مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة

باريس وبرلين قلقتان من أن تنتهي بهيمنة الولايات المتحدة اقتصادياً وإضعاف الاتحاد الأوروبي

مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة
TT

مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة

مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة

إلى متى هذه الحرب؟ إلى أين؟ وما احتمالات اتساع دائرتها؟ وما الذي يمكن أن يضع حدّاً لها قبل أن تخرج عن السيطرة التي تبدو حتى الآن إحدى سماتها الأساسية؟ هذه الأسئلة، وغيرها كثيرة، ما زالت من غير أجوبة شافية بعد سنة على اندلاع أول مواجهة عسكرية مفتوحة في قلب القارة الأوروبية بين قوة نووية كبرى وتحالف غربي واسع تحت عباءة الحلف الأطلسي في الوقت الذي يتلبّد فيه المشهد الاقتصادي العالمي بغيوم سوداء كثيفة تنذر بأزمات عاصفة على أكثر من صعيد.
بعد الاندهاش أمام كمية الأخطاء التي ارتكبتها الدولة الغازية في حساباتها، يلفت الانتباه أن هذه الحرب التي اندلعت في مطالع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، والتي تشارك فيها بشكل أو بآخر معظم القوى الحربية الكبرى، تدور بالأسلوب نفسه «التقليدي» الذي دارت به الحربان العالميتان وجميع الحروب الإقليمية الأخرى التي تلتها إلى اليوم، من غير اللجوء إلى استخدام الأسلحة الاستراتيجية والتكنولوجية المتقدمة التي طوّرتها الدول الصناعية في العقود الأخيرة.
في الظاهر، انطلقت هذه الحرب، على غرار جميع الحروب التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من نزاع على الأراضي يعود إلى نشأة البلدين المتحاربين ويضرب جذوره في عمق الهوية القومية لكل منهما، الأمر الذي يبشّر عادة بعدم نهايتها في القريب المنظور واستمرارها لسنوات طويلة. وطالما أن احتمالات اللجوء إلى السلاح النووي ضعيفة جداً رغم التلويح به من حين لآخر، أصبحت المواجهة حرباً استنزافية بامتياز، يتوقف مصيرها على قدرة كل طرف على احتلال الأراضي والحفاظ عليها، وأيضاً على قدراته الجوية لحسم السيطرة الميدانية في المناطق التي تقع تحت سيطرته، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي، في حال عدم حصول اختراق كبير قريباً على جبهة القتال أو على خطوط المفاوضات المعطّلة، إلى تزويد أوكرانيا بطائرات مقاتلة، ما يزيد من احتمالات الدخول المباشر للقوات الأطلسية في الحرب ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد.
من هذا المنطلق، تجهد الدول الغربية منذ بداية الحرب، بتوجيه وضغط مباشرين من الولايات المتحدة، لخنق الاقتصاد الروسي والحد من قدراته الإنتاجية والصناعية. ومنه أيضاً تتبدّى أهداف القوات الروسية إلى تكثيف عمليات القصف ضد المدن والبنى التحتية في أوكرانيا، لإضعاف قدرتها على الإنتاج الصناعي وإجبارها على نقل دفاعاتها الجوية إلى مناطق بعيدة عن جبهات القتال الساخنة.

