل خليفته روسيا». ويقول: «طوال 40 عاماً خلال الحرب الباردة كانت مهمة الناتو هي نفسها، أوروبا ضد الاتحاد السوفياتي، وهذا توقف بعد سقوط جدار برلين عام 1990، وبعد ذلك كان على الناتو أن يجد دوراً جديداً لنفسه، في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان والعراق... كل هذه الأمور التي لا علاقة لها بالدفاع المشترك».
وبالفعل، فإن الدور المستعاد للناتو جعله أيضاً يسير على خُطى التوسع مرة جديدة، رغم ما قد يحمل ذلك من مخاطر، فروسيا تقول إن توسع الناتو على حدودها هو ما دفعها لغزو أوكرانيا، بعد أن شعرت بالتهديد من الحلف. وبعيد بدء الحرب في أوكرانيا تقدمت كل من السويد وفنلندا بطلب عضوية للحلف، لتنهي الدولتان عقودا من عدم الانحياز.
ولكن شاي ودمبسي يصفان الكلام بأن توسع الناتو كان سبباً في الحرب، بأنه «بروباغندا روسية». ويقول شاي الذي شغل أيضا منصب المتحدث باسم الحلف أيام عملية الناتو في كوسوفو، إن «الناتو لا يذهب بحثاً عن أعضاء جدد، وهو ليس وكالة تجنيد تقنع دولاً بالانضمام إليه». ويشير شاي إلى أنه شارك في معظم عمليات توسع الناتو عندما كان يعمل في الحلف، مضيفاً أن الدول تطلب الانضمام بعد «شعورها بالتهديد» من قبل روسيا. ويرى أن روسيا «هي التي تتحمل بشكل أو بآخر عملية التوسيع»، ويقول: «لذا الأمر ليس توسعاً من الغرب إلى الشرق، على العكس نحن نشهد أن الشرق يريد أن ينضم للغرب». ويشير إلى أن روسيا وقعت على أكثر من اتفاقية أوروبية تضمن حق الدول باختيار الانتماء لأي تحالف تختار.
ومن هذا المبدأ، تقول دمبسي أيضا إن «السويد وفنلندا تريدان الانضمام للناتو لكي تشعرا بالأمن». وتضيف «نسمع البعض يقول إن الناتو يستفز روسيا، ولكن الواقع أن السويد وفنلندا ما كان ليتقدم كلاهما بطلب عضوية لو لم تشعرا بأنهما مهددتان». وما زال ضم الدولتين غير نهائي بسبب معارضة تركيا التي لم توافق بعد على طلب السويد، رغم أنها أعلنت مؤخرا أنها ستوافق على طلب فنلندا. وتتهم تركيا السويد بإيواء «إرهابيين» من حزب العمال الكردستاني، وتطالبها بتسليم عدد من المطلوبين لديها، فيما ترفض استوكهولم ذلك. وبقيت الدولتان الاسكندنافيتان على الحياد طوال عقود، حتى أن هلسنكي استضافت مرة قمة بين الرئيسين السابق ترمب والرئيس بوتين لتخفيف التوتر بين الطرفين. ولكن بعد الحرب في أوكرانيا، أعلنت الدولتان رغبتهما في الانضمام سويا إلى الحلف.

