هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟

هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟
TT

هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟

هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟

قبل عامين من بدء الحرب في أوكرانيا وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حلف شمال الأطلسي بأنه «ميت دماغياً»، وقبله سعى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب للانسحاب حتى من التحالف الذي لم يوفر انتقادات له.
ولكن اليوم يبدو حلف الناتو النقطة المحورية التي تدور حولها الدول الداعمة لأوكرانيا، وتُنسَّق عبرها المساعدات العسكرية، وبات أيضاً مرجعاً أمنياً للدول التي تشعر بتهديد من روسيا بعد غزوها أوكرانيا. وعوضاً عن الحديث عن أن الناتو بات «ميتاً» ولم يعد يؤدي دوره، يبدو التحالف الأمني على الطريق للتوسع مرة أخرى، فهل أعادت الحرب في أوكرانيا فعلاً الحياة إلى الناتو، أم أن «يقظته» هذه «مرحلية» وستمر بعد انتهاء الحرب؟
ليست هذه المخاوف بعيدة عن تفكير دول شرق أوروبا القلقة اليوم أكثر من أي وقت مضى من أن تكون هي محطة روسيا «التوسعية» التالية بعد أوكرانيا. وقد حذرت رئيسة حكومة إستونيا، الدولة البلطيقية الصغيرة المجاورة لروسيا، من تردد بعض الدول داخل حلف الناتو في تعزيز قدراتها العسكرية. وقالت كايا كالاس في مؤتمر ميونيخ للأمن قبل أيام، إن بعض الدول «تأمل أن تنتهي الحرب ولا تضطر معها» لزيادة إنفاقها العسكري.
هذا الدور المحوري الذي يلعبه الناتو اليوم يعود بسبب أساسي لموقف الولايات المتحدة التي تقود جهود دعم أوكرانيا منذ البداية. ويعي الأوروبيون ذلك جيدا، وأكثر من ذلك يعرفون أن وجود الرئيس جو بايدن تحديداً في البيت الأبيض، هو سبب هذا الزخم المتجدد للحلف. فقد تساءل مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل علناً قبل أيام «هل تعتقدون أنه لو لم يكن بايدن في البيت الأبيض لكان الدعم لأوكرانيا بالشكل نفسه؟ بالتأكيد لا». وكان بوريل يقارن بين عهد بايدن وعهد ترمب الذي كان هدد حتى بوقف الدعم لأوكرانيا عندما كان رئيساً.
وفي وارسو، وكما كان متوقعاً، سلط بايدن في خطابه من حدائق القلعة الملكية في وارسو الضوء على التزام الولايات المتحدة وبولندا والحلفاء الآخرين حيال أوكرانيا، مذكراً بخطابه في مارس (آذار) الماضي من المكان ذاته. وقال: «عندما غزت روسيا، لم تكن أوكرانيا وحدها موضع الاختبار. واجه العالم كله اختباراً»، مؤكداً أن «مصلحة أميركا القومية ومصلحة أوروبا تتطلب منع روسيا من الحصول على مكافأة لغزوها دولة ذات سيادة». وهاجم نظيره الروسي الذي «كان يعتقد أننا سنتراجع»، مضيفاً أن بوتين «كان يعتقد أن المستبدين من أمثاله أقوياء وأن الأميركيين ناعمون». ولكنه، أي زعيم الكرملين، «يواجه شيئاً اليوم لم يكن يعتقد أنه ممكن قبل عام: عزيمة فولاذية لدى الولايات المتحدة»، موضحاً بلهجة تهكمية أن بوتين حصل على «انضمام فنلندا لحلف شمال الأطلسي» بدلاً من تفكك الحلف الغربي القوي، وقال إن «دعمنا لأوكرانيا لن يتراجع ولن ينقسم الناتو ولن نتعب»، مشدداً على أن «شهوة الرئيس بوتين الجبانة للأرض والسلطة ستفشل».