وما لا شك فيه أن هذا الأسلوب «التقليدي» للحرب منذ اندلاعها، الذي يرجّح أن يستمرّ في الأشهر المقبلة ليحوّلها إلى مواجهة استنزافية تستقرّ كورم خبيث في خاصرة أوروبا، هو الرهان الوحيد الذي تبقّى لفلاديمير بوتين عندما خسر رهانه الأول على حرب خاطفة بعد أن أجهض الجيش الأوكراني، بتوجيه من المخابرات الغربية، عملية إنزال سريعة للقوات الروسية الخاصة في مطار كييف دعماً لانقلاب سياسي على حكومة زيلينسكي. وهو أيضاً ما دفع الحلفاء الغربيين، العالقين بين مطرقة واشنطن وسندان الحشد الروسي لعملية واسعة على الأبواب، إلى تزويد أوكرانيا بأسلحة متطورة لم تكن واردة في حساباتهم لأسابيع قليلة خلت، ما سيؤدي حتماً إلى تنامي التيّار المعارض في الدول الأوروبية لضخّ مزيد من السلاح في الحرب ودفعها نحو مرحلة جديدة من التصعيد تعجز عن التحكم بمسارها.
وإذا كانت الحرب الطويلة مرادفة لحتمية وقوع كارثة اقتصادية عالمية بدأت تظهر تباشيرها الأولى في تحاليل الخبراء وتنبيهات المنظمات الدولية، فهي تحمل أيضاً خطراً دائماً بنشوب حرب نووية، فضلاً عن احتمالات قوية باتساع دائرتها الجغرافية واضطرار الجيوش الأطلسية إلى الدخول فيها بشكل مباشر. إلى جانب ذلك، يدرك الرئيس الروسي أنه بقدر ما تطول الحرب، بقدر ما تصعب المحافظة على تلاحم الصف الغربي، وتضعف قدرة الولايات المتحدة للتركيز على مواجهة التحديات الصينية ومطامع بكين المعلنة في تايوان.
يكرّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن هدفه هو استعادة جميع الأراضي التي احتلتها روسيا منذ عام 2014، مدعوماً بالوعود الغربية الأخيرة لتزويده بأسلحة هجومية متطورة، بما فيها صواريخ بعيدة المدى، ونجاح قواته في استرجاع السيطرة على بعض المدن التي خسرتها في بداية الحرب. لكن هل يعني ذلك أن انتصار أوكرانيا لم يعد مجرد سراب؟ وهل هي في طريقها إلى الانتصار إذا صدقت الوعود الغربية بتزويدها بالسلاح الذي تحتاج إليه مهما طالت الحرب؟
الإجابة عن هذه التساؤلات تتوقف على المقصود بانتصار أوكرانيا. صحيح أن قدراتها العسكرية ازدادت بفضل الخبرات الميدانية التي اكتسبتها قواتها بعد اثني عشر شهراً من المعارك الضارية، وأيضاً بفضل برامج التدريب المكثّف لجنودها في كثير من البلدان الأطلسية والمساعدات الضخمة التي تحصل عليها منذ بداية الحرب، لكن الهجوم المضاد الذي بدأته القوات الأوكرانية ما زال محدوداً جداً، وبعيداً عن أن يشمل جبهات القتال المفتوحة وعاجزاً عن فتح جبهات جديدة، فضلاً عن أن أوكرانيا ليست قادرة على القيام بعملية حربية واسعة تؤدي إلى هزيمة روسيا في حرب واسعة. يضاف إلى ذلك، أنه في حال التسليم بإمكانية «انتصار» أوكرانيا، يجد الغرب نفسه أمام معضلة التساؤل حول ما إذا كان من الحكمة الذهاب في دعمها حتى تحقيق هذا الهدف، أم لا. فالسير في هذا الاتجاه سيؤدي في النهاية إلى جرّ الدول الغربية للدخول مباشرة في الحرب، مع ما يعنيه ذلك من فتحها على كل الاحتمالات. كما أن هزيمة روسيا ستؤدي حتماً إلى سقوط نظام بوتين، من غير معرفة البديل الذي سيأتي بعده والأسس التي ستبنى عليها العلاقات معه في المستقبل.
أما المفاوضات، ورغم الاستعداد الذي أبدته الصين مؤخراً للتحرّك في هذا الاتجاه، فهي ما زالت سراباً بعيد المنال في الوقت الراهن، لأن أوكرانيا الآن ترفضها بعد أن صار هدفها المعلن هو استعادة جميع الأراضي التي احتلتها روسيا، بينما تحتاج موسكو لاسترجاع زمام المبادرة في الحرب قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ولأنها تعتبر أن الأراضي التي احتلتها حتى الآن ليست كافية لتلبية احتياجاتها الأمنية.
اللازمة التي تتكرر باستمرار على لسان فولوديمير زيلينسكي كلما خاطب حلفاءه الغربيين، هي أن أوكرانيا تقاتل عنهم، ومن أجل حريتهم والديمقراطية. لكن الأوروبيين يدركون جيداً أنهم الخاسر الأكبر في هذه الحرب التي «فرضت» عليهم، كما فرض عليهم حشد الدعم لأوكرانيا، بلا أفق زمني أو حدود لتدفق المساعدات المالية والعسكرية تحت العين الساهرة لواشنطن التي تقطف وحدها إلى الآن «ثمار» هذه الحرب، من إعادة الحياة إلى الحلف الأطلسي، إلى إنهاك روسيا بالعقوبات والجهد الحربي، وقطع شرايين إمدادات الطاقة الروسية للاقتصاد الأوروبي وربطه بشروطها، وتحقيق الهدف الاستراتيجي الأعمق بنسف احتمالات التقارب والتحالف في أمد منظور بين روسيا وألمانيا.
ورث المخططون الاستراتيجيون الأميركيون أحد المبادئ الأساسية التي قام عليها الفكر الاستراتيجي البريطاني طيلة عقود، وهو ضرب مقومات أي تحالف استراتيجي بين الروس والألمان. هذا التحالف بدأت تظهر ملامحه الأولى عبر مشروع «نورد ستريم» الذي كانت حلقته الأولى الاتفاق الموقع بين «غازبروم»، أكبر منتج للغاز، وشركة «BASF» الألمانية، أكبر شركة كيميائية في العالم يقدّر استهلاكها اليومي للطاقة بما تستهلكه دولة مثل سويسرا. يضاف إلى ذلك، أن أوكرانيا ليست دولة عادية من المنظور الأميركي؛ بل هي المعبر الرئيسي لربط الاقتصاد الأوروبي بالطاقة الروسية الذي تحاول واشنطن تعقيده، من غير أن تنجح، عن طريق مشاريع بديلة عبر منطقة بحر قزوين والدول المجاورة في آسيا الوسطى. ولا شك في أن إطالة الحرب ودفع ألمانيا إلى «المشاركة» فيها، يعزّزان فرص تصدّع الروابط الجيوسياسية بين روسيا وألمانيا بشكل يستحيل رأبه في القريب المنظور. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى التفجير الذي تعرّض له خط أنابيب «نورد ستريم» أمام السواحل الإسكندنافية في سبتمبر (أيلول) الماضي، الذي ما زالت ملابساته غامضة من غير أن تتضح الجهة المسؤولة عنه.
عندما أعلنت المفوضية الأوروبية عن الحزمة الأخيرة من العقوبات ضد روسيا، لم يتردد رئيس شركة «BASF» الألمانية في القول إن العقوبات ستؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات البطالة، وإغلاق كثير من المؤسسات، وإلحاق أضرار لا تعوّض بالاقتصاد الألماني، ودفع البلاد إلى أسوأ أزمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. في الوقت نفسه، كان وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير يصرّح بقوله إن الحرب في أوكرانيا لا يجب أن تنتهي بهيمنة الولايات المتحدة اقتصادياً وإضعاف الاتحاد الأوروبي.
في ضوء كل ذلك، يستحيل التكهن بمستقبل هذه الحرب الذي يبقى مفتوحاً على احتمالات عديدة، وعلى مفاجآت يفرضها مسار المعارك التي دخلت مرحلة من الضراوة يرجح أن تستعر في الأشهر المقبلة، فيما يتعمّق الانقسام بين الدول الأوروبية حول المضي في دفع فاتورة الدعم العسكري لأوكرانيا تلبية لضغوط الحليف الأميركي، الضامن الوحيد لأمنها، وخشية من مغامرات روسية أخرى في الجوار الأوروبي.
الشيء الوحيد الأكيد حتى الآن هو أن هذه الحرب، في عمقها الاستراتيجي، ليست سوى الفصل الأخير بالصراع الذي كان منتظراً بين واشنطن وموسكو منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وبداية صعود المارد الصيني الذي يراقب بدقة، وعلى مسافة حذرة، تطور هذه المواجهة التي من المفترض أن تخرج من رحمها معادلة جديدة للتوازنات الدولية.
بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟
مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان
كيف أساءت روسيا تقدير موقف ألمانيا؟
أوروبا... تساؤلات حول مآلات الدعم لأوكرانيا
الأزمة... والدور «المشلول» لمجلس الأمن
الكرملين أمام انتصار بعيد... وهزيمة مستحيلة
بوتين «معزول» عالمياً وأمام «طريق مسدود» ... وروسيا خسرت أوكرانيا «إلى الأبد»
زيلينسكي... الممثل الهزلي لعب أدواراً كوميدية بحضور بوتين
هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟


مقالات ذات صلة

دوي انفجارات في كييف بعد إنذار من هجوم بصواريخ بالستية

أوروبا رجال إنقاذ في موقع انفجارات وقعت في وسط مدينة لفيف (رويترز)

دوي انفجارات في كييف بعد إنذار من هجوم بصواريخ بالستية

سمع دوي انفجارات صباح اليوم (الأحد) في كييف بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ بالستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (حسابه عبر منصة إكس)

أوكرانيا تتهم المجر وسلوفاكيا بـ«الابتزاز» بسبب تهديدات بقطع الكهرباء

نددت وزارة الخارجية الأوكرانية بما وصفتها بأنها «تحذيرات وابتزاز» من جانب حكومتي ​المجر وسلوفاكيا، وذلك بعدما هدد البلدان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون (رويترز)

بوريس جونسون يدعو الحلفاء لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا

قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون إنه يتعين على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين نشر قوات غير قتالية فوراً في أوكرانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون من كتيبة ألكاتراز خلال تدريب عسكري قبل إرسالهم إلى الجبهة في خاركيف (إ.ب.أ)

أوكرانيا تستهدف مصنعاً روسياً للصواريخ الباليستية بقذائف «فلامنغو»

قالت ​هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الجيش استهدف خلال ‌الليل ‌مصنعاً ​لإنتاج الصواريخ ‌الباليستية بمنطقة ​أودمورتيا في جنوب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.