وقد وجه الرئيس الفنلندي سولي نينيستو نداء إلى تركيا بالموافقة على طلب السويد وليس فقط طلب بلاده، لكي يتمكنا من الانضمام سويا. ويرى شاي أن الزلزال الذي ضرب تركيا وتسبب بأضرار كبيرة قد يكون «فرصة» للسويد «لتصحيح» علاقتها بتركيا. وأشار إلى أن السويد التي ترأس الاتحاد الأوروبي لـ6 أشهر، عرضت استضافة مؤتمر دولي للمانحين لإعادة إعمار تركيا، مضيفا أن «دبلوماسية الزلزال» قد تكون جيدة لتحسين العلاقات وتخطي الخلافات حول حزب العمال الكردستاني. وقال إن تحرك السويد سريعا لمساعدة تركيا في إعادة الإعمار «هذا سيعطي إردوغان طريقة خروج جيدة، وسيكون جيداً بالنسبة له قبل الانتخابات، خصوصاً أنه بات أضعف بقليل مما كان عليه قبل الزلزال». ويشير المسؤول السابق في الحلف إلى أن تركيا «لينت» موقفها أصلاً، وبدأت الآن تقول إنها تقبل بعضوية فنلندا وليس السويد، بعد أن كانت ترفض ضم الدولتين. وأشار إلى أن السويد يمكنها أن تعجل بتبني قوانين لمكافحة الإرهاب أسوة بفنلندا لتسريع العملية.
وليست هذه المرة الأولى التي تثبت فيها تركيا أنها شريك «صعب»، فهي تسببت في أزمة مع حلفائها في الناتو بعد أن اشترت أنظمة دفاع جوي روسية قال الناتو إن ذلك لا يتماشى مع أنظمة الحلف. وتصف دمبسي تركيا بالعضو «غير السهل»، خصوصاً بسبب «علاقتها بروسيا وإيران وما تقوم به في سوريا»، ولكنها تضيف أن الناتو «لا يمكنه تهميش أو انتقاد تركيا بسبب دورها الاستراتيجي في البحر الأسود وهذه المنطقة في الشرق الأوسط»، وتشير إلى أن «التعاطي مع تركيا سيتطلب الكثير من الدبلوماسية والصبر».
ويرى شاي أن تركيا داخل الحلف أفضل من أن تكون خارجه، ويتحدث أيضا عن الأهمية الاستراتيجية التي تؤمنها تركيا للناتو، من قاعدة إنجرليك العسكرية، لاستضافتها قواعد أميركية وأسلحة نووية أميركية، ليضيف أن «الناتو من دون تركيا سيكون في وضع أصعب بكثير للدفاع عن نفسه». هذه الخلافات يراها شاي «طبيعية» بين مجموعة كبيرة من الدول، ولا تؤثر على اتحاد أو قوة الحلف.
وبعودة الناتو إلى مهمته الأصلية التي تأسس لأجلها، وتوسعه ليضم دولا جديدة، تبقى المخاوف من أن انتهاء الحرب قد يعيد التحالف إلى دور مبهم غير واضح، خصوصاً في حالة تلكأت الدول الأعضاء في إنفاق 2 في المائة من إنتاجها الإجمالي على ميزانها الدفاعي، كما يوصي الحلف. وهذا تحديداً ما حصل حتى الآن مع كثير من الدول التي تحججت بالوضع الاقتصادي لتخفيف إنفاقها العسكري.
الكرملين أمام انتصار بعيد... وهزيمة مستحيلة
بوتين «معزول» عالمياً وأمام «طريق مسدود» ... وروسيا خسرت أوكرانيا «إلى الأبد»
زيلينسكي... الممثل الهزلي لعب أدواراً كوميدية بحضور بوتين
 


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب) p-circle

زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، إن هناك أكثر من 8000 جندي كوري شمالي على الأراضي الروسية، وإن الاستعدادات جارية لنشر 10 آلاف جندي إضافي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

بوتين يأمر بزيادة عدد أفراد الجيش الروسي

أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الاثنين، مرسوماً رئاسياً يقضي بزيادة قوام الجيش الروسي إلى 1.55 مليون جندي في الخدمة الفعلية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

أفاد مسؤول أوكراني إقليمي، اليوم (الاثنين)، بأنّ مسيّرة روسية تعمل بمحرّك نفّاث أصابت قرية قرب الحدود البولندية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمعبر حدودي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

قال نائب وزير الدفاع البولندي سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

دعا رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة في المدن إلى التفكير في الانتقال إلى أماكن إقامة بديلة قبل حلول الشتاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، إن هناك أكثر من 8000 جندي كوري شمالي على الأراضي الروسية، وإن الاستعدادات جارية لنشر 10 آلاف جندي إضافي.

وأشار زيلينسكي إلى «بيانات جديدة» حول نشر قوات من كوريا الشمالية في روسيا، قائلاً في منشور على منصة «إكس» إن القوات «يجري اختيارها للتدريب والنشر لاحقاً في روسيا».