وتربط الصحافية والمحللة في معهد كارنيغي جودي دمبسي مستقبل الناتو القريب، بمن سيشغل البيت الأبيض في الانتخابات المقبلة. وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الدور الذي سيلعبه الناتو في السنوات المقبلة «يعتمد على من سيصبح الرئيس الأميركي المقبل، وما إذا كان بايدن سيترشح مجددا أو ما إذا كان الديمقراطيون سيفوزون بالانتخابات». ولكنها مع ذلك تقول إن القواعد الجديدة للناتو في شمال القارة الأوروبية «ستبقى من دون شك».
وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا فعلاً مدى اعتماد الناتو على الولايات المتحدة. ويقول جايمي شاي الذي شغل منصب نائب الأمين العام المساعد للتحديات الأمنية الناشئة في الناتو حتى تقاعده عام 2018 إن الحرب في أوكرانيا «أظهرت أن التحالف بحاجة إلى الأميركيين كي يكون فعالاً، ولتوحيد الصفوف داخل الحلف». ويرى شاي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب الأوكرانية لم تغير الناتو، «بل أعادته إلى مهمته الأصلية»، وهي الحماية الجماعية للدول الأعضاء «ليس ضد الاتحاد السوفياتي، بل خليفته روسيا». ويقول: «طوال 40 عاماً خلال الحرب الباردة كانت مهمة الناتو هي نفسها، أوروبا ضد الاتحاد السوفياتي، وهذا توقف بعد سقوط جدار برلين عام 1990، وبعد ذلك كان على الناتو أن يجد دوراً جديداً لنفسه، في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان والعراق... كل هذه الأمور التي لا علاقة لها بالدفاع المشترك».
وبالفعل، فإن الدور المستعاد للناتو جعله أيضاً يسير على خُطى التوسع مرة جديدة، رغم ما قد يحمل ذلك من مخاطر، فروسيا تقول إن توسع الناتو على حدودها هو ما دفعها لغزو أوكرانيا، بعد أن شعرت بالتهديد من الحلف. وبعيد بدء الحرب في أوكرانيا تقدمت كل من السويد وفنلندا بطلب عضوية للحلف، لتنهي الدولتان عقودا من عدم الانحياز.
ولكن شاي ودمبسي يصفان الكلام بأن توسع الناتو كان سبباً في الحرب، بأنه «بروباغندا روسية». ويقول شاي الذي شغل أيضا منصب المتحدث باسم الحلف أيام عملية الناتو في كوسوفو، إن «الناتو لا يذهب بحثاً عن أعضاء جدد، وهو ليس وكالة تجنيد تقنع دولاً بالانضمام إليه». ويشير شاي إلى أنه شارك في معظم عمليات توسع الناتو عندما كان يعمل في الحلف، مضيفاً أن الدول تطلب الانضمام بعد «شعورها بالتهديد» من قبل روسيا. ويرى أن روسيا «هي التي تتحمل بشكل أو بآخر عملية التوسيع»، ويقول: «لذا الأمر ليس توسعاً من الغرب إلى الشرق، على العكس نحن نشهد أن الشرق يريد أن ينضم للغرب». ويشير إلى أن روسيا وقعت على أكثر من اتفاقية أوروبية تضمن حق الدول باختيار الانتماء لأي تحالف تختار.
ومن هذا المبدأ، تقول دمبسي أيضا إن «السويد وفنلندا تريدان الانضمام للناتو لكي تشعرا بالأمن». وتضيف «نسمع البعض يقول إن الناتو يستفز روسيا، ولكن الواقع أن السويد وفنلندا ما كان ليتقدم كلاهما بطلب عضوية لو لم تشعرا بأنهما مهددتان». وما زال ضم الدولتين غير نهائي بسبب معارضة تركيا التي لم توافق بعد على طلب السويد، رغم أنها أعلنت مؤخرا أنها ستوافق على طلب فنلندا. وتتهم تركيا السويد بإيواء «إرهابيين» من حزب العمال الكردستاني، وتطالبها بتسليم عدد من المطلوبين لديها، فيما ترفض استوكهولم ذلك. وبقيت الدولتان الاسكندنافيتان على الحياد طوال عقود، حتى أن هلسنكي استضافت مرة قمة بين الرئيسين السابق ترمب والرئيس بوتين لتخفيف التوتر بين الطرفين. ولكن بعد الحرب في أوكرانيا، أعلنت الدولتان رغبتهما في الانضمام سويا إلى الحلف.