وكان زيلينسكي قد ذكر في أغسطس (آب) أن ما يصل إلى 50 ألف جندي كوري شمالي قد يتم إرسالهم للقتال إلى جانب روسيا، ودعا كوريا الجنوبية إلى تقديم دعم في مجال الدفاع الجوي لأوكرانيا.

وأعلنت سيول في يوليو (تموز) عن حزمة مساعدات بقيمة 100 مليون دولار لكييف، لكنها استبعدت الأسلحة الفتاكة منها.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، جاءت تصريحات زيلينسكي، الاثنين، بعد خلاف بين سيول وكييف بسبب إعلانه الأسبوع الماضي أن أوكرانيا نقلت جنديين كوريين شماليين أسيرين إلى كوريا الجنوبية.

وعبّرت سيول عن أسفها إزاء هذا الإعلان، مشيرة إلى اتفاق يقضي بالحفاظ على سرية عملية النقل.

وبحسب تقديرات من كييف وسيول، أرسلت كوريا الشمالية ما يتراوح بين 14 و15 ألف جندي لدعم حرب روسيا في أوكرانيا منذ عام 2024، تم نشر معظمهم في منطقة كورسك للمساعدة في صد توغل أوكراني.

وتشير تقييمات أوكرانية ومستقلة إلى أن بيونغ يانغ زودت روسيا بملايين من قذائف المدفعية وقذائف الهاون، بالإضافة إلى صواريخ باليستية وأنظمة مدفعية بعيدة المدى وأنظمة إطلاق صواريخ متعددة.


الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

بعد أيام من تحركات عسكرية لجبهة تحرير تيغراي المعارضة ومعارك مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، توالت دعوات إقليمية ودولية بوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

تلك الدعوات التي صدرت من قطر والإمارات وجيبوتي والولايات المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، يرى خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها قد تعزز الوساطة الحالية لإعادة الأطراف لاتفاق 2022 أو وساطة جديدة مع وجود تحالف أوسع من الجبهة يحتاج لاتفاق موسع جديد.

وتتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبية. واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك، الأسبوع الماضي، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

وأدانت قطر «التصعيد العسكري ضد القوات الفيدرالية الإثيوبية»، مؤكدة «دعمها الكامل لجميع الجهود الرامية إلى خفض التوتر في إثيوبيا». كما دعت جيبوتي، الأحد، إلى خفض التصعيد في إثيوبيا، وتسوية النزاعات من خلال الحوار.

ودعت الإمارات، الجمعة الماضية، إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية وخفض التصعيد، والالتزام باتفاق بريتوريا للسلام، مجددة دعمها لجميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في إثيوبيا.

كذلك، دعا الاتحاد الأفريقي في بيان خلال الساعات الماضية إلى التهدئة، وكذلك طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى خفض التوتر على الفور، مجدداً في بيان دعمه لجهود الاتحاد الأفريقي بما في ذلك المبذولة من رئيس نيجيريا السابق أولوسيغون أوباسانغو الهادفة إلى تخفيف التوترات، وإعادة إشراك الأطراف في المحادثات بحسن نية تحت إطار عمل اتفاق بريتوريا.

أيضاً دعا الاتحاد الأوروبي، أخيراً، إلى خفض التصعيد بشكل فوري في شمال إثيوبيا، مؤكداً مواصلة دعمه لجهود خفض التصعيد، وعملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، والحوار الهادف بين الأطراف.

عناصر من «جبهة تحرير تيغراي» في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن تلك المواقف المكثفة ترغب في العودة إلى طاولة المفاوضات، وتفعيل اتفاق بريتوريا، مؤكداً أن العودة للتفاهمات وتطبيق الاتفاق يصب في مصلحة الحكومة الإثيوبية؛ كونها غير معنية بالانجرار نحو حرب استنزاف تسعى إليها أطراف معينة، والالتزام بمسار بريتوريا يمثل مصلحة عليا لإثيوبيا ولدول المنطقة كافة.

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس إلى أن جبهة تيغراي سبق أن رحبت بأي خطوات للسلام فضلاً على أن هذه الدعوات تدرك أهمية استقرار إثيوبيا للأمن في الإقليم. ويعتقد أبو إدريس أن هذا التحرك المتسارع دولياً يحتاج إلى معادلة جديدة أكبر من اتفاق بريتوريا 2022 بسبب دخول فاعلين جدد إلى الملعب مع تكوين التحالف المسلح الجديد.

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991 وحكمت إثيوبيا 3 عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018؛ ما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي، وحشدت قواتها على حدود الإقليم، وسط اتهامات من الطرفين بانتهاك الاتفاق.

ويرى أبو إدريس أن أي وساطة مهما كان الطرف الذي يقوم بها إذا لم تصاحبها إرادة داخلية تريد طي صفحة النزاعات في البلد لن تحقق نجاحاً كاملاً، وقد تنجح الوساطة الجديدة في الوصول إلى هدنة مؤقتة لكنها يمكن أن تنهار في أي وقت.

وحول مدى استجابة القيادات الميدانية داخل الجبهة المعارضة، أوضح عبد الصمد أن الواقع العسكري والاقتصادي والسياسي داخل إقليم تيغراي وموازين القوى الراهنة لا تمنح هذه الأطراف خيار الرفض؛ ما سيجبرها في النهاية على القبول بالجهود الجارية للعودة للاتفاق.


ترمب يرفض «دمج» جهود الذكاء الاصطناعي مع الصين رغم فتح قناة اتصال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يرفض «دمج» جهود الذكاء الاصطناعي مع الصين رغم فتح قناة اتصال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، أنه لا يريد «دمج» جهود الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم «النقاش الكبير» الذي أجراه هذا الأسبوع مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، بشأن هذه التكنولوجيا.

وقال ترمب للصحافيين، لدى مغادرته واشنطن متّجهاً إلى نوكسفيل في تكساس، إن الصين «تريد وقف تقدمنا لأننا نتقدم عليها بفارق كبير، وسنحافظ على ذلك»، مضيفاً: «أفضِّل ألا نندمج لأننا متقدمون بفارق كبير... عندما تكون في الصدارة، لا تفتح المجال للطرف الآخر».

جاءت تصريحات ترمب بعد يوم من اختتام زيارة شي لواشنطن، وفي وقت أعلن فيه البيت الأبيض أن البلدين اتفقا على استحداث «قناة اتصال» لمعالجة الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس تنسيقاً محدوداً بين القوتين المتنافستين من دون أن يمتد إلى تعاون أوسع في تطوير التكنولوجيا.

تنسيق محدود مع بكين

أفاد البيت الأبيض في وثيقة بأن البلدين استحدثا «حواراً بين الولايات المتحدة والصين في شأن (الذكاء الفائق) لتبادل وجهات النظر حول المخاطر والمنافع» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واتفقا كذلك على إقامة «قناة اتصال ثنائية» لمعالجة الحوادث في هذا المجال. وأكدت وسائل الإعلام الرسمية الصينية، في تقرير حول نتائج القمة، السبت، الاتفاق على إنشاء خط ساخن للذكاء الاصطناعي.

وشكّل الذكاء الاصطناعي، الذي بات ترمب منذ أيام يصفه بـ«الذكاء الفائق»، أحد المحاور الرئيسية التي بحثها مع شي خلال زيارته لواشنطن التي استمرّت 3 أيام واختتمت، الجمعة. وقال ترمب، السبت، إن الجانبين أجريا «نقاشاً كبيراً» حول هذا الملف، قبل أن يقلّل في الوقت نفسه من حجم المحادثات، موضحاً أنهما «لم يمضيا وقتاً طويلاً» في بحثه.

وتتعرض الدولتان المتنافستان في مجال الذكاء الاصطناعي لانتقادات متزايدة في شأن مسألة المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، بعد تسجيل عدد من الحوادث أثارت مخاوف من تَفَلُّت هذه التكنولوجيا عن سيطرة مبتكريها. ورأى الرئيس الصيني أن على واشنطن وبكين مسؤولية «تطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح العام، وضمان أن يظل تطويره دائماً في ظل الرقابة البشرية».

أما ترمب، فكان موقفه مختلفاً؛ إذ أعرب عن تمسكه بـ«مستوى التنظيم الحالي»، وشدّد على أن أي تنسيق مع بكين لا يعني انفتاحاً على دمج الجهود في هذا القطاع. وقال إن الصين تسعى إلى إبطاء التقدم الأميركي، مضيفاً أن الولايات المتحدة تتقدم عليها «بفارق كبير».