وقد وجه الرئيس الفنلندي سولي نينيستو نداء إلى تركيا بالموافقة على طلب السويد وليس فقط طلب بلاده، لكي يتمكنا من الانضمام سويا. ويرى شاي أن الزلزال الذي ضرب تركيا وتسبب بأضرار كبيرة قد يكون «فرصة» للسويد «لتصحيح» علاقتها بتركيا. وأشار إلى أن السويد التي ترأس الاتحاد الأوروبي لـ6 أشهر، عرضت استضافة مؤتمر دولي للمانحين لإعادة إعمار تركيا، مضيفا أن «دبلوماسية الزلزال» قد تكون جيدة لتحسين العلاقات وتخطي الخلافات حول حزب العمال الكردستاني. وقال إن تحرك السويد سريعا لمساعدة تركيا في إعادة الإعمار «هذا سيعطي إردوغان طريقة خروج جيدة، وسيكون جيداً بالنسبة له قبل الانتخابات، خصوصاً أنه بات أضعف بقليل مما كان عليه قبل الزلزال». ويشير المسؤول السابق في الحلف إلى أن تركيا «لينت» موقفها أصلاً، وبدأت الآن تقول إنها تقبل بعضوية فنلندا وليس السويد، بعد أن كانت ترفض ضم الدولتين. وأشار إلى أن السويد يمكنها أن تعجل بتبني قوانين لمكافحة الإرهاب أسوة بفنلندا لتسريع العملية.
وليست هذه المرة الأولى التي تثبت فيها تركيا أنها شريك «صعب»، فهي تسببت في أزمة مع حلفائها في الناتو بعد أن اشترت أنظمة دفاع جوي روسية قال الناتو إن ذلك لا يتماشى مع أنظمة الحلف. وتصف دمبسي تركيا بالعضو «غير السهل»، خصوصاً بسبب «علاقتها بروسيا وإيران وما تقوم به في سوريا»، ولكنها تضيف أن الناتو «لا يمكنه تهميش أو انتقاد تركيا بسبب دورها الاستراتيجي في البحر الأسود وهذه المنطقة في الشرق الأوسط»، وتشير إلى أن «التعاطي مع تركيا سيتطلب الكثير من الدبلوماسية والصبر».
ويرى شاي أن تركيا داخل الحلف أفضل من أن تكون خارجه، ويتحدث أيضا عن الأهمية الاستراتيجية التي تؤمنها تركيا للناتو، من قاعدة إنجرليك العسكرية، لاستضافتها قواعد أميركية وأسلحة نووية أميركية، ليضيف أن «الناتو من دون تركيا سيكون في وضع أصعب بكثير للدفاع عن نفسه». هذه الخلافات يراها شاي «طبيعية» بين مجموعة كبيرة من الدول، ولا تؤثر على اتحاد أو قوة الحلف.
وبعودة الناتو إلى مهمته الأصلية التي تأسس لأجلها، وتوسعه ليضم دولا جديدة، تبقى المخاوف من أن انتهاء الحرب قد يعيد التحالف إلى دور مبهم غير واضح، خصوصاً في حالة تلكأت الدول الأعضاء في إنفاق 2 في المائة من إنتاجها الإجمالي على ميزانها الدفاعي، كما يوصي الحلف. وهذا تحديداً ما حصل حتى الآن مع كثير من الدول التي تحججت بالوضع الاقتصادي لتخفيف إنفاقها العسكري.
الكرملين أمام انتصار بعيد... وهزيمة مستحيلة
بوتين «معزول» عالمياً وأمام «طريق مسدود» ... وروسيا خسرت أوكرانيا «إلى الأبد»
زيلينسكي... الممثل الهزلي لعب أدواراً كوميدية بحضور بوتين
 