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اقترح، الأسبوع الماضي، استحداث آلية للإخطار المتبادل بين البلدين في شأن أي حوادث في مجال الذكاء الاصطناعي «تتعلق بالأمن القومي». وأضاف: «نعتقد أنه من المهم الانتقال من وضع يكتنفه الغموض إلى مزيد من الشفافية بين القوتين الأولى والثانية في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي».

اختراق جديد

تزامن الإعلان عن قناة اتصال جديدة بين بكين وواشنطن بشأن الذكاء الاصطناعي، مع كشف شركة «أوبن إيه آي» عن اختراق جديد مثير للقلق.

وأقرت الشركة الرائدة، أمس، بأن أدواتها للذكاء الاصطناعي نشرت على الإنترنت 53 صورة أرسلها مستخدمون عبر منصتها «تشات جي بي تي»، في تسريب جديد يطول هذه المرة بيانات مستخدمي الشركة نفسها.

كما أكّدت أن أدواتها اخترقت مواقع تابعة لوكالات فيدرالية أميركية، مؤكدة بذلك معلومات أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» سابقاً، لكنها أشارت إلى أنها لم تجمع فيها سوى معلومات متاحة للعموم.

وأوضحت «أوبن إيه آي» أن الروابط للصور الـ53 لم تكن متاحة للعلن، ونُشرت عن طريق الخطأ على مواقع استضافة إلكترونية، وأشارت إلى أن معظمها أزيل بمساعدة مقدمي الخدمات المضيفين المعنيين، وأن العمل يجري على إزالة الصور المتبقية، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت هذه الصور قد أُرسلت من حسابات وافق أصحابها على استخدام بياناتهم لتطوير نماذج الشركة. ومرت قبل استخدامها عبر مصفاة لخصوصية البيانات الشخصية، وأكدت الشركة أنه لم يعد بالإمكان ربط الصور بالمستخدمين الذين أرسلوها. ولم توضح «أوبن إيه آي» ما إذا كانت هذه الصور تظهر أشخاصاً يمكن التعرف عليهم أو بيانات حساسة، ولم تكشف المزيد من التفاصيل رداً على أسئلة «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونُشرت الصور نتيجة سلوك «وكلاء للذكاء الاصطناعي»، وهي برمجيات مصممة بناءً على نماذج ذكاء اصطناعي وقادرة على تنفيذ سلسلة من المهام المتتالية بصورة ذاتية. وأوضحت الشركة أن أدوات ذكاء اصطناعي وكيلة يجري استخدامها في إطار أبحاثها، نقلت إلى خدمات خارجية بيانات تدريب لم تكن بمعظمها صادرة عن مستخدمين، ولفتت إلى أن عمليات النقل جرت بمعظمها قبل أن تعزز الأمن حول أبحاثها في أغسطس (آب).

وأكدت أنها تجري حالياً عملية مسح شاملة لأنشطة أدواتها الوكيلة السابقة، في عملية ستستغرق أشهراً عدة.

وأقر الرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، الجمعة، بأنه «لم نكن بالسرعة التي كنا نتمناها» في عمليات المراجعة والكشف عن الحوادث، مبرراً ذلك بالحجم الهائل من البيانات الواجب تحليلها.

وقال متحدث باسم «أوبن إيه آي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «غالبية الأنشطة التي خضعت للتدقيق حتى الآن كانت من ضمن مهام البحث الاعتيادية، كالوصول إلى محتويات متاحة للعموم على الإنترنت للإجابة عن أسئلة». وأضاف أن «بعض هذه الأنشطة شملت مواقع حكومية، إذ غالباً ما تلجأ نماذجنا إليها بوصفها مصادر مرجعية للمعلومات العامة».

وبذلك، أكدت الشركة أن نماذجها وصلت إلى معلومات عامة على مواقع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، الجهة الناظمة للأسواق المالية، قبل أن تنشر جزءاً منها على صفحة أخرى على الإنترنت، مشددةً على أنها لم تجد أي أثر للنفاذ إلى معلومات غير متاحة للعموم.