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: هاجمنا ميناءً روسياً وألحقنا أضراراً ببنية تحتية نفطية

أوروبا سيدة أوكرانية تتفقد منزلاً تعرَّض لهجوم من طائرات روسية مُسيَّرة في حي كييفسكي بمدينة دونيتسك (د.ب.أ)

زيلينسكي: هاجمنا ميناءً روسياً وألحقنا أضراراً ببنية تحتية نفطية

أسفرت هجمات بمُسيَّرات روسية، الأحد، عن مقتل 3 أشخاص في أوكرانيا؛ خصوصاً في منطقة أوديسا الساحلية (جنوب)، بينما قُتل شخص في غارات أوكرانية قرب موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
آسيا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (رويترز) p-circle

زعيم كوريا الشمالية يشدد على دور الشباب في تحقيق أهداف الدولة

التقى الزعيم الكوري الشمالي بمندوبي مؤتمر رابطة شبان الحزب الحاكم للتأكيد على دور الشباب في تحقيق أهداف الدولة في خضم حرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
الولايات المتحدة​ وزيرا الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي والأسترالي ريتشارد مارلز يتصافحان أمام وحدة «باتريوت باك 3» الأميركية في طوكيو يوم 7 ديسمبر 2025 (أ.ب)

ميزانية ترمب الدفاعية تصطدم بالكونغرس رغم تحذيرات نقص الذخائر

طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب ميزانية دفاعية فلكية لتمكين «البنتاغون» من تسريع إنتاج الأسلحة التي تناقصت بصورة حادة بسبب حروب إيران وأوكرانيا ولبنان وغزة.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنقرة في ديسمبر عام 2024 (الرئاسة التركية)

تركيا: الاتحاد الأوروبي فاقد للرؤية ولا يرغب في عضويتنا

اتهمت تركيا الاتحاد الأوروبي بافتقاد الرؤية الاستراتيجية والإرادة السياسية لقبول عضويتها وسط سعي أوروبي للتخفيف من أزمة تسببت فيها تصريحات لرئيسة المفوضية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا صورة نُشرت يوم 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

زيلينسكي: رصدنا نشاطاً غير معتاد على حدودنا مع روسيا البيضاء

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن أوكرانيا رصدت «نشاطاً غير معتاد» على الحدود بين أوكرانيا وروسيا البيضاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
TT

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)

ينهي ملك بريطانيا تشارلز الثالث زيارته إلى برمودا بإطلاق مشروع «نوفا» التابع لوكالة الفضاء البريطانية رسمياً للمساعدة في تتبع الحطام الفضائي، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

ويزور تشارلز موقع مرصد جديد تابع للوكالة في الجزيرة للاستماع إلى معلومات بشأن مبادرة الإشراف على تركيب شبكة عالمية من التلسكوبات، عبر خمسة مواقع، للمساعدة في تتبع الأقمار الاصطناعية القديمة، ومراحل الصواريخ، وغيرها من الأجسام، وفقاً لوكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وخلال يومه الأخير في برمودا، يفتتح الملك أيضاً محطة خفر السواحل الجديدة في خليج جريت باي، حيث سيستمع إلى العمل الحاسم الذي يقوم به خفر السواحل التابع لفوج برمودا الملكي في حماية المياه الإقليمية للجزيرة، وحماية بيئتها البحرية.

كما يشاهد ملك بريطانيا قطعتين جديدتين من التكنولوجيا التي يستخدمها الفوج -وهما مركبة مسيرة تعمل تحت الماء، ومركبة جوية مسيرة.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.